•    وسط كل هذا الغم، حدث شيئ يحمل على التفاؤل، وهو ما قامت به شخصيات وطنية عليها القيمة برئاسة الأستاذ فاروق أبوعيسى بتأليف جسم يُعنى بالتصدي للعنف الذي يُمارس ضد طلاب دارفور بالجامعات، وكذا تحرك القوى الوطنية التي تقوم هذه الأيام بتنظيم حملة "لا للحرب" والمطالبة بوقفها، فأكبر عار وفضيحة أن يترك الشعب مهمة التصدي لما يحدث لأبناء تلك المناطق بالجامعات أو ما يقع على أهلهم من ظلم وإنتهاكات ليكون من واجبات "روابط " أبناء تلك المناطق في الخرطوم.

•    يكذب على نفسه من يقول بأن الأهالي في تلك المناطق سوف ينسون للشعب صمته لكل هذه السنواتعن الفظائع التي تُرتكب في حقهموهو يرى القنابل تسقط فوق رؤوسهم ويموت أطفالهم ونساؤهم وتُحرق قراهم ويعيشون لاجئين بالمعسكرات فيما تمضي الحياة في الخرطوم وبقية مدن السودان وكلها أهازيج وكرنفالات وأغاني وأغاني وإعلانات لكريمات تكبير الأفخاذ، دون أن يُفكر الشعب بالخروج مرة واحدة في مسيرة تُعبّر عن رفض الحرب وإستنكار المصائب التي تقع عليهم من ورائها، في الوقت الذي تخرج فيه الجماهير لمناصرة شعوب أخرى وراء الحدود في فلسطين وسوريا وأفريقيا الوسطى التي خرج الشعب لإدانة الهجمة التي حدثت بها ضد المسلمين.

•    الحقيقة التي تغيب على كثير من الناس، أن الذي يستقر في أذهان ضحايا الحرب من الأهالي البسطاء بكردفان ودارفور وفي غياب وسائل نشر الوعي اللازم، هو إعتقادهم بأنها حرب يشنها عليهم "الجلابة" من أبناء الشمال، هكذا دون تمييز، وبما يجعل كاتب هذه السطور في نظرهم على سرج واحد مع العقيد الصوارمي، ولتأكيد هذه الحقيقة، هناك واقعة لها مغزى ومعنى لا بد أن تُروى في هذا المقام، ففي فترة حكم الفريق عبود (1958 – 1964) كان قد شاع وسط الأهالي في جنوب السودان أن وزير الدفاع اللواء حسن بشير نصر قد  أعطى الأوامر بحرق الجنوب بما فيه (هذه الرواية تناقلتها الأجيال ولم تتعرض لها مدونات التاريخ كما هو حال كثير من الأحداث المسكوت عنها في تاريخ السودان الحديث)، ولما كان وزير الدفاعيحمل على خديه "شلوخ" تحكي عن إنتمائه لإحدى قبائل الشمال النيلي، فقد أخذ الأهالي الجنوبيون ذلك التصريح على أبناء تلك القبيلة من المدنيين الذين كانوا يعملون بالتجارة في الجنوب وجعولوا منهم هدفاً عسكرياً للرد عليه.

•    لقد سبق لنا القول بأن السر في بقاء الإنقاذ وتطاولها على الشعب وجعلها تفعل فيه ما تريد، هو أنها دائماً ما تضر بالشعب بالقطاعي وعلى دفعات، فهي تستفرد بكل فئة فتضربها على إنفراد بينما يقف بقية الشعب يتفرج ما دام الظلم يقع بعيداً عنه، وهكذا وقع الظلم على أهل كجبار الذين صارعوا النظام وحدهم حتى إنتهت محنتهم لما إنتهت اليه، ومن قبلهم تفرج الشعب على أهالي مدينةبورتسودان التي قدمت شهداء في إنتفاضة شعبية عارمة ضد النظام ولم يتحرك لمناصرتهم حتى تمكنت الحكومة من القضاء عليهم، وكذا حدث مع إعتصام أهالي لقاوة وبابنوسة والنهود ...الخ، وفي كل مرة تمد باقي أقاليم السودان لسانها للمنطقة التي تجابه النظام، بل وتخرج لإستقبال رموزه ويشاركونهم الرقص والهتاف والزعيق، حتى يأتي عليهم الدور، وينطبق ذلك حتى على صعيد الأفراد، فالزملاء في المهنة الواحدة (الجيش والشرطة والقضاء ..الخ) كانوا يهللون كلما قامت الإنقاذ بإحالة عدد من زملائهم للصالح العام، لإعتقادهم بأن ذلك يتيح لهم فرص الترقي والصعود للدرجات الأعلى، ثم لا تلبث الإنقاذ أن تجرٌعهم من نفس الكأس بعد فترة من الزمن، فيهلل لذلك من لم تشملهم القائمة، ومثل هذه الغفلة مستمرة حتى تاريخ اليوم، حيث لا زال هناك من يهللون لفصل زملائهم بذات قصر النظر حتى تدور عليهم الدوائر.


•    خطورة هذا المشهد أن من شأنه أن يخلق من شعبنا الواحد شعوباً كل منها يحمل من المرارة تجاه الذين تقاعسوا عن مساندته بمقدار الضرر الذي أصابه، ويضعضع الشعور بالإنتماء للوطن الكبير، بما يجعل الشعب الظلوميرمي بطوبة الوطن ويُدير له ظهره في أول سانحة تتيّسر له للمطالبة بالإنفصال كما حدث في جنوب السودان، وسوف يحدث ذلك خاصة في مناطق الحرب وبرغبة الأهالي وإرادتهم لا بسلاح الجبهة الثوريةإذا ما ظل الحال على ما هو عليه دون أن نقوم بمعالجته.

•    ثم أن أهالي مناطق الحرب لديهم قناعة بأن الذي يجري عليهم من قصف بالمدفعية والطائرات لو أنه كان يجري بأي منطقة في الشمال، لما أصبح على النظام صباح، فقد رأوا كيف إنقلب الوطن كله إلى مناحة بسقوط قذيفة على مصنع الذخيرة بالشجرة، وأفضل ما يُعبّر عن مثل هذه القناعة ما قاله الصحفي حسين خوجلي في برنامجه التلفزيوني (حلقة الأحد 16/3/2014): "يا جماعة ما تفتكروا الحرب الحاصلة في دارفور دي بعيدة، والله بكرة بتصلكم هنا".

•    برغم أن تشكيل لجنة قومية للدفاع عن أبناء دارفور تُعتبر مُساندة إسمية ومعنوية وليس من المنتظر أن تؤدي إلى نتائج عملية (نصف أعضاء اللجنة أنفسهم من ضحايا العنف والإعتقال) إلاّ أنها خطوة ضرورية ولازمة نحو بناء وتشكيل صوت وضمير واحد للأمة، فالذين كانوا وراء فصل الجنوب لا يزالون يحملون الفؤوس للإجهاز على ما تبقى من الوطن بنفس الطريقة التي قطعوا بها رأس الجنوب، فقد كتب صاحب الثور الأسود في صحيفتة "الصيحة" (عدد 6 يونيو 2015) في تعليقه على التعدي الأخير الذي حدث لأبناء دارفور بإحدى الجامعات والذي كا وراء هذا الحراك، كتب تحت عنوان "اللعب بالنار" يقول: (قتلت طلائع المغول الجدد المنتشرين في جامعاتنا من طلاب الجبهة الثورية طالباً في كلية شرق النيل وبدلاً من أن يعتذروا عن فعلتهم النكراء أخذوا يلطمون الخدود ويشقون الجيوب وتبعهم بعض قصار النظر من نائحي القوى السياسية المعارضة المنضوية في ما سمي بقوى نداء السودان تلبيساً وتزويراً وتحريفاً للحقائق يزعمون من خلاله أن هناك معركة تستهدف كل طلاب دارفور بل شعب دارفور بأكمله).

•    ليس من المقبول أن تكون هناك حرب مشتعلة طوال هذه المدة دون أن تكون هناك جهود لإيقافها من شعبنا أو من دولة صديقة أو شقيقة سوى ما تقوم به دولة قطر التي فعلت - ولا تزال - كل ما تستطيع من أجل الوصول إلى حل سلمي للقضية، فقد صمتت بقية الدول العربية والأفريقية، وإكتفى العالم بما أرسلته الأمم المتحدة من قوة عسكرية، غاية ما تستطيع فعله حماية أفرادها من الإعتداء.   

•    بخلاف ما يقول به النظام، فإنأبناء المناطق التي تشهد الحرب ينظرون إلى مقاتلي الحركات المسلحة كأبطال يقدمون أرواحهم من أجلهم، وعند هؤلاء الأهالي، ظفر واحد من هؤلاء المقاتلين برقبة أكبر كبير في نظام الخرطوم، والأهالي في تلك المناطق يحمّلون النظام لا الحركات المسلحةمسئولية المآسي التي يعيشونها نتيجة الحرب، ولا يقدح في صحة ذلك وجود عدد كبير من أبناء تلك المناطق في الصفوف الأولى للنظام مثل حسبو ودوسة والسيسي وأحمد هارون وأبو قردة وتابيدا بطرس ومسار والحاج أبو ساطور وعفاف تاور ...الخ)، فالذين كانوا مثلهم في مقدمة صفوف النظام من أبناء الجنوب هم أول من صوّت لإنفصاله، ثم ما لبثوا أن لحقوا بكراسي الوزارة في الدولة الوليدة.

•    لا نريد أن نكرر الخطأ الذي إرتكبناه بالتفريط في جنوب الوطن، وسوف يكتب التاريخ أن الإنقاذ لم تكن وحدها التي تسببت في فصل الجنوب، فقد شارك الشعب أيضاً في الجريمة، فقد وقف يتفرج وبالحركة البطيئة على كل مراحل جريمة إنفصال الجنوب وهي تجري أمام أعينه دون أن يبذل أي جهد ولو بالكتابة على خرقة قماش بتبرؤه من الفعل الذي كان يقوم به السفهاء الذين كانوا يرددون على أسماعهم (عليكم يسهّل وعلينا يمهّل) ويقولون أن خير الشمال في ذهاب الجنوب حتى تنخفض نسبة الكفّار،فلو أننا كنا قد خرجنا في مسيرات شعبية نعبّر بها عن مشاعرنا لأهلنا في الجنوب ونُعلن فيها عن تمسكّنا بهم إخوة لنا في الوطن، وقلنا لهم أننا أبرياء من المخاليق الذين كانوا يُروّجون للإنفصال وأنهم لا يمثلوننا ولا يتحدثون بإسمنا، لما ذهب الجنوب بمثل تلك البساطة.

•    

هذه هي الفرصة الأخيرة لأن نُصلح الخطأ ولا نسمح بتكراره وبما يحفظ وحدة باقي الوطن، وذلك بأن تتوسّع حملة "لا للحرب" والإعلان عن المؤازرة والتعاضد مع أمهاتنا وأطفالنا وإخوتنا في تلك المناطق حتى تبرأ الجراح التي تخلّفت في نفوسهم، وحتى لا نتجرع الندم غداً ونرمي باللوم على الغول الذي سعى لحدوث ذلك، حيث لن ينفع الندم.

سيف الدولة حمدناالله

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.