الذي نصح الرئيس - بحسب أخبار هذا الإسبوع - بالسفر إلى أمريكا هو نفسه الشخص الذي أقنعه بصحة خبر ترشيحه لجائزة نوبل، وهو شخص يُضلّل الرئيس ويريد أن يُمسخِر عليه العالم، فقد (لَفَح) خبر طائش وأقنع الرئيس بأنه قد رُشِّح لجائزة نوبل الدولية، وقد صدّق الرئيس الخبر بالحد الذي جعله يُعلِن عن ذلك في خطاب أذيع على العالم عبر الفضائيات (خطابه أمام الجلسة الختامية لمجلس الشورى القومي)، وهو في حقيقته خبر غير سليم وأصله يعود إلى مجرد تعليق صحفي صدر عن باحث بريطاني في شئون أفريقيا (أليكس دي وال)، قال فيه أن الرئيس البشير الذي يُدير إقتصاد دولة بحجم السودان بلا موارد وبميزانية أقل من مليار دولار في العام يستحق أن يُمنح جائزة نوبل، وفي لغتنا البلدي يُقال لمن يُراد له هذا الوصف بأنه (حاوي).

كما أن الذي أنهى هذه المعلومة للرئيس ليس لديه فكرة عن الكيفية التي يتم بها الترشيح لجوائز نوبل،  فالخواجة (أليكس) ولا غيره من الأفراد يستطيع ترشيح شخص ما لنيل هذه الجائزة، فالجهة التي تقوم  بتسمية المرشحين لنيلها محددة ومعلومة، وتنحصر (فقط) في نخبة مُختارة من أساتذة جامعات دول إسكندنافية (السويد والنرويج) يكونوا متخصصين في المجال الذي تُمنح فيه الجائزة (االفيزياء والكيمياء والطب والأدب والإقتصاد والسلام) ويجوّز لهؤلاء الأساتذة الإستعانة بعلماء إضافيين من جامعات أخرى، وعلاوة على ذلك، يسمح نظام الجائزة بأن يأتي الترشيح للجائزة من الذين حصلوا عليها في السابق.
 
من حظ الرئيس أن الهيئة التي تُشرِف على جائزة نوبل لم يطرق سمعها أمر هذا الترشيح (ولعله حدث وليست مهتمة بذلك)، وإلاّ لصار عليه ما جرى للمصري عبد الرحيم راضي، وراضي هذا طالب صيدلة من نواحي محافظة سوهاج، أُشاع بأنه فاز في مسابقة عالمية نظّمتها ماليزيا لحفظ وتلاوة القرآن الكريم، فإبتهج له كل الشعب المصري، وأقيمت له المهرجانات، وتناوبت الفضائيات المصرية في إجراء اللقاءات التلفزيونية معه، وذاع صيته حتى بلغ علم اللجنة المنظمة للمسابقة بماليزيا، فأصدرت اللجنة ما يُفيد بأن هذا طالب مُحتال، لم يشترك في المسابقة ولم يسبق له دخول الأراضي الماليزية من الأصل، ولا يزال هذا الموضوع يُشكّل المادة الأولى للسخرية منه بالصحف المصرية والعالمية.
      
العقلية التي ضلّلت الرئيس بموضوع نوبل، هي التي نصحته بتقديم طلب للحصول على فيزا الدخول من السفارة الأمريكية في الخرطوم بغرض السفر لحضور جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي ستعقد هناك في بحر الشهر القادم، وقد إستندت النصيحة بالسفر  - بحسب ما ورد في تصريح كمال إسماعيل وزير الدولة بالخارجية - إلى قاعدة أحقية الرؤساء وغيرهم من أعضاء الوفود في الدخول لأمريكا بموجب نُظُم الأمم المتحدة التي تُلزِم أمريكا بمنحهم تأشيرات الدخول وتيسير أسباب حضورهم لإجتماعات المنظمة الأممية، بيد أن ذلك لا يمنع السلطات الأمريكية أن تنتظر خروج الرئيس من آخر عتبة في مبنى الأمم المتحدة ثم تقوم بالقبض عليه وإيداعه المخفر، ذلك أن حصانة رؤساء الدول تسقط طبقاً لمعاهدة فرساي (1919) في حال وُجّهت لهم تُهماً بإرتكاب جرائم حرب، وهو ما نصت عليه أيضاً المادة (27) من نظام المحكمة الجنائية الدولية التي أضافت إليها جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية.

ثم أن أمريكا لها يد قوية ولا تحتاج لغطاء قانوني لتنفيذ أمر القبض في الجرائم التي تقتنع بضرورة محاسبة الشخص الذي يرتكبها حتى لو كان رئيس دولة وصاحب حصانة، ففي ديسمبر 1989 أرسلت أمريكا قوة من الكوماندورز وألقت القبض على الرئيس البنمي "مانويل نورييجا" من داخل غرفة نومه بالقصر الرئاسي، ثم قامت بترحيله إلى أراضيها ومحاكمته بالسجن (17) سنة عن أفعال مشمولة بالحصانة لكونها قد وقعت في دولته وخارج إختصاص الولايات المتحدة، لمجرد إنسحاب أثر تلك الجرائم على المجتمع الأمريكي، وكانت التُهم التي وُجهت إليه تتعلق بتلقيه رشاوي من عصابات المخدرات الكولومبية لتسهيل مرورها إلى أمريكا.


الذين ورطوا الرئيس مع المحكمة الجنائية وقيدوا حركته الدولية  لتكون بالتخفّي وفي محيط الجيران، هم الذين أشاروا اليه بالتمسك بدفع عدم اختصاص المحكمة الجنائية بسبب عدم مصادقة السودان على قانون المحكمة الجنائية، فالدفع بعدم إختصاص محكمة لا يدحض التهمة عن المتهم، فهو دفع شكلي ومؤقت غاية ما يُحقق لصاحبه تحويل القضية لمحكمة أخرى ذات إختصاص، فالتهمة حتى لو كانت باطلة، الصحيح أن يعمل من لصقت به على مواجهتها ومحاولة دحضها وتفنيدها، ومشكلة النظام أنه خدع نفسه بما حصل عليه من تأييد ومؤازرة الرؤساء الأفارقة في موقفه من المحكمة الجنائية، وقد أضرّ به هذا الموقف بأكثر مما أفاده، فالرؤساء الأفارقة فعلوا ذلك على المغطّى ودون أن يتعرّفوا على حقيقة التُهم الموجهة للرئيس والتثبت من كونها تُهماً جِديّة أو كيدية، ولم يُظهروا رغبة في معرفة تلك التُهم أو الإطلاع عليها، فكل واحد منهم - فيما عدا قِلّة -  يرى نفسه في محنة الآخر، ويعتقد أن مُناصرته لرفيقه هي مُناصرة النفس للنفس.

هذه هي العقلية التي أوصلت البلاد للحال الذي تعيشه، عقلية تتألف من مزيج من الجهل وقِصر النظر والإفتقار للمسئولية، أنظر إلى ما ذكره القاضي الأمريكي "جون بيتس" الذي حكم في أكتوبر 2014 بتغريم حكومة السودان مبلغ (10) مليار دولار كتعويضات في الدعاوى القضائية التي رفعها أقارب ضحايا تفجير البارجة "كول" بموانئ اليمن، وهو حكم نافذ قامت بموجبه الحكومة الأمريكية، بالحجز على ما وقع على يدها من أموال تخص السودان، وسوف تظل تطارد أي أموال له أخرى حتى تستوفي المبلغ المتبقي. أنظر لماذا وكيف صدر هذا الحكم ضد السودان دون أن تكون له علاقة بحادثة التفجير ؟

يقول القاضي في تعليقه على طلب السودان برفع الحجز عن أمواله المحجوزة: " لقد أدهشني تجاهل حكومة السودان حضور جلسات القضايا المرفوعة ضده دون مبرر مع علمه التام بها، فقد إستعان السودان بمحامٍ أمريكي في الجلسات الأولية للقضية الأولى ولكنه توقف عن حضور جلسات الدعاوى الست التي رفعت ضده بعد ذلك برغم أنه تمت ترجمة متعلقات القضايا وإرسالها للسودان عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية" ومضي القاضي يقول: "يبدو أن السودان قد استيقظ أخيراً الآن ليرفع دعوى بإبطال الحجز على أمواله بعد كل هذا الإهمال الذي صاحب القضية حتى صدور الحكم، إنه شيئ لا يُصدّق أن لايجد مسؤول سوداني واحد الفرصة على مدى سنوات لإرسال حرف واحد بالبريد الإلكتروني للتواصل او إبداء عدم القدرة في المشاركة في الجلسات".

هكذا تضيع أموال الوطن، بل هكذا يضيع الوطن،،


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.