في المقابلة التلفزيونية التي اجريت معه بقناة النيل الازرق، سئل رئيس الجمهورية المشير عمر البشيرعمٌا اذا كان يوافق على وجود خلل في الصرف على الامن والدفاع في مقابل ما تصرفه الدولة على الصحة والتعليم ، اجاب الرئيس : " لو كانت كل ميزانية حكومة السودان مخصصة للقوات المسلحة لكانت قليلة عليها ، لانه لا يمكن ان تكون هناك دولة قوية بلا امن ، لاننا اذا لم نكن اقوياء، الناس ديل سيطمعوا فينا".

بحسب دفتر احوال القوات المسلحة السودانية، فان آخر رصاصة اطلقها الجيش السوداني في معركة ضد عدو (اجنبي) كانت اثناء الحرب العالمية الثانية قبل (70) سنة ، وذلك حين دخلت (الفرقة الاولى) التابعة لقوة دفاع السودان بقيادة الملازم محمد نصر عثمان في معركة عنيقة ضد القوات الايطالية، والتي تصدت فيها - بنجاح - للقوات الغازية التي كانت تحاول الدخول الى مدينة كسلا عبر الحدود الحبشية (مارس 1941م) وطردت على اعقابها، وقد سبقت تلك المعركة، بطولة اخرى بقيادة الملازم عبدالله مصطفى (يوليو 1940م)، والتي دخلت هي - ايضاً -  في معركة مع قوات ايطالية بمنطقة القلابات، ومنذ ذلك التاريخ لم تصوب (قواتنا) الذخيرة الحية الا على من تجري في عروقهم دماء سودانية.  

واقع الامر ان الميزانية العامة للدولة لم تبتعد كثيراً عن افكار الرئيس ، فقد رصدت الانقاذ مبلغ (1700) مليار جنيه للامن والدفاع والشرطة،  (77% من مجموع الميزانية) ، كما رصدت - فوق ذلك - مبلغ (121) مليار جنيه لتأهيل مباني وزارة الدفاع ، ولا يمكن للمواطن ان يدرك معنى تلك الارقام، دون ان يعلم ان ما رصد للتعليم بذات الميزانية في سائر ربوع البلاد بلغ (31) مليار جنيه فقط . فهل استطاعت ميزانية الامن والدفاع ان تصد (من يطمعوا فينا) ؟

بدورنا – نحن رعايا دولة الانقاذ – لا ندري معيار (القوة) الذي يستهدفه الرئيس حتى نكون في مأمن من طمع الطامعين، فنحن – ولله الحمد – ليس لدينا من قوة (نظامية) الا وجلس على قمتها (فريق اول) يعاونه مئات من الفرقاء واللواءات، فالشرطة المصرية (وتشمل ما يوازي جهاز الامن والمخابرات لدينا) لم تشهد في تاريخها من تقلد رتبة اعلى من درجة اللواء العادلي، والجيش الامريكي لا يعرف رتبة (الفيلد مارشال) والتي يقال لها بالعربي (مشير)،اذ يجلس على قمة الهرم العسكري الامريكي الضابط المحترف جيمس لوفلاس وهو برتبة توازي (فريق). واخيراً، فاذا كان الشاب ريموند اوديرنو قائد القوات الامريكية لعموم منطقة العراق وافغانستان يضع على بزته العسكرية شارة (مقدم) فان جيشنا السوداني قد خصص (ياور) برتبة عميد للسير خلف الرئيس البشير ومؤتمناً على حقيبته الرئاسية (الياور السابق كان برتبة لواء).

واجب الانصاف يقتضي ان نقول ان القوات المسلحة السودانية طوال عهود ما قبل الانقاذ استطاعت ان تحافظ على تراب الوطن، وبلغة اهل العسكر (لم تفرط في شبر واحد من ارض البلاد)، وقد شاءت الاقدار- بعد كل هذه المدة -  ان يكون نصيب الجيش الانقاذي تحمل المهمة التي انشئت الجيوش من اجلها، وهي الدفاع عن تراب الوطن ضد (قوات اجنبية).

ففي عام 1995 قامت الحكومة المصرية ، دون ان تنتقل من مقعدها ، بالاعلان عبر التلفزيون عن احتلال منطقتي حلايب وشلاتين باهلها وزرعها وضرعها وارضها التي تبلغ اكثر من 20 الف كيلومتر مربع وضمها للقطر المصري، وفي المقابل لم يطلق جيش الانقاذ طلقة مطاطية في الهواء لارهاب القوة الغزية، ولم تكلف الحكومة – بداعي الحرج – نفسها باطلاق بيان استنكار صحفي، وازاء هذا الصمت، قامت الدولة الغازية (بمصرنة) الشعب السوداني في تلك المنطقة، وانشأت المدارس والمستشفيات والوحدات الادارية ونقاط الشرطة، وادرك الاهالي الفرق بين ان يكونوا مواطنين مصريين وبين ان يكونوا راعايا سودانيين، فانخرطوا في الحياة واداروا ظهرهم – الى الابد – الى دولة الانقاذ.

في ذات العام قامت الحكومة الاثيوبية باحتلال منطقة (الفشقة) وهي منطقة مشاريع زراعية خصبة، تبلغ مساحتها 251 كيلومتر مربع، و تقع بين نهري ستيت وعطبرة و تبعد 70 كيلومتراً الى الجنوب من مدينة القضارف، وعقب احتلال الارض وقف الجيش الاثيوبي يحمي الحقول الزراعية التي آلت الى مزارعين اثيوبيين يحصدون خيراتها امام اصحابها من المكلومين السودانيين ، ولم تتحرك اية قوة عسكرية سودانية للدفاع عن (الاشبار) الشرقية.

التهديد الوحيد الذي تلقته القوات الاثيوبية الغازية، لم يكلف وزارة الدفاع شيئاً من ميزانيتها المليارية، اذ جاء بلسان السيد / فرح عباس رئيس المجلس التشريعي لولاية القضارف الذي اعلن عن عزم اهالي المنطقة على الخروج وحمل السلاح لتحرير الارض بعد ان توغل الاثيوبيون حتى بلغوا عمق حظيرة الدندر ( جريدة الصحافة 18/3/2008).


الواقع الذي نعيشه اليوم يقول بأن الآلة العسكرية لم تعد قادرة على حسم المعارك مهما بلغت من القوة، وان زمن الحروب الارضية التي تدعمها موسيقى (القرب) قد مضى ، ولم تعد تقاس قوة (العدو) بما يملكه من عتاد عسكري بقدرما يملكه من يقف خلفه، فعند بداية الانتفاضة الشعبية في ليبيا، كان التلفزيون الليبي يعرض طوابير الطائرات و المدرعات والراجمات المتطورة والمدفعية الثقيلة والصواريخ المضادة للطائرات، ثم شاهد العالم كيف قامت طائرات حلف الاطلنطي باصطياد المدرعات الليبية واحالتها الى كتل من الرماد ، وكيف تحولت المدفعية المخصصة لاسقاط الطائرات الى العاب نارية، وكيف تحولت اسراب الطائرات الى حديد خردة قبل ان تحلق في السماء الليبية.
 
انه لمن المحزن ان يتحمل المواطن السوداني ثمن (المقذوف) الذي تصرعه به اجهزة الامن ، والهراوات التي تفتك بها جسده ، ويسدد ثمنها نقداً من حصيلة ما يدفعه من ضرائب وعشور لدولة الانقاذ ... بدعوى انها ... ميزانية امن ودفاع عن تراب الوطن.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.