ليس من الحكمة النبش في حق جهة تعارض النظام مهما كان الخلاف معها، فآخر ما يتمناه صاحب قلم يؤمن بالحرية أن يُسهم بكلمة منه يشمت بها النظام أو يكشف بها مواطن الضعف عند المعارضه، ومنذ زمن تحالف الأحزاب المعارضة بالقاهرة كان قد سرى فيما بين أقطابها (سجع) لغوي يقول: "لا مُعارضة لمعارِض"، وهو قول سديد وحصيف، بيد أن نصف من قالوا بهذه العبارة أضحوا – فيما بعد - من رموز النظام نفسه، سواء في العلن أو من وراء حجاب.
بيد أنه من الواضح أن العمل بهذه القاعدة على إطلاقها قد أضر بالمعارضة بذات القدر الذي أستفاد منه النظام، ولعل ذلك ما يُفسر تمكٌن عصابة مؤلفة من بضعة مئات من اللصوص و "الناضورجية"  أن تجثم على صدور 44 مليون مظلوم دون أن يتمكنوا من رفع الظلم عن أنفسهم أو يجربوا ذلك مجرد محاولة، فهناك خلل ولا شك، أن تستطيع المعارضة السباحة في المحيط  ثم تغرق في حوض غسيل، فليس هناك عقل يقبل كيف تستطيع المعارضة المسلحة – مثلاً - أن توفر لنفسها المدفعية والسلاح والذخيرة والمدرعات التي تمكنها من تحقيق هذه الإنتصارات العسكرية في ميادين القتال، ثم تعجز عن توفير شريط مصور على هاتف "جالاكسي" لتوضح فيه للشعب الذي تقاتل بإسمه أخبار ما يجري في ميدان المعركة !! أو أن تقوم بشرح  الأهداف من ورائها، وتترك عقول الشعب لتتلقى ما يقول به النظام وحده.
تخطئ المعارضة المسلحة إذا إعتقدت أن الشعب يمكنه أن يقف معها على المغطى لمجرد كراهيته للنظام، وهي تتجاهل وجوده وتمتنع عن مخاطبته حتى ببيان توضح فيه ما تفعل وتشرح فيه الهدف الذي تسعى إليه من كل خطوة، فلا يمكن لأحد أن يفهم كيف تسلم المعارضة للنظام صفيحة الطلاء التي تشوه بها اللوحة التي تريد عرضها على الجمهور بعد إكتمالها.
يأتي هذا الحديث بمناسبة المعارك العسكرية التي جرت وتجري في "ام روابة" و "أبوكرشولا" ومناطق شرق جبال النوبة، فبعد كل ما تحملته الجبهة الثورية من أرواح وأموال وضحايا، تركت آذان الشعب وعقوله ليسمع الرواية التي يقول بها (إعلام) النظام حول ما جرى ويجري في تلك المناطق، حيث قال النظام بأن جيش الجبهة الثورية يتألف من لصوص وحرامية وقطٌاع طرق قاموا بنهب وترويع المواطنين، وأخذوا منهم الهواتف والنقود، وكسروا الحوانيت ونهبوا منها البضائع، كما روٌج النظام بأن جنود الجبهة الثورية  قد دخلوا البيوت على النساء بهدف إشباع الغرائز والإغتصاب، كما ذكر بأن قوات الجبهة الثورية هي التي قصفت محطة الكهرباء الرئيسية التي تخدم المنطقة بغرض الإضرار بالمواطنين!!
بل مضى النظام إلى أبعد من ذلك، بنشر خبر وفاة القائد عبدالعزيز الحلو نفسه، وجرى ذلك على لسان أكبر رموز النظام، وفي الوقت الذي سخٌر فيه النظام عدد من القنوات الفضائية وعدد لا يُحصى من الصحف اليومية، للترويج لهذه الأخبار وغيرها، عجزت المعارضة المسلحة – بعد كل الجهد الذي أنفقته في المعركة – أن تجد لنفسها موقع تنشر فيه شريط مصور لتثبت فيه عدم صحة خبر وفاة القائد عبدالعزيز الحلو حسب ما تقول، وتخاطب منه – من الموقع – الشعب لتقول بأن الطيران الحكومي هو الذي قصف محطة الكهرباء وأن جنودها أبرياء من التهم التي روجها النظام في حقهم.
لا أحد يدري كم سيمضي من الوقت حتى تدرك المعارضة بأنها بهذه الطريقة – غياب المنفذ والخطاب الإعلامي - تنقض غزلها بيديها وتهدي إنتصاراتها لعدوها الذي يقلب هزيمته لإنتصار ويغسل أدمغة الشعب بما يروج له من مزاعم وروايات، فالثابت أن "المعلومة" تتفوق على "المدفع"، وأن الحرب مهما بلغ التجهيز لها يتحقق فيها النصر للطرف الذي يستطيع أن يصل لعقول وقلوب الشعب قبل الآخر، والمحزن أن المعارضة تعلم كل هذا وأكثر، بل أنها دفعت ثمن ذلك على داير المليم، فهي تعلم أن أخطر سلاح يستخدمه النظام في وجهها هو ما يشيعه بأن المعارضة تقوم على أساس عنصري يهدف لطمس الهوية العربية، ومثل هذا الكلام المهين يلقى في أجواء دولة الهوس من يستمع إليه ويروج له حتى في أوساط المتعلمين والمثقفين (لا أقصد غازي سليمان الذي يستثنى لأسباب طبية وإنسانية)، فمن الذي يفكر للمعارضة المسلحة ويجعلها تنفق كل هذه الجهود لتهديها لخصمها.
هذه كارثة، أن تعتمد حركة بهذا الحجم في نشر أفكارها وتوضيح أهدافها ونشر البيانات العسكرية عبر "بوستات" أنصارها من أعضاء منبر "سودانيزأونلاين"، هذا عبث لا يحقق نتيجة، وهو إهدار للجهد والأرواح بلا طائل، ومثل هذه الحقيقة لا تحتاج لبيان، ولا بد للمعارضة أن تسأل نفسها، ما سبب وقوف كثير من أبناء دارفور أنفسهم مع النظام، الذين يخرجون بالآلاف في إستقبال رموز النظام !! ومن باب الكذب على النفس إنكار ذلك، بل أن أبناء تلك المناطق من المظاليم  في دارفور وجبال النوبة هم أكبر أنصار النظام ومريديه، فالذي جاء بهؤلاء هو مايكرفون وكلمة لا قذيفة مدفعية. 
رغم مضى عدد من السنوات على محاولة قوات حركة العدل والمساواة للدخول العاصمة بقوة السلاح، لا يعرف أحد - حتى اليوم -  ماذا كان الهدف من تلك المعركة على وجه التحديد، ولم تتكرم حركة العدل والمساواة – حتى اليوم - بتوضيح ذلك بما يزيل اللبس الذي أصاب الشعب حول تلك المعركة التي حصدت كثير من الأرواح، وقد طرحت هذا السؤال في جلسة حوار بمنزلي على صديقي وزميلي أبوبكر القاضي وهو من أبرز القيادات الفكرية التي تتحدث بإسم أبناء دارفور، وللقاضي إجابة على هذا السؤال لا نريد سردها بلسانه بما يمكن أن يؤدي لإساءة فهم وجهة نظره، فهو أقدر مني ألف مرة في التعبير عن أفكاره إن أراد، بيد أن الحقيقة التي لا تقبل الدحض أن الفائدة التي عادت للنظام من تلك المعركة أكبر من الخسارة التي تحققت لخصومه.
هذا حرث في البحر، فقد إنقطعت أنفاس شعبنا من الصبر على مظالم ومفاسد وعوار النظام، وليس هناك أمل يلوح في الأفق غير الذي يضعه كثير من الناس على ما تقوم به الجبهة الثورية خاصة بعد توقيع ميثاق الفجر الجديد في كمبالا، وبعد تلاشي الأمل في عودة الروح للقوى والأحزاب السياسية التي لا يُدرك لها مكان إقامة أو عنوان، ولهذا كان لا بد من توجيه هذه الكلمة لقادة هذا التنظيم حتى يتمكنوا من مراجعة مواطن الخلل في حساب الأولويات بما يؤدي لهذا التأخير والتعطيل في تحقيق النصر النهائي والمنتظر، فما ينقصنا هو غياب الكلمة ونشر المعلومة وكسب الرأي العام لا القذائف والمدفعية.

سيف الدولة حمدناالله
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.