ليس عندي دليل على سوء قصد من جانب المجلس العسكري، ولكن بطرفي ألف دليل على عدم يقظة السياسيين الذين يتناوبون الواحد تلو الآخر على زيارة ومخاطبة المجلس دون أن ينتبهوا للتعيينات التي أجراها المجلس العسكري لمناصب أجهزة العدالة في قيادة القضاء والنائب العام ومفوضية الفساد، وقد شملت في مجملها شخصيات لا مأخذ عليها من حيث السمعة والتأهيل، ولكنها تشترك في حقيقة أن جميعهم شغلوا مناصب قيادية في أجهزة عدالة النظام المخلوع، والمنصب القيادي في أجهزة العدل ليس مثل نظيره فيد القوات المسلحة أو وزارة التعاون الدولي أو غيرها من الوزارات، فالعدالة لا تتجزأ، والذي يعهد إليه أمرها في هذه المرحلة بالذات يجب أن يكون من بين المؤمنين بالمبادئ التي تحكمها، ولم يشهد ضياعها أمام عينيه وهو صامت، وان يكون له موقف واضح ومعلن من أي انتهاكات تنالها.

وهناك كثيرون من القضاة الأبطال الذين ما هان على أنفسهم الانتساب إلى أجهزة العدالة المشوهة والعاجزة في العهد البائد، ولفظوا مزايا المناصب وتقدموا باستقالتهم طوعا من العمل رفضا للظلم وما جرى من انتهاكات. كما أن هناك عشرات من المناضلين بين القضاة السابقين وغيرهم من القانونيين في سلك المحاماة الذين ناهضوا النظام في سبيل مجيء هذا اليوم.

هل تساءل أحد، ما السر الذي جعل المجلس العسكري يهرول بهذه السرعة لتسكين أشخاص في هذه المناصب هكذا في هدوء وغفلة من الجميع!. وما الذي جعل المجلس العسكري يتذكر إسم القاضي يحي ابوشورة وهو يعمل حالياً في دولة الإمارات عن طريق الإعارة وكان قبل ذلك يشغل وظيفة رئيس عام تسجيلات الأراضي.

لا أحد يمكنه أن يجادل في حقيقة أن أولى أحلام الشعب، قبل الخبز وانعدال حال الاقتصاد، هي أنها كانت ولا تزال في أن تتحقق له العدالة بالقصاص من الذين أزهقوا أرواح الأبرياء وإنتهكوا الأعراض ونهبوا خيرات الوطن ثم تقاسموها فيما بينهم، ولا يتحقق ذلك دون الإصلاح العاجل لدولاب العدالة، وذلك بإبعاد منتسبي هذه الأجهزة التي تشمل القضاء والنيابة العامة والشرطة من ازيال النظام والفاسدين، ونحن ننادي بأن يتم ذلك عن طريق التثبت بإجراءات قانونية سليمة حتى لا يفتح الباب للوشايات وتصفية الحسابات، وأن يتم اختيار كفاءات تؤمن بمبادئ العدالة واستقال القضاء والنيابة العامة ولها رؤية وتصور في القيام بتنفيذ الإصلاحات المنشودة.

لا يمكنني ختام هذا الحديث دون التأكيد لكل من يثاوره الظن بأن كاتب هذه السطور يكتب ذلك من باب العشم في أي من هذه المناصب، بأن يطرد ذلك من عقله، ذلك أنج ما قمت به من افصاح ومجاهرة بالرأي حول كثير من جرائم أركان النظام ومفسديه قد افقدني الحياد المطلوب للإمساك بميزان العدالة أو المشاركة فيه، وقد دفعني إلى تدوين ما ورد ما ينتابني من قلق وإشفاق على مصير العدالة التي ننشد، وقد قصدت من ذلك تنبيه قادة الحراك الشعبي لما يجري قبل أن يأتي الوقت الذي يتابع فيه الشعب يوماً بعد يوم وعلى شريط الأخبار ما يفيد بأن كل المقبوضين قد أفرج عنهم بكفالة ثم يهربوا بأموال الشعب ونعود نحن الضحايا نتجرع مرارة الظلم مرة أخرى وننادي بثورة جديدة قد تلزمها سنوات عديدة أخرى قبل أن تتفجر.

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.