•    بخلاف ما يحدث وما هو شائع، ليس صحيحا أن رئيس الجمهورية لديه سلطة إسقاط العقوبة عن السُجناء هكذا دون معايير أو ضوابط، والصحيح أنها تخضع لما يخضع له الموظف العام في ممارسته لسلطته التقديرية من شروط موضوعية، والعفو من العقوبة سلطة يتمتع بها جميع الرؤساء في العالم تقريباً، والحِكمة وراء هذه السلطة (ومن هنا يكون قياس موضوعية إستخدامها) هي تمكين رئيس الدولة من تحقيق مصلحة ذات طبيعة عامة من وراء الإفراج عن السجين، ومن أمثلة ذلك، إسقاط العقوبة عن سجناء في قضايا سياسية، أو إطلاق سراح بعض السجناء (بشروط معينة) بمناسبة الأعياد والمناسبات الوطنية، أو الإفراج عن سجين أجنبي لوساطة دولية، أو أن يكون ذلك مراعاة لظروف إنسانية تفاعل معها المجتمع، كإسقاط عقوبة السجن عن أب توفى أبناؤه في حادث مأساوي ..إلخ شريطة أن يُجبر ضرر المجني عليه في الجريمة محل العفو.

•    وإذا كان القانون قد منح رئيس الجمهورية سلطة العفو بعد صدور الحكم، فقد منح مثلها لوزير العدل في مرحلة ما قبل صدور الحكم التي يستطيع بموجبها إيقاف التحري أو سير المحاكمة (المادة 58 من قانون الإجراءات الجنائية)، وقد قُصِد من هذه السلطة - أيضاً -  تمكين وزير العدل من التغليب بين تحقق المصلحة العامة في إتهام ومحاكمة شخص أو مجموعة أفراد وبين التغاضي عن ذلك، والمثال التقليدي لما أُستُهدِفت به هذه السلطة هو وقف الإتهام في قضايا القتل التي تحدث أثناء الحروب القبلية، حتى يُفسِح الطريق للصلح بين القبيلتين المُتصارعتين برعاية الدولة.

•    لم يشهد التاريخ خلال فترات الحكم السابقة حالة واحدة إستخدم فيها رئيس الدولة أو وزير العدل هذه السلطات بالمخالفة لهذه القواعد، فيما عدا حالة يتيمة إستخدم فيها الدكتور حسن الترابي وكان يشغل منصب النائب العام (1987) سلطة سحب الإتهام وأوقف بها سير محاكمة قضية كُبرى (عُرِفت بقضية البترول) وذلك لأسباب أسريّة وبسبب ما تربطه من علاقة بالمتهم الأساسي في القضية.


•    لا تزيد سلطة رئيس الجمهورية في العفو بإسقاط عقوبة سجين عن كونها سلطة تقديرية مثلها مثل سلطة وكيل النيابة  التي يستخدمها في الأمر بالقبض على متهم أو بتفتيش منزل، وكما لا يجوز لوكيل النيابة أن يُسيئ إستخدام سلطته بالقبض على مُستأجِر منزله لأنه تأخر في سداد الأجرة، لا يجوز لرئيس الجمهورية أن يستخدم سلطته في إطلاق سراح سجين في قضية جنائية (إغتصاب) لمجرد أنه ينتمي لحزبه السياسي، أو يعفو عن آخر لنفس السبب وهو يعلم أن إطلاق سراحه من السجن سوف يتسبب في ضرر عام بمصلحة البلاد.


•    ولا تعني عدم مساءلة المسئولين التنفيذيين عن إساءتهم لإستعمال السلطة التي منحها لهم القانون إضفاء أيّ مشروعية عليها، وتظل باطلة ومُوجبة للمحاسبة القانونية متى تيسّر تحقيقها في المستقبل (مثل بيع حديقة الحيوان وغيرها من أملاك الدولة وإرساء عقود إستيراد القمح والبترول والأجهزة والمعدات ومنح الإمتيازات والأراضي وإسناد عقود المقاولات ..الخ)، فالرئيس مُبارك الذي كان يعتقد - وهو في الحكم - أنه يستطيع التصرّف في برج القاهرة دون أن يسأله أحد، وقف في قفص الإتهام بعد زوال حكمه ليحاكم في قضية لمجرد أنه قام بتخصيص وتوزيع منازل شيدتها الدولة على أعوانه ومريديه بأقل من قيمتها (عُرفت بقضية الفِلل)، وكذلك حُوسِب على موافقته على بيع الغاز لدولة إسرائيل وهو قرار يقع ضمن سلطته التقديرية كرئيس جمهورية، وهو نفس الأساس (إساءة إستعمال السلطة التقديرية) الذي يُحاكم به الآن الرئيس مرسي لإطلاقه سراح سجناء بسبب إنتمائهم لنفس التنظيم الذي جاء به للحكم.

•    لا أعرف مثالاً لإساءة إستخدام السلطة التقديرية لرئيس الجمهورية في العفو من العقوبة، مثلما حدث في خصوص العفو الذي طال المحكوم في قضية تهريب قَتَلَة الأمريكي "غرامفيل"، لأن ذلك يؤدي إلى تحقيق عكس الهدف الذي مُنحت لأجله سلطة العفو، وهو الإضرار بالمصلحة العامة للبلاد، وإساءة العلاقة مع دولة أخرى (أمريكا) لديها تأثير فيما يحدث من ضيق على المواطنين، وبسبب ما يؤدي إليه هذا العفو من تأكيد لربط إسم السودان بقضايا الإرهاب وإستمرار المقاطعة الإقتصادية ووضع السودان بقائمة الدول الراعية للإرهاب.


•    لا يستطيع النظام أن يَدّعي بأنه فعل ذلك "فتونة" منه، أو أنه قصد تحدّي أمريكا كما كان يفعل في السابق، فقد دفع النظام ثمن تلك المواقف، وهو اليوم يبذل غاية جهده حتى ينال رضائها، ولكنه إساءة تقدير مزدوج في السلطة والموضوع، أما من حيث السلطة، فليس هناك سبب لممارسة سلطة العفو في جريمة بهذه الخطورة ولم يشهد لها التاريخ مثيل في السودان (تدبير عملية هروب لسجناء بحفر أنفاق في باطن الأرض)، أما موضوعها، فلأن الضحية فيها أجنبي ليس لدولته شاغل غير موضوع الإرهاب، ويكفي أنها رصدت جائزة بمبلغ 5 مليون دولار لمن يُدلي بمعلومات تؤدي للقبض على أي من المُتهمين الذين ساعدهم المُفرَج عنه على الفرار.

•    بعد أن أدرك النظام خطؤه في خصوص هذا الموضوع، عجِبت لوسيلة المُعالجة التي رأى بها كاتب كبير مثل الصحفي إبراهيم دقش (المجهر السياسي 10/4/2016)، فقد وضع اللوم على الصحف وقال أنه ما كان ينبغي عليها القيام بنشر خبر العفو الرئاسي عن السجين، ورأى أنه كان الصحيح أن يتم العفو "كُتّيمي" حتى لا تنتبه أمريكا.


•    مشكلة دول العالم الثالث، أنها تقيس قيمة المواطن في الغرب بقيمة المواطن عندها، أنظر كيف تقف إيطاليا هذه الأيام على رِجل واحدة وكم أنفقت حتى تقتص من قاتل مواطنها "جوليو ريجيني" الذي عُثِر عليه مقتولاً على طريق سفري في مِصر قبل أسابيع، وكيف تصاعد الضغط الأوروبي على مصر حتى سمحت للشرطة الإيطالية بإجراء التحقيقات على أرضها (كانت إيطاليا قد أوقفت رحلات الطيران إلى مصر)، في الوقت الذي "سبّلت" فيه دولة من دول العالم الثالث "الصومال" أرواح مواطنيها وكأنهم أغنام، وهم عائلة من أبوين وأطفالهما نزعت عصابة مصرية في نفس الأيام أعضائهم الداخلية وهم أحياء بغرض بيعها (إنتشرت صور الضحايا التي تُدمي القلب على شبكة الإنترنت).

•    بالعودة للموضوع، ليس صحيحاً أن من يمتلك السلطة لا يُحاسب عن إساءة تقديره عند إستخدامها، وهذا النوع من الجرائم لم يكن له وجود في السابق بالسودان، ويرجع ذلك – علاوة على صرامة تطبيق القانون ونُظم المحاسبة - إلى توارث الأجيال لقواعد الإنضباط الوظيفي والنزاهة حتى أصبحت جزءاً من ثقافة الوظيفة، بحيث كانت إساءة إستعمال السلطة سبباً لجلب العار على الموظف بين أقرانه، فحُسن تقدير أستعمال السلطة لا يدرّس في مقرر، ويُكتسب بالتجربة ببناء شخصية الموظف العام وفق ما يوفّره المفهوم السائد للوظيفة، لا فرق بين الأفندي بوزارة المالية أو الشئون الدينية والأوقاف أو ببنك السودان.


•    مشكلة اليوم لا تكمن فقط في أن الموظف العام يفتقر إلى حُسن التقدير عند ممارسته للسلطة التي يمنحها له القانون، وإنما في إستهانته بالقانون نفسه وتجاوز صلاحياته بسوء نية بغرض تحقيق مكاسب لنفسه أو لغيره أو بغرض الإساءة والإضرار بالآخرين، لأنه يُدرك بأنه بمأمن من المحاسبة.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.