لا بد ان حكومة الانقاذ – التي لا تزال تلوذ بالصمت – تبحث لها عن مخرج لتبرئة نفسها من مسئوليتها عمٌا حدث في ليبيا من حالات القتل الجماعي والعشوائي لمئات من الرجال والنساء والاطفال ، وسحل جثثهم والتمثيل بها ، فضلاً عن جرائم الاغتصاب والتعذيب والضرب والاهانة ، وهي الجرائم التي ارتكبتها الجماهير الليبية الغاضبة في حق السودانيين الابرياء الذين شاء حظهم العاثر ان يهجروا وطنهم الذي تنكر لهم وضاق بهم وعليهم ، فذهبوا يبحثون عن لقمة العيش الشريف اينما اتفق.
 من سخرية القدر ان الجهاز الحكومي الذي يسمى ب (جهاز السودانيين العاملين بالخارج) ، الذي يتولى رفد خزينة الانقاذ بالرسوم والضرائب والزكاة والرسوم ، من الاموال التي يحصدها من عرق امثال هؤلاء الضحايا ، كان اول من اعلن واعترف بوقوع تلك الجرائم ، وليس فيما فعله جهاز المغتربين ما يزكيه للقول بشجاعة القائمين بامره في  ذلك الاعتراف ، فالجهاز يعلم (وقد حدث بالفعل) ان تقارير القنوات الفضائية لم تكن لتستر عورة لحكومة الانقاذ ، فقد شاهدنا - ضمن بقية سكان الارض - ما جرى في حق اخواننا واخواتنا وابنائنا من جرائم في ليبيا بالصوت والصورة بقناتي ( الجزيرة) و (البي بي سي) الفضائيتين.
لا نستطيع الجزم بوجود مرتزقة افارقة يحاربون في صفوف العقيد الليبي من عدمه ، فلم يتثنى – حتى الآن – تقديم ادلٌة ملموسة على ذلك ، والواقع يقول انه دائماً في مثل هذه الثورات ، لا تبحث جماهير (الثورة) عن ادلة وبراهين ، لما تصلهم من اخبار بشأن اعدائهم ، فهي حين تقوم بتفريغ حنقها وغضبها لا تقيس افعالها حتى بميزان الحطب.
في مثل هذا الوقت، اطلقت وزارة الخارجية السودانية بلسان ناطقها الرسمي خالد موسى (انتقل للخارجية من موقعه كمذيع بتلفزيون السودان) ، اطلقت تصريحاً يقول :  " التحقيقات التي قامت باجرائها الحكومة السودانية اثبتت بالأدلة تورط متمردي دارفور في الأحداث " . ولم يذكر خالد موسى شيئاً عن (ماهية) تلك التحقيقات التي اجرتها وزارته، وما اذا كانت قد جرت بحي (قرقارش) بطرابلس او بنيابة القسم الاوسط  بالخرطوم ،  كما لم يشر البيان الى الادلة التي تحصلت عليها وزارة الخارجية السودانية وهي ادلة ليس لها وجود ،  فالباشا خالد موسى – بسلامته – ادلى بتصريحه ثم انصرف الى مشاغله الاخرى وهو يدري او - لعله لا يدري-  ان رؤوساً وايدي لبني وطنه سوف تقطع جراء بيانه المريض.
محنة اهلنا السودانيين المقيمين بالجماهيرية الليبية، لم تتوقف على ما فعلته بهم تصريحات خارجية كرتي، رغم انها كانت كافية في ذاتها لتنزل بأهلنا ما حدث بهم ، فقد تكالبت عليهم محنة اخرى ، بطلها الداعية الاسلامي القرضاوي ، ففي خطبة الجمعة التي القاها غداة نشوب الانتفاضة الليبية ، ذكر القرضاوي بالحرف ما يلي : " هناك مرتزقة من دارفور يحاربون الى جانب قوات النظام الليبي " .
اذا كان حديث (مذيع) الخارجية قد اخذته الجماهير الثائرة في ليبيا كحديث اهل دنيا وسياسة ، فان حديث القرضاوي لم يكن ليؤخذ الا  من خلال صفته كداعية ورجل دين ،فتكالبت على اخوتنا في ليبيا احاديث الدين والدنيا، و القرضاوي – تماماً مثل صنوه الكرتي – لم يوضح مصدر معلوماته وادلته (الشرعية) التي استند اليه في اتهام السودانيين ، ومثل ما قال به القرضاوي يقع في علوم الدين الذي جعل منه مهنة يتكسب بها ، يقع في باب (الفتنة)، واذا كان فاطر السموات والارض قد قال عنها في كتابه العزيز انها –الفتنة – اشد من القتل ، فان سيرة الاسلام منذ نزوله على افضل الخلق لم تقدم مثالاً للفتنة التي تفوق القتل نوعاً ومقداراً مثل الفتنة القرضاوية في حق اهلنا السودانيين، و لا اعتقد ان القرضاوي قد اصابه شيئ من الارق حين هجع الى مرقده وهو يشاهد – عبر القنوات الفضائية - اوصال اخوته – في الاسلام – من السودانيين وهي تهوى من اجسادهم، فنعمة النوم باكراً لا تتيسر الا لمن يحرص على قيام الليل.
الشيخ القرضاوي ، لم يترك رئيساً من رؤساء الامة العربية، الا و نزل ضيفاً عليه كما ينزل الملوك والرؤساء، وليس من بين (مضيفي) القرضاوي) من هو افضل من العقيد الليبي المجنون، فقد  قام موقع (الساحة العربية نت) بشبكة الانترنت، بنشر صور فوتوغرافية حديثة يظهر فيها الشيخ القرضاوي هاشاً باشاً مع العقيد الليبي في خيمته الصحراوية ، وكان وقتها العقيد الليبي قد ارسل الى الدار الآخرة اضعاف من يفتك بهم هذه الايام ( في عام 72 قام القذافي بقتل 1800 معتقل سياسي في حفل جرت مراسمه داخل اسوار المعتقل) ، كما حوى الموقع ايضاً صوراً اخرى للفقيه الاسلامي وهو يحتضن الرئيس بشار الاسد ثم مع زين بوتفليقة.
 وفي هذه الايام اعلن عن زيارة القرضاوي لحلفائه في الخرطوم (6-7 مارس الحالي) ليوجه اكفه بالدعاء لمناصرة اخوانه في فلسطين، وقيل ان ضمن فقرات برامجه – ايضاً -  تقديم محاضرة بدار الفنانين حول (مشروعية) الغناء في (الاسلام) ، وقد استبق الشيخ هذه المحاضرة بتقديم نموذج بصوته وصورته للاغنية الاسلامية ، بمصاحبة (كورال) يضم بين منشديه تلميذه الوفي عصام البشير ، وقد تولت مواقع العرض بالشبكة العنكبوتية بعرض الاغنية كاملة.
لقد توقفت كثيراً عند كثير من الاقلام التي تناولت موضوع المجزرة التي حدثت لابناء وبنات الوطن بليبيا ، ولا تزال المجزرة يجري رحاها، حيث ذكرت كثير من الاقلام ان ثوار ليبيا لا يفرقون بين سودانيي (الحركات المسلحة) وغيرهم من سودانيي (الاغتراب) ، ولعمري ، هذا قول تنقصه الكياسة ، فاذا كانت وزارة الخارجية قد قصدت ان تنيب الشعب الليبي عنها في القضاء على اعضاء حركات دارفور المقيمين بارضها ، فان التمييز بين الفئتين – في هذا المقام – لا تنبغي الاشارة له ، فواجب الدولة ان تحمي مواطنيها حتى لو كانوا من المعارضين.
انه لمن المخجل ان تقف حكومة السودان ، وجهاز السودانيين العاملين بالخارج مكتوفي الايدي دون جهود حقيقة لانقاذ ابناء الجالية السودانية بليبيا وترحيلهم الى ارض الوطن، رغم ان الازمة لا زالت مستمرة ، فقد اوردت التقارير ان عمليات القتل والاغتصاب لا تزال مستمرة ، وان ابناء الجالية السودانية في ليبيا لا يزالون سجناء في منازلهم ولا يستطيعون الحصول على المواد الغذائية والادوية .
لقد ارتكب الشيخان القرضاوي وكرتي جريمة مكتملة الاركان في حق ابنائنا وبناتنا الابرياء ، هذه الايدي التي ترتكب مثل هذه الجرائم وهي التي تقول بعشقها لرياح الجنة وتؤدي الصلوات في ميقاتها ، لا تخادع الا انفسها ، وستجد نتائج افعالها يوم اللقاء الاكبر ، يوم لا يفرق الله بين عباده بالعمائم التي يضعونها فوق رؤوسهم ولا باللحى التي ترسل على محياهم .
لا نملك الا ان نترحم على روح ابنائنا وبناتنا من الشهداء ، وان نسأل الله ان يفرج كربة الاحياء وان يسخر لهم من اصحاب الضمير  ليعينهم على العودة سالمين رغم ثقل ما يحملونه من جراح.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.