لا أدري كم بلغ عدد مدراء الشرطة الذين تعاقبوا على الفريق أول شرطة عادل العاجب وهو يرابط في منصبه كنائب للباشا المدير، ولكنها - بلا شك - مدة كافية لأن تجعل منه "أقدم" آدمي يحمل مثل هذه الرتبة بين نظرائه في الكون، برغم أنها رتبة ليس لها رديف في قوة شرطة بدولة متخلفة أو متقدمة، ذلك أنها تفوق بدرجة رتبة قائد القوات الجوية للجيش الأمريكي، كما أن أعلى رأس بالشرطة المصرية يحتفظ برتبة "لواء" من عهد النقراشي باشا حتى حكومة مرسي.

الفريق أول العاجب - وهو قابع في هذه الرتبة - قام بتخطيه كثير من تلامذته الذين أصبحوا رؤساء عليه، من بينهم مديره الحالي، وهو كادر إخواني من بين من يُقال لهم "شرطة الكيري"، ذلك أنه تخرج في كلية العلوم بجامعة الخرطوم وإلتحق بالشرطة في رتبة نقيب، ولم يمارس أي عمل شرطي سوى فترة قضاها بالشرطة الشعبية قبل أن يتم تعيينه كمدير لمكتب الرئيس البشير الذي جاء منه لهذا المنصب.

قبل ايام خاطب الفريق العاجب مؤتمر خاص بشرطة ولاية الخرطوم بحضور الوالي عبدالرحمن الخضر، فقال فيما قال بقلب جامد: " إن الخرطوم أكثر مدينة آمنة في العالم". ومثل هذا الحديث يرد على صاحبه صبيان هذا الجيل بالقول "إنت جادي؟؟"، بيد أن ما يُوجع القلب ويفطر الفؤاد، أن النظام الذي جعل من الوطن مسرح كبير للجريمة - وفق ما نورده في التفصيل اللاحق – ويقول أحد رجاله هذا الكلام، كان أكثر ما يأخذه على النظام الديمقراطي وإتخذ منه مبرراً للإنقلاب على السلطة في  يونيو 1989، هو إنفراط الأمن وتفشي الجريمة آنذاك بحسب زعمه، وكانت صحف التنظيم الذي يحكم اليوم، "ألوان" بقيادة حسين خوجلي و "الراية" برئاسة محمد طه محمد أحمد، تنام وتصحو وهي تضرب على هذا الوتر، حتى تحقق للتنظيم إستلام السلطة.

وجه المسخرة في حديث العاجب أنه تزامن مع تقرير قامت بنشره صحيفة (حريات) جاء فيه أن إدارة مشرحة أمدرمان قد قامت في يوم واحد بدفن (30) جثة لطفل حديث الولادة تم جمعها – الجثث – من مناطق متفرقة بولاية الخرطوم، ويرجع سبب وفاة الأطفال بحسب رأي الدكتور جمال يوسف المسئول عن المشرحة لعمليات "خنق وتفطيس" بحسب تعبيره، وقبل هذا التقرير كانت صحيفة الإنتباهة قد نشرت مثله للأستاذة سارة شرف الذي جاء فيه أن مشرحة أمدرمان وحدها قد إستقبلت (200) جثة لطفل مجهول النسب وذلك خلال العام "التناسلي" 2012، من أصل (984) جثة قتيل وردت للمشرحة في ذلك العام.

والشرطة في عهد الإنقاذ ضلع في الجريمة لا في منعها ومكافحتها، ولا يقدح ذلك في نزاهة واستقامة الكثيرين من الشرفاء والوطنيين من الضباط وصف الضباط والجنود، فقد شهدت بنفسي "كمين" قامت بنصبه قوة من الشرطة بقيادة نقيب، ويتألف الكمين من لافتة صغيرة  كتبت بخط رديئ وعُلٌقت على عمود كهرباء عند بداية شارع ترابي بوسط الكلاكلة القبة – أي والله – كُتب عليها: "طريق لإتجاه واحد"، ثم اختبأت قوة الشرطة عند منعرج في منتصف الطريق، لتصطاد "المخالفين" ثم تقوم ب "تسوية" المخالفات بما يرضي الطرفين.

والمفارقة تكمن في الدور المعكوس الذي يجعل الشعب هو الذي يكشف الجرائم التي يرتكبها أفراد الشرطة، ومن ذلك ما نشر بعدد من الصحف عن واقعة مفادها أن الأهالي بمدينة عطبرة قد تناقلوا فيما بينهم الحديث عن مظاهر الثراء المفاجئ الذي ظهر على عدد من ضباط وجنود شرطة المرور فانتشر الخبر حتى بلغ الصحف، فاضطرت رئاسة الشرطة بالخرطوم للتحقيق في الأمر واستدعاء مدير شرطة المرور بولاية نهر النيل الذي كشف عن اشتراك مجموعة من العاملين بالشرطة في تشكيل عصابة تقوم بتزوير رخص قيادة المركبات.


شرطة هذا حالها من الواجب على من يتحدث باسمها أن يحشي فمه بالتراب، لا أن يفتري على عواصم العالم ومن بينها مدن إذا أبلغ فيها الرجل عن تأخر إبنه عن العودة من المدرسة توافدت عليه ثلاث دوريات شرطة في وقت واحد، فليس هناك مدينة آمنة في السودان اليوم، وليس هناك إنفلات أمني يمكن أن تحدث في مدينة بالعالم أكبر من قيام جماعة مسلحة بتحرير متهمين قيد المحاكمة من داخل قاعة المحكمة وفي حضور القاضي والشرطة كما حدث في السودان.

الجريمة في عهد الإنقاذ لم تعد جريمة زمان، لا من حيث النوع ولا المقدار، وقد شاهدت حلقة من برنامج "حالة إستفهام" الذي تقدمه المذيعة نسرين النمر بقناة النيل الأزرق والذي كشفت فيه عن تفشي ظاهرة النهب وسط الأحياء الذي تقوم به عصابات لحقائب وهواتف النساء والفتيات في شوارع الخرطوم، من بينهن صحفيات وموظفات وطالبات وربات بيوت، كما أن هناك جرائم ظهرت في هذا العهد لم يشهد بوجودها محضر تحري أو محاكمة من قبل، من بينها جريمة شهادة الزور التي أصبح لها سوق بمكان معلوم، والتي سبق لنا الكتابة حولها بشكل مفصل، وأصبح الإبن ينحر والده بالسكين، ويضرب والدته بالكرباج، وتفشت جرائم إغتصاب الأطفال، والتحرش الجنسي بالتلاميذ، والخطف من المنازل، وزنا المحارم، وتعاطي الطلبة والطالبات للمخدرات، وتزوج المرأة بأكثر من رجل.

بيد أن ما يفطر قلبي ويقلق المنام، خبر قرأته قبل أيام عن واقعة لا تشكل أركانها جريمة بحسب القانون، ولكنها أكثر من ذلك بكثير، يقول الخبر: " دفع رجل أمام محكمة شرعية بإنكار نسب أبنائه الثلاثة إليه بهدف التهرب من الإنفاق عليهم"، فمن أين يأتي الأمان في هذا الزمن العجيب يا "العاجب"!!!

تنويه: سوف ننشر مقالنا القادم عن القضاء في عهد مولانا أبوسن في يوم السبت بعد القادم بحول الله.
سيف الدولة حمدناالله
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

////////////