•    ليس بكثير على المشير عمر البشير أن يمتلك شقة ثلاثة غرف ومزرعة ومنزل بحسب ما ورد على لسانه في لقاء تلفزيوني، فمثل هذه الثروة وأكثر منها في هذا العهد يستطيع أن يجمعها ملازم شرطة أو موظف محلية من عمله في بحر أشهر من توليه الوظيفة، فهناك وزراء وولاة وضباط شرطة وجيش ووكلاء نيابة وقضاة وأفندية حققوا ثروات من العمولات والأراضي وغسيل الأموال، ويسكنون اليوم في قصور بها أحواض سباحة وملاعب تنس ويعالجون فتق الأذن في مايوكلينيك بأمريكا.

•    ليس هناك جديد يُذكر في مقارنة مستوى التجرد والنزاهة في عهود الحكومات العسكرية بين ما يجري الآن وما كان عليه الحال في زمن حكم الرئيس الفريق إبراهيم عبود (1958 – 1964) أو المشير النميري (1969 – 1985)، ففي تلك العهود كان الأميرالاي بالجيش وقمندان الشرطة ووكيل الوزارة والسفير يتقاعد من الخدمة ثم يتجه للسكن في غرفة وبرندة مع أم عياله في حوش والدها ريثما يتسلم مبلغ إستبدال المعاش ويبني به منزل صغير بالقرية التي جاء منها، فقد خرج الفريق عبود من الحكم ليقضي بقية عمره في منزل متواضع مبني على ستمائة متر بالدرجة (الثانية) بالعمارات كان قد حصل على الأرض التي أقامه عليها في خطة إسكانية قبل توليه الحكم، ويجاوره من ناحية مدرس ثانوي متقاعد ومن الأخرى مفتش زراعة بالمعاش (هذه معلومات شخصية بحكم سكن عمي بالمربوع المجاور)، كما خرج النميري من الحكم بنفس الذمة المالية التي دخل بها، وهي عبارة عن نصيبه الشرعي في منزل الأسرة بحي ودنوباوي بأمدرمان.

•    ليس فيما ذّكر شيئ جديد، بيد أن الذي يستلزم النظر هو مواقف رؤساء هذه الحكومات العسكرية من أعمال الفساد وحرصهم على سلامة أجهزة الدولة.

•    هناك سجال لا تزال غَبَرته في السماء يدور في الأسافير وعبر الصحف بين شخصيات معروفة حول صحة ما كان يُروى عن إستخدام الرئيس النميري ليده - وأحياناً رِجله - في ضرب وزراء حكومته عند إرتكابهم لمخالفات أو أخطاء تتعلق بواجبات الوظيفة، وبغض النظر عن صحة وتكذيب هذه الرواية، فإن في تواترها تأكيد لما عُرف عن المشير السابق من أنه كان صاحب قلب حامٍ وغيور على المصلحة العامة ولا يقبل التهاون والمساس بأصول العمل العام ومقتضيات الوظيفة، وليس هناك دليل على صحة ذلك أكثر من الموقف الذي إتخذه من القضاة - وقد سبق لنا الإشارة له من قبل -  الذين ساندوه وإمتنعوا عن المشاركة في إضراب القضاة الشهير (1983)،  الذين قال في وصفهم بعد نهاية الإضراب ما معناه أن الذي يتخاذل عن زملائه شخص جبان ولا يصلح للعمل في مهنة القضاء، فأعاد القضاة المفصولين وطرد أنصاره المتخاذلين وحولهم للعمل في وظائف ديوانية.

•    والرئيس عبود كان أكثر حرصاً على مصلحة الدولة ومؤسساتها من النميري، وهناك عشرات القصص التي تُروى في ذلك، من بينها واحدة وردت ضمن كتابات للسفير جمال محمد إبراهيم بعنوان (الفَريْق عَبّود : دُروْسٌ في التنَحّي) حكى فيها عن الطريقة التي إختار عبود أن يُنهي بها حكمه، وهي حكاية أخذها كاتبنا الكبير بدوره من كتاب لأمريكي (كليف تومسون) كان يعمل مدرساً للقانون في جامعة الخرطوم عند قيام ثورة أكتوبر، يقول السفير جمال محمد إبراهيم، ونحن ننقل ذلك بتصرف:

•    ( عندما إشتعلت ثورة أكتوبر، كان الفريق عبود مشغولاً كل الانشغال بالكيفية التي يضمن بها هيبة الجيش، ولم يكن تردّده على تسليم الحكم - وقد رأى الشعب يصرّ على رحيل نظامه- إلا بسبب حرصه على سلامة الجيش، فقد إقتنع عبود بتسليم الحكم وحل المجلس العسكري ومجلس الوزراء، ولكنه كان يرى أن يستمر في رئاسة الدولة لفترة قصيرة وبصلاحيات محدودة حتى لا يحدث فراغ دستوري وتعم الفوضى،وحتى يضمن تماسك ووحدة الجيش ولا ينفرط عقده فيبلد مساحته مليون ميل مربع، وبالفعل ظلّ رئيساً للبلاد ليوم أو بعض يوم بعد تشكيل حكومة أكتوبر، ثم،وبعد أن إطمأن على إستقرار الأوضاع، قام بإذاعة بيان تنحيه عن الحكم بنفسه وقام بتسليم الحكم إلى مجلس السيادة في منتصف نوفمبر من عام 1964،وبعد حصوله على ضمانات تحفظ هيبة الجيش وتماسكه، ذهب إلى بيته في هدوء).

•    في جانب آخر، خلال حقبتي عبود والنميري، كان التعدي على المال العام نادرة الحدوث، وكان الذين يتورطون في مثل هذه القضايا من صغار الموظفين وفي مبالغ تافهة، وبحسب مضابط الشرطة والقضاء، وما يُدلل على ذلك، أن أكثر قضية شغلت الرأي العام وجعلته يقف على رجل واحدة في تلك الفترة كان المتهم فيها ناظر مدرسة ثانوية ضُبط بالتلاعب في الأموال الخاصة بتوريد غذاءات الطلبة بالقسم الداخلي للمدرسة، وقد حوكم الناظر بالسجن عشرة سنوات مع الغرامة مائتين وستون جنيهاً هي مبلغ الجريمة (هذه القضية منشورة بمجلة الأحكام القضائية 1972).

•    لفت إنتباهي مقطع مصور وصلني عبر الهاتف من حوار بصحيفة الوطن الكويتية كان قد أجراه الكاتب الأُبهة فتحي الضو مع الرئيس البشير في 2/7/1989، أي بعد ثلاثة أيام من وصوله للحكم، في اللقاء قال البشير: (هناك فئة من المتسلقين والمطبلين الذين يلتفون حول أي رئيس ويمنحوه شعور بأنه "حاجة كبيرة كده" وهذا شيئ يفصله عن الشعب، وهذا ما وقع فيه النميري، فقد كان مثلنا مواطناً بسيطاً ومن حي شعبي لكنه جمع حوله شلة من الحرامية والمطبلين، لذلك نحن تفادينا هذا الموضوع وقررنا أن أي زول يجي يؤيد ويطبل نعزله تماماً).

•    في تقديري أن البشير – برغم ما إنتهى إليه – كان يعني ما يقول في شأن ما ورد، فقد بدأ حكمه وهو في غاية الصرامة والجدية، وقد راح ضحية ذلك أحد ضباط الجيش بمنطقة جبيت في بداية حكم الإنقاذ، فقد ظهرت على هذا الضابط نعمة وثراء مفاجئ، وبالتحقيق حوله وضح أنه كان يقوم بصرف رواتب لقوة عسكرية وهمية ولا وجود لها، وقد قُدّم الضابط للمحاكمة وصدر الحكم عليه الحكم بالإعدام، وقد تم تنفيذه بالفعل بعد مصادقة الرئيس عليه، حتى جاء اليوم الذي أصبح فيه من يقوم بمثل هذا الفعل يُمنح ترقية وجائزة، فهناك ضابط شرطة (معروف لدى زملائه) ظل - أيضاً - يقوم بصرف رواتب لجنود وهميون وذلك منذ أن كان في رتبة رائد وظل يواصل ذلك حتى تقاعد في رتبة عميد، وهو اليوم من أثرى أثرياء الخرطوم.

•    حتى وقت قريب، كانت حسنة المشير البشير الوحيدة على سلفه أنه لم يحاول تخليد إسمه بإطلاقه على المنشآت والميادين، ولم يضع صورته على الأوراق النقدية كما فعل النميري، ولم تُغنى بإسمه الأناشيد كما فعل الذين سبقوه من الحكام العسكريين، حتى قرأت قبل أيام خبراً يقول بإنشاء ما يُسمّى ب "مدينة البشير الطبية"، والذي نصح بإطلاق هذه التسمية شخص عديم خيال، ولا ينظر إلى أبعد من أرنبة أنفه، فقد ذهب إسم نميري والأسماء التي أطلقت في عهده،وكذا فعل الزمن بعشرات الأسماء في عهود الذين يشبهون حكمه (السادات – جيهان – مبارك – سوزان – القذافي ...الخ).

•    سوف يأتي اليوم - وهو قريب -  الذي يذهب فيه كل هذا العبث مع الريح، وسوف يذوب كل المجد الذي يبني فيه النظام لنفسه كما يذوب الثلج في الماء الحار، ففي يوم واحد سوف يتحول إسم "مدينة البشير الطبية" إلى " مدينة شهداء سبتمبر" وسوف يتغير إسم شارع "الإنقاذ" إلى شارع "الشهيد علي فضل"، وسوف يحمل كل مرفق وشارع إسم شهيد من شهدائنا، تماماً مثلما تحولت حدائق "مايو"إلى حدائق "أبريل" وطوى النسيان سيرة "جمعية ودنميري التعاونية" بعد أن كانت تملأ الأرض.

سيف الدولة حمدناالله
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.