لم يبلغ علمي أن شخصاً لطَم وتجزّع من حبسه في زنازين الأمن بمثلما فعل الفريق أول أمن صلاح عبدالله قوش عندما أُعتُقِل في أكتوبر 2012 بتهمة تدبير محاولة إنقلابية، برغم أن قوش - بخلاف ما جرى لكثير من المُعتقلين الآخرين - خرج من المُعتقل بجسد ودُبرٍ سليمين ولم يناله شيئ من الأذى سوى ما رُوي عن تلقيه صفعات باليد على وجهه من زميله اللواء عبدالغفار الشريف النزيل حالياً بالسجون.


وبرغم عِظم التهمة التي حُبِس بسببها صلاح قوش (تدبير إنقلاب) والتي كان نظام الإنقاذ قد أعدم بسببها ضبّاطاً آخرين ثبت أنهم لم يُشاركوا في إنقلاب (رمضان 1990)، إلاّ أن قوش نجح في الحصول على معاملة إنسانية خلال فترة حبسه نتيجة "الجِرسة" التي إفتعلها في ذلك الوقت هو وأسرته التي أحسنت مؤازرته بالضغط على النظام للحصول على تلك المُعاملة، فقد كان شقيقه عبدالعظيم عبدالله يصرخ في كل المنابر للتعبير عن قلق ذويه من تردِّي حالة "قوش" الصحية بسبب ما يعانيه من أمراض في القلب نتيجة الإفراط في التدخين، وقال شقيقه في تصريح نُشِر بصحيفة الشرق الوسط بتاريخ 1/12/2012 وتداولته جميع الصحف الأخرى أن زوجة "قوش" وبناته لم يستطعن مقابلته إلاّ بعد مرور ثمانية أيام من إعتقاله.

وخلال فترة الحبس، كان قوش - بحسب رواية شقيقه - قد تعرّض لأزمة قلبية، وجرى نقله نتيجة ذلك إلى مستشفى (الأمل) التابع إلى جهاز الأمن، ولكن أسرته طالبت بنقله إلى مستشفى القلب لإفتقار المستشفى الأول للإمكانيات المطلوبة لعلاجه، ثم كان أن دخلت إحدى كريماته وتعمل طبيبة في إضراب مفتوح عن الطعام حتى تحقّق نقل والدها إلى حيث حصل على العناية الطبيّة المطلوبة، فيما إنتهى الأمر - كما هو معلوم - بتوسُّط جماعة من أهل الخير لدى رئيس الجمهورية فعفى عنه لوجه الله وعاد "قوش" إلى عياله في قصره محمولاً على الأعناق وسط الزغاريد والأهازيج في الموكب المشهود الذي تناقلته وسائل الإعلام.

ما جعلني أستدعي سيرة تلك الأيام في شأن إعتقال صلاح قوش، أنني إستمعت صباح اليوم (19/2/2019) إلى تصريح على إذاعة "بي بي سي" لشخص إسمه "أبي عز الدين" قال فيه أن المعتقلين الذين لا يثبت ضلوعهم في عمليات تخريب يتم إستكتابهم تعهدات بعدم فعل ذلك ويطلق سراحهم، أما الذين يثبت عليهم ذلك فبطبيعة الحال لا بد من تقديمهم للمحاكمة !! وأبي عزالدين هذا لا تُعرف له وظيفة بجهاز الدولة بعد طرده من القصر بعد تورُّطِه في شرب الرئيس لمقلب "فنيلة ميسي" في العملية الإحتيالية المعروفة.


هذا ما دفعني لأن أستدعي اليوم لتوضيح المفارقة ما كنت قد دوّنته - في حينه - عن قيام (100) من المحامين الذين ينتمون لمختلف الأحزاب السياسية ونشطاء في مجال الحقوق بتأليف هيئة دفاع فيما بينهم برئاسة المحامي نبيل أديب "تطوّعت" للدفاع عن المُعتقل صلاح قوش والمطالبة بإطلاق سراحه، وكنت قد كتبت في حينها حول بوصف هؤلاء بأنهم متنطٌعين لا متطوعين، وقلت أن التنطٌع هنا صفة لا شتيمة، وهو يعني المغالاة والحزلقة والتشدّد في إظهار الوفاء للمبدأ او العقيدة (في هذه الحالة مبادئ العدالة والقانون)، فليس هناك من ينكر حق المتهم "قوش" في الإستعانة بمحامٍ للدفاع عنه، برغم أن مثل هذا الحق الدستوري والقانوني لم تصادره جهة في تاريخ العدالة بالسودان سوى محاكم "الخيم" التي أقامها هذا النظام الذي ظل المتهم ينتمي كواحد من كبار رموزه طوال عمر الإنقاذ.

فالأصل أن يقوم المتهم بإختيار محاميه بنفسه من بين الذين يثق في مقدراته المهنية ويؤمن بعدالة موقفه في القضية التي يواجه فيها الإتهام، وليس هناك سبب (لتطفل) محام للدفاع عن شخص لم يختاره المتهم الاّ عند توافر ظروف معينة سوف نقوم بمعالجتها في سياق المقال، وهناك المئات - بل آلاف - من المحامين الإنقاذيين الذين يقفون مع "قوش" في خندق واحد وتتوفر فيهم هذه المعايير ليختار "قوش" من بينهم من يشاء، من بينهم محامين كبار مثل عبدالرحمن الخليفة وعبدالباسط سبدرات.. الخ، ويشهد على عددهم هيمنة الإنقاذيون - بالتصويت وفق زعم النظام - على (جميع) مقاعد نقابة المحامين في دوراتها المتعاقبة منذ مجيئ الإنقاذ، دون أن يتركوا مقعد واحد لغيرهم، فليس من اللائق أن يمسح "المجلود" العرق من جبين الجلاد، فليفعل ذلك جلاد مثله.

كما أن وجه المفارقة الآخر حول هذا الموضوع، أن في داخل حراسات "صلاح قوش" اليوم ألوف من المعتقلين الذين أمضى بعضهم شهوراً طويلة بالمعتقل، كما أن عدد الذين تعاقبوا على بيوت الأشباح والمعتقلات في السابق من أبناء وبنات هذا الوطن منذ مجيئ الإنقاذ يقاس عددهم بعشرات الآلاف لا بالمئات، منهم من قضى نحبه بداخلها، ومنهم من بُترت أطرافه، ومنهم من أنتهك عرضه، ومن خرج من مخابئ الأمن سالماً تدمرت حياته ومستقبله، وهو يهيم على وجهه في الطرقات بلا عمل ولا تجارة ولا مال.


سيف الدولة حمدناالله

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.