آخِر من يصلح لقيادة الوطن لفترة رئاسة قادمة هو الرئيس الحالي عمر البشير، وأكبر مهانة يمكن أن تحدث في حق الشعب هي ما تردده بعض الحلاقيم هذه الأيام بالقول بعدم وجود "بديل" للبشير في قيادة البلاد، فهؤلاء مجرد لصوص ومنافقين وأصحاب مصلحة، ومثل "القيادة" التي قدِر عليها البشير للبلاد يمكن أن يقوم بمثلها أي مواطن يُؤتى به من طرف السوق الشعبي أو من أي موقف للمواصلات، فهي قيادة بطيش وإهمال وبدون ترخيص، لم يأتِ من ورائها خير الاٌ على أهله والمحاسيب، فهو لم يكن رئيساً لكل السودانيين، كان رئيساً لنخبة حصلت على كل شيئ، في مقابل شعب من "البدون" فقد كل شيئ، وبخلاف الطبيعة البشرية التي تزيد المرء خبرة وحِنكة مع الأيام، فإن رصيد البشير من ذلك يمضي بالمقلوب، فأخطاؤه تزداد فداحة في النوع والمقدار مع كل شمس تشرق، فأفضل خدمة يقدمها البشير للوطن هو أن يعطيه عرض أكتافه.
وليس هناك عاقل يمكن أن يُصدٌق ما قاله البشيرعن عزمه التنحي من السلطة بنهاية فترة رئاسته الحالية، ولو أنه كان صادقاً في ذلك لما قال هذا الكلام من الأساس، ذلك أن البشير - بحسب الدستور – ليس له الحق في الترشح مرة أخرى أصلاً حتى يقول بأنه غير راغب في ترشيح نفسه، فليس كلامه سوى حيلة، قصد بها إعداد الملعب والجمهور لمبارة جديدة، تنتهي بتعديل الدستور بما يسمح له بتمديد بقائه في السلطة، ولكنها حيلة مستهلكة وقديمة ومكشوفة، ليس هناك زعيم أفريقي لم يسبقه عليها.
وسوف تتكشف تفاصيل هذه الحيلة يوماً بعد يوم بسعي البشير على تقديم نفسه في "نيولووك" سياسي جديد، وسوف يقابل ذلك كثير من الناس بالزعيق والهتاف والترحيب، بما في ذلك الأحزاب التي جربت أن تلعق فضلات الطعام من مائدة الإنقاذ، والواقع أن تنفيذ هذه الخطة قد بدأ بالفعل، ومن ذلك مبادرة الحوار الوطني التي حملها مساعد الرئيس عبدالرحمن المهدي  لقادة معارضة قوى الإجماع الوطني والتي طلب فيها التحاور معهم من أجل إيجاد مخرج لأزمة الحكم، وهو – البشير – قبل هذا اليوم لم يكن يطيق أن يرى وجوههم (وصف البشير رئيس قوى الإجماع الوطني بما معناه أنه مقطوع من شجرة)، ومن ذلك أيضاً قرار الرئيس بالعفو عن الذين تم إعتقالهم على خلفية تأييد ميثاق الفجر الجديد، وقد قابل ذلك كثيرون بالإشادة والتهليل، دون أن يتساءلوا عن السند القانوني الذي جعل البشير يقبض عليهم في الأساس حتى يقول أنه قد عفى عنهم.
وسوف تشهد الأيام القادمة الكثير من جنس هذه القرارات للبشير "الجديد" يخطب بها وُد الشعب الذي كان قد أدار له ظهره لكل هذه السنوات، وبحسب تقديري سوف يقوم بعزل مساعديه والوزراء والمسئولين الذين إرتبط إسمهم بالفساد، أو الذين الذين تسببوا في الفشل الذي عانى منه الشعب في السياسة والإقتصاد والعدالة والحرية .. ولن يعتق البشير في سبيل ذلك رقبة أي من معاونيه المخلصين والمقربين إليه، بما في ذلك عبدالرحيم حسين والمتعافي وعلي كرتي وعطا المولى وأسامة عبدالله وغيرهم في سبيل تحقيق ذلك، وسوف يعود البشير من جديد للحديث عن إعادة المفصولين من الخدمة المدنية والعسكرية و تعويضهم عمٌا أصابهم من ضرر، كما سيعلن عن وقف الرقابة على الصحف ومنع مصادرتها وإتاحة حرية التعبير، كما سوف يُنشئ ديوان جديد لرد المظالم، ويمنع أجهزة الأمن من إجراء الإعتقالات السياسية، ويُعيد فتح دور منظمات المجتمع المدني التي تم إغلاقها ..الخ.
ومن الغباء التعويل على النصوص الدستورية في منع البشير من ترشيح نفسه، فتعديل مثل هذه النصوص في بلاد من أمثالنا يتم بالسهولة التي يسوٌي بها الرجل شنبه، كما أنه ليس من المنتظر أن تتصدى المحكمة الدستورية لأي محاولة يقوم بها قائم لتعديل الدستور، برغم مقدرتها نظرياً على ذلك، فالمحكمة الدستورية لا تتمتع بالإستقلال المطلوب عن رئيس الجمهورية وجهاز الدولة، ويشهد تاريخها عن عجزها - منذ نشأتها - على التصدي لقضايا الحقوق الدستورية الأساسية للمواطنين التي ترتب على التعدي عليها مظالم و إنتقاص في الحقوق، كما أن الرئيس البشير صاحب فضل على قضاة المحكمة الدستورية، مثله مثل الكفيل بالسعودية، فهو الذي يقوم بتعيينهم وفق أسس غير معلومة، ليس من بينها الخبرة والكفاءة والدراية بالفقه والقانون الدستوري (تم قبل شهور تعيين الأستاذ محمد أحمد الطاهر كقاض بالمحكمة الدستورية لكونه من أبناء إحدى قبائل شرق السودان والذي كان يعمل حتى لحظة تعيينه كمغترب بالسعودية وبخبرة قضائية ثلاث سنوات).
والحال كذلك، لم يبق غير الحكم على بقاء البشير أو ذهابه سوى من واقع كشف حساب الفشل والنجاح خلال فترة حكمه، ومشكلة الحديث عن إنجازات حكم البشير أنه من الصعب تحديد نسبة تحقيقها وما إذا كانت بفعل الزمن والطبيعة أم النظام، ذلك أن تقادم الزمن ومروره يقود لتطور تلقائي لا يُحسب في حسنات مخلوق، ومن ذلك تطور المباني والعمران و فتح المدارس وشق الطرق وتعبيدها ودخول الكهرباء مناطق جديدة ..الخ، فمثل هذا التطور يحدث حتى لو تكن هناك حكومة من الأساس.
أما من واقع الفشل والأخطاء، فالبشير آخر ذكر بالغ في الوطن يصلح لقيادة البلاد، وأعظم أخطائه أنه عجز عن الحفاظ على وحدة الوطن بما حدث من فصل للجنوب، كما عجزعن حفظ ترابه (حلايب وشلاتين في الشمال والفشة في الشرق).

وفوق ما ذكر، هناك أسباب لا خلاف حول جملة من المثالب والمناقص التي لازمت حكم البشير، والتي نشير إليها دون تفصيل،  لتأكيد مسئولية الرئيس البشير عن أي منها وبشكل شخصي، ذلك أنه وبحسب الدستور فإن نظام الحكم الرئاسي يجعل رئيس الجمهورية مسئولاً عن أفعال معاونيه من الوزراء والمسئولين في حكومته، والتي يمكن تلخيصها في الآتي:


•    إندلعت في عهده الحروب في كل من دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق التي عجز عن تسويتها وراح ضحيتها ملايين من المواطنين وتشٌرد مثلهم وتفرقوا بين معسكرات اللآجئين.

•    تفشي في عهده الفساد المنظم بجهاز الدولة ومسئوليته عن تقاعسه في محاسبة المفسدين.


•    إنهارت في عهده الخدمة المدنية والعسكرية والقضاء كنتيجة لسياسة التمكين وقيامه بفصل الكوادر المؤهلة من قطاعات الخدمة.

•    تدمرت في عهده المشاريع الزراعية وتوقفت المصانع والمحالج والمدابغ والسكك الحديدية والنقل النهري والبحري.


•    تم في عهده بيع مؤسسات الدولة دون سبب أو مبرر لصالح حفنة من المنتفعين واللصوص (لا يعلم كثير من أبناء هذا الجيل أن فندق "كورنتيا" الحالي وهو شركة مالطية توسط القذافي لحصولها على الموقع الذي كان تقام عليه أهم معلم له قيمة في وجدان أجيالنا المتعاقبة وهو"حديقة الحيوانات"!!)

•    تفشت في عهده الجريمة والفساد الأخلاقي وإنتشرت المخدرات والدعارة واللواط في أوساط غير أوساطها.


•    والرئيس البشير – سواء بالحق أو بالباطل – مطلوب القبض عليه دولياً وممنوع من السفر والمشاركات الدولية، وهو بذلك لا يستطيع مباشرة مهام وظائفه الرسمية.

تبقى القول بأن الهدف من هذا المقال ليس رصد لمعلومات بقدرما محاولة لوضعها  "تحت سقف واحد" حتى تُعين على فهم الحقيقة دون تزييف، كترياق مضاد للحملة التي يقودها الذين بدأوا من داخل المؤتمر الوطني – وللأسف – من خارجه في الترويج بالقول بأنه " ليس هناك بديل للرئيس البشير"
وأخيراً، فليس هناك من مهانة يمكن أن تصيب الشعب أعظم من أن تكون نهاية هذا العهد  بأيدي "تيار الإصلاح" الذي خرج من رحم الحزب الذي يشارك البشير المسئولية في كل ذلك، فليست هذه النهاية التي ننتظرها لحكم الرئيس البشير، فلو أنه ذهب بهذه الطريقة فسوف يخلف وراءه ألف "بشير"، إن لم يكن أسوأ وأضل.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.