ما كان المرء يتمنى أن يضع الشعب آماله في صفوف الخبز والبترول وماكينات صرف النقود ليعتق بهذه الوسيلة رقبته من نظام الإنقاذ، فمثل هذا السبب يمكن للنظام أن يتغلّب عليه بجولة يتسوّل فيها الرئيس أو من يُنيبه في ذلك للحصول على مكرمة مالية من دولة ثريّة وفاعِلة خير، أو بأن يتعطّف أحد لصوص الإنقاذ على الشعب بالإفراج عن جزء من أمواله المنهوبة التي يحتفظ بها في الخارج، ولا يلزم بعد ذلك أكثر من إسبوع حتى تصل البلاد عشرات البواخر وهي مُحمّلة بالقمح والوقود وغاز الطبخ ... إلخ ثم تنتهي الأزمة، وتضيع فرصة التغير ويتلاشى الأمل.

حتى الآن، هذه الفرصة نفسها لم تجد جهة تتولّى إستثمارها في تحريك الشارع بإستثناء المقترح الذي تقدّم به المناضل عمر الدقير رئيس حزب المؤتمر السوداني بتنظيم مسيرة في يوم معلوم تتقدمها قيادات أحزاب نداء السودان بالداخل، وكل ما هو مطروح من حراك حتى الآن لا يزيد عن كونه "تهويش" وتبشير من أفراد وجماعات على تطبيقات الإنترنت يقولون فيه بأن نهاية النظام قد إقتربت، ويتناقلون أخبار ينتشي لها الناس تقول بهروب بعض رموز النظام إلى الخارج، وأن الشرطة في مظاهرة ما قد هرولت هرباً من المتظاهرين، ولكن لا يوجد فعل ملموس يُذكر على الأرض.

ومن المفارقة أن تأتي هذه الفرصة لمواجهة النظام في الوقت الذي يتوالى فيه وصول وفود المعارضة بالخارج (نداء السودان) إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا بدعوة من الرئيس الجنوب أفريقي السابق إمبيكي للتفاوض مع النظام الذي يريدون إسقاطه بالداخل، وقد جاء في البيان الذي أصدرته أحزاب نداء السودان الصادر في 11 ديسمبر 2018 أنهم يتفاضون مع النظام (لإيجاد مخرج من الأزمة السياسية والاقتصادية الطاحنة التي تسحق ملايين الجوعى والفقراء من بنات وابناء الشعب)، والعبارة بين قوسين مأخوذة بالنص من البيان، فقد وصل إلى هناك وفد الحركة الشعبية ويضم مالك عقار وياسر عرمان ومبارك أردول، وأسامة سعيد من جبهة الشرق، والدكتورة مريم الصادق من حزب الأمة وسوف يصل في وقت لاحق الصادق المهدي نفسه، فيما يضم وفد النظام فيصل حسن إبراهيم مساعد رئيس الجمهورية ومحمد مختار ودكتور أمين حسن عمر وأحمد محمد آدم مفوض العون الإنساني وبشارة جمعة وزير الإعلام وعوض النيل ضحية وزير الدولة بالتعدين، إلى جانب عبدالرحمن الصادق المهدي الذي قيل أنه جاء بصفته الشخصية للقاء ذويه.


هذا مشهد لا يُبشِّر بالخير، ذلك أن المواطن مهما بلغ به عُسر الحياة والظلم والجوع، ليس من المُتصوّر أن يتحرّك من نفسه لنفسه ويطلب من أبنائه والجيران لأن يخرجوا معه إلى الشارع ليسقطوا النظام بحناجرهم، فلا بد أن تكون هناك قيادات تنظيمية للقيام بهذا الدور، فقد قامت الثورة (الأم) في أكتوبر 1964 وكان وراءها الأحزاب السياسية وكان شعارها رفض الحكم العسكري والمطالبة بعودة الحياة الديمقراطية، ولم تكن هناك أي شكوى من الشعب حول المعيشة، وكان التعليم في ذلك الوقت بالمجان من الإبتدائية حتى حصول الطالب على شهادة الدكتوراة، وكانت الحكومة توفر السكن المريح مع ثلاث وجبات غذاء لطلبة الجامعات والمعاهد العليا، وتمنح الفقراء منهم إعانات مالية شهرية وتذاكر سفر على القطارات والبواخر والحافلات لزيارة زويهم في العطلات. كما كان المريض (بما في ذلك الأجانب) في أي مستشفى ريفي تُجرى له بالمجان العملية الجراحية وتُصرف له الأدوية من صيدلية المستشفى وتُقدم له ثلاث وجبات طعام تتألف أصنافها بحسب توصية الطبيب وحالة المريض. كما أن ثورة أبريل (1985) وقف وراء نجاحها النقابات المهنية من بينها نقابة أستاذة جامعة الخرطوم والأطباء والمحامين والقضاة... إلخ


زبدة الكلام، أنه لا يكفي التعويل على حققة أن النظام قد ضرب الحيط، وأنه قد تهالك وعلى وشك السقوط بسبب الأزمة الإقتصادية، ذلك أنه، وبخلاف ما أوردناه في السابق حول ضرورة وجود رأس وقيادة لتحريك الشارع، فإنه لا بد أن يكون هناك جسم ما يُعهد إليه تسيير أعمال الدولة، وفي توضيح ذلك، كنت قد تناولت هذا الأمر بشيئ من التفصيل في مقال سابق، ورد فيه ما يلي: "هب أن النظام قد سقط اليوم سواء بثورة شعبية أو بإعلان النظام للتفليسة، فإن السؤال: من هو الشخص الذي سوف يتوجه في ذلك اليوم إلى القصر الجمهوري لمباشرة أعباء رأس الدولة ويُصدِر المراسيم الجمهورية اللازمة لتثبيت أركان التغيير ويقوم بمخاطبة الدول والمنظمات الدولية والسفراء !! ومن الذي يتوجه للقيادة العامة للجيش ويجلس على كرسي القائد العام بحيث يستطيع صرف التعليمات للحاميات العسكرية في العاصمة والأقاليم لتأمين البلاد !! ومن يذهب في نهار ذلك اليوم ويباشر مهام مدير عام الشرطة والأمن الوطني بحيث تنصاع لأوامره عشرات الألوف من الجنود والضباط بوحدات الإحتياطي المركزي ومراكز الشرطة بالعاصمة والأقاليم لضبط الأمن !!

عند قيام ثورة أبريل، كانت القوى النقابية جاهزة لإستلام الحكم لفترة إنتقالية، وكان لديها قبول في الشارع، وقد تشكّل منها مجلس الوزراء الإنتقالي، كما أن قادة الأسلحة بالجيش كانوا قد شكّلوا فيما بينهم المجلس الرئاسي للفترة الإنتقالية، وقد ترتب على ذلك حدوث سلاسة في تثبيت السلطة (بصرف النظر عن الإخفاقات التي صاحبت أعمال تلك الفترة). كما أن الدولة المركزية (في ذلك الوقت) كان لها سلطان كامل على الأقاليم بحيث لم يكن من المُتصوّر خروج أو تمرُّد أي إقليم عليه.

لا بد أن تلتفت الأحزاب والقوى السياسية للنقاط التي وردت في هذا المقال، فهذا آخر ما عندنا من كلام، فقد ضرب اليأس بالناس من قِلة حيلة قادة المعارضة حتى بات هناك من يأمل في أن ينتهز الفريق صلاح قوش فرصة غياب الرئيس في إحدى سفرياته الإسبوعية وينقلب عليه، لا، بل هناك من ينتظر أن يفعلها "حميدتي" نفسه.

سيف الدولة حمدناالله
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.