كل الدلائل تُشير إلى أن الرئيس عمر البشير يسعى لحتفه بقدميه وأن شراهته للسلطة والحكم سوف تكون سبباً في نهاية حكمه، وسوف يحدث ذلك مع أول خطوة يُقدِم عليها بتعديل الدستور بُغية تمكينه من الترشُّح لولاية أخرى، والمنطق في ذلك أن حال الشعب تحت حكم الإنقاذ اليوم أصبح يُشبه إلى حد التطابق حال رهائن الطائرة الذين يُلازمون مقاعدهم دون مقاومة تحت تهديد خاطفيها المُسلّحين بسبب خوفهم من تفجيرها، ولكن حين يُدرِك الركّاب عزم الخاطفين على توجيه الطائرة للإصطدام ببناية، هنا لا بد أن تأتي عليهم اللحظة التي ينتفضون فيها في مواجهة المُسلحين ومحاولة الإنقضاض عليهم، لأنهم يستيقنون بأنهم في الحالتين ضايعين، فليس هناك مواطن سوداني لم يُوصله عقله إلى أن قبوله بإستمرار هذا الحكم سوف يؤدي إلى فناء سلالة أجداده ومسح السودان من وجه الخريطة، وأن الأفضل له أن يختار المقاومة حتى لو إنتهى ذلك بموته بطلقة على الرأس على أن يموت بالتقطيع بموس حلاقة، وهو يرى نفسه وأطفاله يموت بلا أمل ولا مستقبل.

الحُجّة الوحيدة التي ظل يُرددها أهل النظام في تبرير إستمراره في الحكم، هي التلويح بصيرورة السودان إلى حالة من الفوضى والإنفلات مثل ما يحدث في ليبيا وسوريا واليمن، ومثل هذه الحجة تصلح سبباً لزوال النظام لا بقائه، لأنها حُجّة لا بد أن يُلازمها سؤال: من الذي جعل وطن مثل السودان أهله طيبون ومتسامحون يواجهون هذا الخطر؟ من الذي أنشأ المليشيات العسكرية وجعلها قوة ضاربة، وهي تتألف من جنود مُتفلِّتون لدى الواحد منهم إستعداد لأن يستخدم سلاحه في قتل المواطن الأعزل في نزاع حول فرخة، وقد رأى الشعب كيف قاموا بقتل أكثر من مائتي طالب وطالبة بطلقات إستهدفت الرأس والصدر لتفريق مظاهرة سلمية. ومن تسبّب في إشعال الحروب في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وهي مناطق كانت آمِنة وتعيش في سلام قبل مجيئ الإنقاذ ؟

كما أن هذ الحُجّة غير سليمة ولا تقوم على أي أساس، فالذين يرفعون السلاح في أطراف السودان، يفعلون ذلك في وجه نظام الإنقاذ لا في وجه المركز، وليس هناك شيئ يوحِّد الوطن ويجمع كلمة أهله مثل إتفاق الجميع على فشل النظام وفساده، فالجميع شركاء في الظلم طالهم من وراء الإنقاذ، والذي سيحدث هو عكس ذلك تماماً، فالسودان بمجرد ذهاب البشير ونظامه سوف يضع تلقائياً كل أزماته ومشاكله وراء ظهره، فسوف تتوقف الحروب في جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور بحسب ما تعهّدت به قيادة الجبهة الثورية وحركات دارفور،وهي حروب تكلف الدولة نصف الميزانية التي تنفقها في دعم السلع والمحروقات والتعليم والصحة، كما سوف تنتهي المقاطعة الدولية ويُرفع إسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ومن ثم الحصول على إعفاء الديون الخارجية أو بعضها، ويكون للبلاد رئيس يستطيع تمثيل بلده في المحافل الدولية، وتُسترد بلايين الدولارات التي تم نهبها من خزينة الدولة وجرى تحويلها للخارج، ويُعاد بناء مؤسسات الدولة والخدمة المدنية والقضاء والجيش على أسُس قومية سليمة، ورسم سياسة تعليم ورعاية صحية ... إلخ

من حظ المُعارضة أن أهل النظام هذه المرة وجوههم على الأرض وليس من بينهم شخص عليه القيمة إستطاع أن يجهر بصوته في الدفاع عن فكرة تعديل الدستور، وقد إستمعت إلى حلقة مُدهشة من حلقة برنامج "نقطة حوار" على إذاعة "بي بي سي عربي" أجمع فيها المُتداخلون على فشل وفساد النظام ومعارضتهم لتعديل، ولم يجد النظام من بين كل أعمدته غير الفتى "أُبَي عزالدين" ليدافع عنه، و "أُبي" هذا هو المستشار الصحفي السابق بالقصر الذي كان قد جعل الرئيس يلبس "السُلطانية" حين خدعه بموضوع قميص لاعب الكرة الدولي "مِيسي" وطُرِد بسبب ذلك من وظيفته (أين الخبير الوطني ربيع عبدالعاطي؟)

في مُداخلته ذكر المستشار المعزول أن نعديل النظام الأساسي للمؤتمر الوطني بفتح مُدة رئاسة الحزب شأن داخلي يخُص أعضاء المؤتمر الوطني، وأنكر أن يكون التعديل له علاقة بترشيح البشير لرئاسة البلاد، وقال أنه من حق المواطنين من خارج الحزب أن يعترضوا كما شاءوا إذا حينما يأتي وقت تعديل الدستور (إذا حدث).

فاكهة حوار البرنامج جاءت على لسان أحد المُتداخلين (من القضارف) قال في ثقة وحماس شديدين أنه لا بديل للرئيس البشير بأي شخص آخر لحكم السودان، وإذا ما ذهب البشير سوف تتقسّم البلاد إلى دويلات في الغرب والشرق والجنوب، فضحك ساخراً مقدم البرنامج (محمد عبدالحميد) وعلّق على ذلك بالقول: ولكن البشير هو الرئيس الوحيد الذي إنفصل في عهده السودان إلى قسمين، فهمهم صاحب المداخلة بكلام غير مفهوم قبل أن يسترِد تماسكه وقال: نعم الجنوب إنفصل ولكن الشمال أصبح كله بقلب رجل واحد خلف البشير.

بالعودة إلى مراوغة الشبل "أُبي" في الحديث عن عزم الحزب على تعديل الدستور لتمكين الرئيس من فترة رئاسية أخرى (تعلّم "أُبي" هذه الخِصلة من أعمامه في التنظيم)، فإن محاولة تعديل الدستور أمر مؤكد من النظام ما لم يسبق ذلك حدوث عجز كامل للرئيس أو موته أو حدوث تغيير بإنتفاضة أو بإنقلاب، وفي تقديري أن هذه المحاولة سوف تكون فرصة تجمع الشعب وكل قوى المعارضة على هدف واحد يسهُل تحقيقه، وهو رفض ومقاومة تعديل الدستور، وسوف تجد هذه الوقفة مساندة كل العالم، فالكل يعرف أن تجديد المُدد الرئاسية هي الآفة التي أقعدت بأفريقيا، وقد حكى في هذا المعنى صراحة الرئيس الأمريكي السابق أوباما في خطابه المشهود، وكذلك فعل رجل الأعمال السوداني محمد إبراهيم "مو" بسخرية مُفرطة في خطابه أمام عدد من الرؤساء الأفارقة، وهي الآفة التي تُفسِّر مُساندة الرؤساء الأفارقة للرئيس البشير في خصوص التعميم الصادر بالقبض عليه بواسطة محكمة الجنايات الدولية، و(معظم) الرؤساء الأفارقة من طينة واحدة، كل رئيس يرى نفسه في الآخر، ومصيره من مصيره.

لقد فعلها شعب جمهورية "بوركينافاسو" قبل شهور قليلة، جعلوا محاولة تعديل الدستور بواسطة نظام الرئيس "كومباري" سبباً في الإطاحة به، برغم أن "البوركيناب" ليست لديهم غبينة ضد نظام حكمهم مثل غبينتنا، ولا تعرضوا لمثل قهرنا وظلمنا، وهي بلد ليس فيها معسكرات للاجئين في وطنهم، ولا يُقصف شعبها بالطائرات والمدفعية، ولا يستأثر فيها أبناء الحزب الحاكم وحدهم بوظائف الدولة وقطاع الأعمال ويترك باقي الشعب يدور حول نفسه، فإذا كانت أسباب الثورة عند "البوركيناب" تُقاس بالوقية، فأسباب ثورتنا تُقاس بالقنطار.

الظروف السياسية التي تسببت في إندلاع الثورة في "بوركينافاسو" تشبه إلى حد التطابق مع ما يجري الآن في السودان، فقد وصل الديكتاتور "كومباري" للحكم هناك عبر إنقلاب عسكري قبل إنقلاب البشير بعامين (1987)، ثم أضفى على حكمه شرعية بعد ذلك بإعلان فوزه بفترة رئاسية بموجب إنتخابات طبقاً لدستور نَجَره بيديه في العام 1991، ثم أعيد إنتخابه لفترة ثانية في 1998، وبحسب نصوص ذلك الدستور كانت أقصى فترة حكم للرئيس البوركيني هي ولايتين فقط، وعند نهاية المدة الثانية، قام الرئيس بإلغاء الدستور القديم ووضع مكانه الدستور الحالي الذي بدأ بموجبه فترتي رئاسة جديدتين، فأنتخِب رئيساً للبلاد في 2005 ثم أعيد إنتخابه في 2010.


قبل نهاية مدة "كومباري" الأخيرة، شرع في إجراء ترتيبات لتعديل الدستور بما يزيح سقف عدد المرات التي يتولى فيها الرئاسة، فأكمل صياغة التعديل وقام بإيداعه أمام الجمعية الوطنية (البرلمان) لإجازته، وفور إعلان الخبر بدأ تحرك المعارضة في مقاومة التعديل، فناشد زعيم المعارضة "زيفرين ديباري" الشعب للدخول في عصيان مدني، فإستجاب أصحاب المتاجر والمحلات، فأُغلقت الأسواق أبوابها، ثم تبع ذلك إعلان العمال والموظفين في القطاعين العام والخاص الإضراب عن العمل، وفي اليوم المقرر للتصويت على تعديل الدستور إنفجر بركان الشعب الذي إمتلأت به شوارع العاصمة "أوغادوغو" وقام الشعب بإقتحام البرلمان أثناء مناقشة تعديل الدستور، فقفز أعضاء البرلمان من النوافذ وأطلقوا سيقانهم للريح، فتوقفت - للأبد - عملية التصويت، وكان ذلك نهاية لحكم "كومباري"

نحن ينقصنا الزعيم صاحب الكلمة الذي يستمع إليه الشعب، وكل التوافقات التي يتم الوصول إليها في الخارج بين زعماء المعارضة لا ترى لها أثراً على الشارع بالداخل، والمطلوب أن التنسيق بين كل القوى السياسية لتوحيد الكلمة وتنسيق الخطوة لمثل هذا اليوم منذ الآن، وعيب على المُعارضة المُنظّمة أن يكون الصوت المسموع الآن ويُحدِث الهزّة في أوساط النظام صادر من أبناء التنظيم نفسه مثل غازي صلاح الدين وأمين حسن عُمر.

يوجد في السودان أكثر من 18 مليون رجل وإمرأة مِمّن تنطبق عليهم الشروط العامة للترشُّح للرئاسة، بينهم ثلاثة أشخاص فقط لا يصلحون لهذا المنصب: أحمد هارون وكيشيب وعمر البشير لكونهم مُلاحقين بأوامر قبض دولية وسوف يدفع كل شعب السودان ثمن هذه الملاحقة نتيجة المقاطعة والحصار المضروب على السودان.

الحقيقة الثابتة أن البشير هو النظام والنظام هو البشير، إذا سقط أحدهما ذهب الآخر، وليس مطلوباً أكثر من نجاح تنظيم حملة " لا لتعديل الدستور" منذ الآن، لتكون الرقصة السابقة هي الأخيرة.

 

سيف الدولة حمدناالله
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.