جنح كل الذين وجّهوا سهام النقد والإعتراض على قوانين سبتمبر 1983 التي يُعمل بها - مع تعديلات طفيفة - حتى اليوم، جنحوا إلى وصمها بأنها معيبة، وأنها لا تساوي الحبر الذي كُتِبت به، بيد أنه وبعد مرور نحو 35 عاماً على صدور وتطبيق هذه القوانين، لا يزال المنتقدون لهذه القوانين يكتفون بإطلاق النيران عليها من بُعد دون التوغّل في بيان وجه الخلل ومَكامِن مفارقتها لأصول الدين ومقاصد الشريعة على نحو علمي ومُفصّل.


وهذه مناسبة لنقوم اليوم ببيان بعض أوجه العيب والقصور في تلك القوانين من واقع التطبيق العملي. وبشكلٍ عام، يمكن القول بأن معظم المفارقات التي تُنتجها أحكام المحاكم ومُجانبتها لقواعد العدالة في ظل هذه القوانين، قد كانت بسبب عدم توافق (والصحيح عجز المشرع الوضعي عن خلق هذا التوافق) بين أحكام الشريعة الإسلامية مع نظريات القانون الوضعي الحديث التي لم يرِد شيئ بشأنها ضمن الأحكام والقواعد الشرعية، مثل القواعد التي تحكم أفعال التحريض والتستر على الجرائم والإتفاق الجنائي والشروع في إرتكاب الجرائم ... إلخ.


وقد نتج عن ذلك صدور أحكام في منتهى الشذوذ والغرابة ولا تتفق مع قواعد العدالة السماوية ولا الأرضية، وعلى سبيل المثال، في جريمة الزنا، إذا نجح الجاني بإدخال الحشفة أو ما يعادلها إذا كانت مقطوعة في فرج أو دُبر الضحية (يمكن إدراك معنى الحشفة من لفظها أو صياغ الجملة) وهي جريمة الزنا الكاملة، فإن أقصى عقوبة توقع على الجاني هي الجلد ثمانون جلدة إذا لم يكن مُحصناً (المادة 146 / ب) يهرِش بعدها الزاني ظهره ويذهب إلى منزله، أما في حالة فشل الجاني في إرتكاب الجريمة الكاملة بإيلاج الحشفة بسبب مقاومة الضحية أو إكتفائه بتقبيل أو مُفاخَذَة المجني عليه/ عليها (ويكون هنا قد إرتكب جريمة أقل خطورة)، فإن فعله يقع تحت باب الأفعال فاضحة أو هتك العرض (المادة 152 شاملة)، وتوقّع عليه عقوبة السجن مع الجلد والغرامة.


والمسألة (عجز المُشرّع الوضعي في مواءمة الأحكام الشرعية مع نظريات القانون الحديث) تبدو أكثر وضوحاً في جرائم القتل والشروع فيه، ذلك أن عقوبة الإعدام (القصاص) تسقط كليّاً بعفو أولياء الدم في مقابل الدية أو بغير مقابل بحسب نص المادة 31/ب من قانون العقوبات الحالي، بحيث يستعيد الجاني حريته في أيّ لحظة قبل تنفيذ الإعدام ويتوجّه من غرفة المشنقة إلى منزله، بيد أن سقوط القصاص عن القاتل لا يؤدي إلى سقوط العقوبة عن الأشخاص الذين حُوكموا معه في نفس القضية بتُهم أقل جسامة مثل التحريض أو التستر على الجريمة أو مساعدة القاتل على الهروب ... إلخ.


ففي قضية قتل راح ضحيتها محامٍ شهير بمنطقة الجزيرة، حوكم المتهم الأول الذي كان قد سدد طعنة قاتلة للمجني عليه بالإعدام، كما حوكِم شقيقه وأحد أصدقائه بالسجن أربع وسبع سنوات على التوالي بتهمة مساعدتهما للجاني في نقل الجثة لمكان آخر بغرض طمس معالم الجريمة، ولم يكونا حاضرين وقت وقوع جريمة القتل. عند نظر المحكمة العليا للقضية إنتهت إلى تخفيض عقوبة الإعدام على المتهم الأول إلى الدية الشرعية، فقام المتهم - وهو رجل ٌ موسِر – بدفع الدية في نفس اليوم وخرج من السجن فيما ظل المتهمان الآخران بالسجن حتى إنقضاء فترة العقوبة.


مع ما شاب القوانين من عوار، ما كان لهذا الوضع المعيب أن يستمر لو أن القضاء كان به عُلماء يفهمون طبيعة الدور المنوط بهم في معالجة النصوص وتفسيرها وإستنباط الأحكام بما يضمن تحقيق العدالة على النحو المرجو منها وذلك عن طريق إرساء السوابق القضائية التي تُكمّل القانون، وفي السابق، قبل أن تقطع حكومة الإنقاذ تواصل أجيال القضاة وتناقلهم للمعرفة بسبب العزل الجماعي للقضاة، كان القضاة بالمحكمة العليا يجتهدون في معالجة ثغرات القانون بإرساء السوابق القضائية، وكانوا يبذلون غاية جهدهم والتعمّق في التفاصيل الدقيقة للوقائع التي تبدو للشخص العادي بأنها ليست ذات أهمية، أنظر في هذا المعنى لهذه القضية (منشورة في مجلة الأحكام القضائية) التي كان قد أُدين فيها المحكوم بتهمة (إرتكاب فعل فاضح في مكان عام) وكان المتهم قد ضُبط وهو يمارس الفعل الفاضح مع صبي وذلك أثناء ساعات النهار بدار للسينما في إحدى مدن إقليم الجزيرة، وقد حُكم على المتهم بالسجن، وعندما عُرضت القضية أمام محكمة الإستئناف، إنتهى مولانا حكيم الطيب عضو المحكمةإلى تأييد العقوبة، بيد أنه كتب مذكرة من صفحتين بيّن فيها خطأ توصيف التهمة التي حُوكِم بموجبها المتهم بأنها "فعل فاضح في مكان عام"، وفي بيان ذلك ذكر أن الصحيح أن تكون الإدانة تحت مادة "هتك العرض"، لأن تعبير "المكان العام" المقصود في القانون ليس المكان الذي يمكن أن يرتاده الجمهور، وإنما المكان الذي يتواجد فيه الجمهور عند إرتكاب الفعل، والحال كذلك، فإن دار السينما وهي خالية من الجمهور أثناء النهار لا تُعتبر مكاناً عاماً، وفي المقابل فإن المنزل برغم كونه "مكان خاص" إلاّ أنه يُعتبر لأغراض هذه المادة مكان عام إذا أٌقيمت فيه مناسبة دُعي لها الجمهور.


للقارئ أن يتساءل: ما علاقة كل ما ورد والحديث هنا عن الحكم الذي صدر بإعدام العروس التي قتلت زوجها بسبب مواقعته لها جبراً ودون رضاها ؟


القصد من إستعراض مواطِن الخلل وضعف القانون وغياب العقول التي كانت تُحسِن تفسير القانون ومعالجة مثالبه، تكامل هذان السببان في الوصول إلى الحكم الذي قضى بإعدام العروس وهو حكم يفتقِر للعدالة طِبقاً للشريعة والقانون.


الثابت في وقائع هذه القضية أن المتهمة قد أجبرت بالقوة والتهديد على الزواج من القتيل، وأنها كانت ترفض معاشرته أو حتى إقترابه منها، كما أنه ثبت أن الأخير قد قام بمواقعتها بالعنف والقوة ودون رضاها، وأن المتهمة أصيبت جراء ذلك بحالة من الإنهيار، كما ثبت أن القتيل قد شرع في معاشرتها مرة أخرى في ليلة الحادثة، وقد إنتهى ذلك بالمتهمة أن سدّدت طعنات متعددة في جسد القتيل تسببت في وفاته.


بحسب القانون (المادة 130) هناك ستة حالات إذا توفّر أيّ منها تتحوّل جريمة القتل العمد المُعاقب عليها بالإعدام بموجبها إلى جريمة القتل الجنائي (Culpable homicide not amounting to murder) ويُعاقَب عليها بالسجن مع الدية (المادة 131 من قانون العقوبات)، وفي هذه القضية توفّرت ثلاثة أسباب يؤدّي الأخذ بأيّ منها إلى توقيع عقوبة السجن مع الدية وعدم الحكم على المتهمة بالإعدام، نتناول مناقشتها هنا بحسب ترتيب قوتها:


أول هذه الأسباب هو تأثر الحالة النفسية والعصبية والعقلية للمتهمة بالظروف المحيطة بها لحظة إرتكاب الجريمة بالقدر الذي جعلها غير قادرة على السيطرة والتحكّم على أفعالها الفقرة (ط) من المادة المذكورة، وبمطابقة هذه الظروف نجد أن لها مرجِعاً دسماً بالسوابق القضائية، نأخذ منه أكثرها شهرة وتداولاً ولكونها تُدرّس للطلبة في كليات القانون، ولتشابه الوقائع والظروف (هناك عشرات السوابق القضائية الأخرى التي إنتهت إلى نفس النتيجة)، وهي سابقة حكومة السودان ضد نفيسة دفع الله (مجلة الأحكام القضائية لسنة 1961). في هذه القضية كانت المتهمة قد سدّدت ضربة قاتلة لزوجها وهو طبيب معروف بمدينة وادمدني أثناء نومه، وقد فعلت ذلك بسبب تكرار حديث زوجها لها بأنه ينوي الزواج عليها.


في مذكرة مولانا بابكر عوض الله قاضي المحكمة العليا إنتهى إلى القول: " إن المتهمة وبرغم أنها كانت واعية بما فيه الكفاية لمعرفة ماهية أفعالها، بيد أنه وبشهادة الطبيب النفسي التيجاني الماحي فإنها تعاني من مشاعر حادّة بالغيرة تجاه زوجها، هذا الموقف أدّى إلى نشوء مخاوف تسببت في غضبها الشديد وحِدّة تصرفاتها وهي في رأيي (المقصود رأي بابكر عوض الله) تعاني من الحالة التي تُعرف ب "المنخوليا" التي تُعرف أيضاً ب "الجنون الوقتي".


وقد إنتهت المحكمة العليا بإجماع الآراء (من بينهم رئيس القضاء في ذلك الوقت مولانا أبورنات) إلى استفادة المتهمة من هذا الإستثناء وتم تعديل وصف التهمة وإستبدال العقوبة بالسجن بدلاً عن الإعدام.


في الجانب الآخر، ليس صحيحاً أن جريمة الإغتصاب (المواقعة بالإكراه أو دون رضاء) لا تقع على الزوجة كما يُشاع، فالمادة (149 / أ) تُعرّف جريمة الإغتصاب بأنها "كل من واقع شخصاً دون رضاه"، ولم تستثنى الزوجة، فالعبرة في وقوع الجريمة من عدمه تكمن في إنعقاد (الرضاء) ولا شيئ غيره، سواء وقع الفعل على الزوجة أو على شخص غريب، كما أنه ليس من المُتفق عليه شرعاً أن الزوجة لا تقع عليها جريمة الإغتصاب، ففي الشريعة الإسلامية، المرأة حين ترفض معاشرة زوجها تؤثم عند الله وتلعنها الملائكة للحديث الشريف: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء لعنتها الملائكة حتى تصبح " ولكن ذلك لا يعطي الحق لزوجها في إغتصابها.


وتثبيتاً على ما تقدّم، يكون للشخص الذي تقع عليه جريمة الإغتصاب (سواء كانت الزوجة أو غيرها)، أو كان لديه تخوّف معقول من وقوعها عليه، يكون له الحق في الدفاع الشرعي عن نفسه، وإذا نتج عن الدفاع عن النفس وفاة المُعتدي، يستفيد الجاني من الإستثناء الوارد في الفقرة (ب) والخاص بتجاوز حق الدفاع عن النفس، وتصبح جريمة قتل جنائي ولا توقّع عليه عقوبة الإعدام.


الحالة الثالثة التي تستفيد منها المتهمة هي حالة الإستفزاز الشديد والمفاجئ، وهنا ينبغي توضيح حقيقة أنه ليس صحيحاً أن عنصر المفاجأة ينتفي لكون القتيل قد واقع المتهمة في يومٍ سابق، فالإستفزاز يكون مفاجئاً حتى لو تكرر حدوثه ما دام كان كافياَ في كل مرة لإشعال مشاعر الضحية ويجعلها تفقد السيطرة على أفعالها.


بحسب ما ورد في تصريح الأستاذ معاوية خضر الأمين (صحيفة الراكوبة 5/8/2018)، فقد رفض القاضي الذي تولّى الفصل في القضية طلب الدفاع بعرض المتهمة للكشف لدى الطبيب النفسي، وهي بالفعل لم تُعرض على طبيب نفسي، وهذه حقيقة تنتهي بنا من حيث ما بدأنا به من كون هذه المتهمة قد وقعت ضحية لقوانين معيبة وقضاة يسيئون التطبيق.


يبقى الأمل في أن تجد هذه الزوجة من القضاة في مرحلة التقاضي القادمة من يستطيعون التعمّق بالنظر في هذه القضية وإلغاء هذا الحكم المسخْ.


سيف الدولة حمدناالله

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.