حتى قبل شهور قليلة كان الرئيس البشير يُؤآزر وزير الصحة مامون حميدة ويصفه ب"البلدوزر" ويُحرِّضه على خصومه ويقول له سير سير ولا تلتفت لأصوات الأطباء والصحفيين فيما يأخذونه عليه من مسؤولية عن تردّي أحوال الصحة والمستشفيات في ولاية الخرطوم، والسبب في ذلك أن النظام كان في غاية الإطمئنان إلى أن لا أحد يستطيع مواجهته ويرفع صوته عليه، وإعتقد أن ما فعله بالنقابي الشهيد علي فضل بغرزه مسمار على رأسه قد أرهب كل صاحب ضمير حي وسط المهنيين وأخرس به أصواتهم إلى الأبد، وأن أقصى ما يفعله أي طبيب حانق على تردي الخدمات الصحية هو أن يسعى للحصول على فيزة راعي بإحدى دول الخليج ويهجر الوطن بغير رجعة.

إعتمد النظام على أن نقابات المِهن المُختلفة (الأطباء والبياطرة والمحامين وأساتذة الجامعات ..إلخ) قد أصبحت في أيدي أمينة، مُستأنسَة وأليفة وبلا أنياب، بعد أن قام بتكوينها من أبنائه المُخلصين، وأنها تقف معه في صف واحد، رزقها من رزقه، وأن أي مجلس نقابة سوف يقوم نيابة عنه بالواجب في تثبيط أيّ تحرّك داخل صفوف أصحاب المهنة حتى لا يتسببوا في حدوث أي إزعاج أو شوشرة للوزراء والحُكّام الذين يعيشون وأبنائهم في دِعةٍ ورخاء، ويكفي أن تنظيم مثل نقابة المحامين التي كانت تُعتبر خط الدفاع الأول عن الحقوق والحريات قد أصبحت تقوم بحشد قواعدها في مظاهرات تأييد النظام.

إعتمد النظام على أنه مضى بقائه في الحكم من الوقت بحيث أن معظم أبناء الجيل الحالي قد فتحوا عيونهم على وِش الدنيا ولا علم لهم بما كان عليه حال الوطن في مجال الصحة والتعليم وبقية الخدمات قبل وصول الإنقاذ للسلطة، وأن الحال الماثِل هو أفضل ما يكون، وأنه لا عِلم لأبناء هذا الجيل بأن المريض كان في أي مستشفى ريفي تُجرى له العملية الجراحية وتُصرف له الأدوية من صيدلية المستشفى وتُقدم له ثلاث وجبات طعام تتألف اصنافها بحسب حالة المريض، كل ذلك بالمجان وبلا مقابل، وأن ذلك كان هو حال التعليم وبقية الخدمات.

فات على النظام أن القذافي كان هو الآخر قد إستأمن نفسه من شعبه بعد أن إعتقد أن كل الأجيال التي أمامه من تربيته ونشأت بين يديه، فقد كان أكبر مُعارِض ليبي لا يستطيع أن ينطق إسم القذافي حتى وهو في مأمن داخل بيته دون أن يُسبِقه بلقب "العقيد القائد"، وقد جاء وقت على القذافي كان يطلب من المُعارِض أن يشتم نفسه بنفسه ويصف روحه بأنه خائن وجبان قبل أن يُعلّقه في حبل المشنقة.

كان لا بد أن يفعلها الأطباء بعد أن وجدوا أنفسهم عاجزين عن خدمة المواطن فيما يلي مهنتهم، فقد أضحى الطبيب يرى روح الطفل تتسرب من تحت يديه وهو عاجز عن إسعافه بسبب فشل ذويه من شراء زجاجة دم أو لقاح يُنقذِه من لدغة عقرب، ومن الحظ أن تأتي مواجهة النظام - هذه المرة - بمبادرة من الأطباء، ذلك أن المواطن يعلم بما آل إليه الوضع في المستشفيات ولا يحتاج إلى شرح وتنوير، وهو يعلم أن الطبيب بلا أجهزة ولا دواء يستوي مع غيابه، ويعلم أن أهل السلطة لا تعنيهم مثل هذه الخدمات، لأنهم يتعالجون وعوائلهم بالمستشفيات الخاصة وعلى حساب الدولة، وأنهم يرحلون إلى مستشفيات ألمانيا وبريطانيا وأمريكا للعلاج من الإلتهاب في اللثّة ورتق طبلة الأذن.

حال مهنة الطب والعلاج ليس بأفضل من حال التعليم، ويشهد على ذلك تمدد وإنتشار المدارس الخاصة في هذا العهد، بحيث أصبحت هناك مدرسة في (بيت) وسط كل مجموعة من المربعات السكنية، وهناك مئات من أولاياء الأمور يقبعون الآن في السجون بسبب الديون التي ترتبت على وفائهم برسوم أبنائهم في المدارس والجامعات.

كان من الطبيعي أن يتجاوز أصحاب المِهن (معلمين وبياطرة وأساتذة الجامعات ..إلخ) نقابات النظام، وأن تتوالى بيانات التأييد والمؤازرة لوقفة الأطباء، بعد أن تبين لأصحاب المهن الأخرى أن النمر الذي كان يُرهبهم له طقم أسنان إصطناعية، فإنكسر النظام وأعلن تجاوبه مع مطالب الأطباء وإعترافه بالأخطاء، فأطلق الوعود بالنظر في المطالب ودفع بكميات من المعدات والأجهزة الطبية التي كان يحتفظ بها في المخازن، وأصدر وزير العدل منشوراً يستجيب في لمطلب قديم للأطباء يمنع من مساءلتهم عن علاج الحالات الطارئة الجنائية قبل الحصول على إذن الشرطة وملئها لإستمارة بذلك.

لقد نجح إضراب الأطباء بنسبة فوق التوقُّع، وشارك فيه كثير من الأطباء الذين كانوا يُحسَبون مع النظام، بعد أن وجدوا أنفسهم في حالة مواجهة بين الولاء السياسي والاولاء للضمير، وسوف يُلاحِق العار الذين تخاذلوا من الأطباء وهو عار لن ينمحي من جباههم، وسوف يدخل معهم إلى القبر، فمثل هؤلاء لم يقرأوا صفحات التاريخ، فالذين تخاذلوا عن زملائهم في مواجهات مماثلة في زمن النميري لا يزالون مُطأطئي الرؤوس ويُذكرون بالإسم والعنوان، وهو عار يسشعرونه من اليوم وقبل أن يأتي وقت السؤال عنه، هل رأيت على شاشة تلفزيون الخرطوم الأطباء الذين تخاذلوا عن زملائهم وهم يخفون وجوههم عن الكاميرا بايديهم حت يداروا العيب؟

سوف يكتشف كل أصحاب المِهن أنهم أضاعوا وقتاً طويلة في الصمت والصبر على الدمار الذي لحق بمهنتهم، فما يشكو منه الأطباء وحملهم لإتخاذ هذا الموقف، يوجد مثله وأكثر منه عند المعلمين والزراعيين والبياطرة وأساتذة الجامعات والممرضين والصحفيين ومهندسي الكهرباء وتلاميذ المدارس والتجار وربات البيوت ..إلخ.

لقد جاء الوقت لأن يتجاوز أصحاب هذه المِهن مرحلة إصدار بيانات التأييد للأطباء وأن يستلهموا الشجاعة من موقف الطبيبات الجسورات اللائي يقُمن بالإعلان عن أسمائهن بوضعهن ديباجات على صدورهِن أثناء السير أمام كاميرات الصحافة، فقد جاء الموقف يسعى بنفسه لأصحاب المِهن حتى يتخذوا القرار الصائب.

سيف الدولة حمدناالله

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.