هب أن النظام قد سقط اليوم سواء بثورة شعبية أو بإعلان التفليسة (وهو أمر وارد الحدوث في ظل المشهد الحالي) أو حتى بتخلي الرئيس البشير من نفسه لنفسه عن السلطة. طيّب: من هو الشخص الذي سوف يتوجه في ذلك اليوم إلى القصر الجمهوري لمباشرة أعباء رأس الدولة ويُصدِر المراسيم الجمهورية اللازمة لتثبيت أركان التغيير ويقوم بمخاطبة الدول والمنظمات الدولية والسفراء !! ومن الذي يتوجه للقيادة العامة للجيش ويجلس على كرسي القائد العام بحيث يستطيع صرف التعليمات للحاميات العسكرية في العاصمة والأقاليم لتأمين البلاد !! ومن يذهب في نهار ذلك اليوم ويباشر مهام مدير عام الشرطة والأمن الوطني بحيث تنصاع لأوامره عشرات الألوف من الجنود والضباط بوحدات الإحتياطي المركزي ومراكز الشرطة بالعاصمة والأقاليم لضبط الأمن !!

ليس صحيحاً أن هذه الأسئلة سابقة لأوانها، كما لا أتفق مع الرأي الذي يقول بأن طرح هذه القضية من شأنه أن يؤثر بالسالِب على الحماس للتغيير، والعكس هو الصحيح، ذلك أن إغفال المعنيين من قادة المعارضة لمُجابهة الشعب بتوضيح رؤيتهم لترتيبات ما بعد التغيير وبالقدر الذي يجعل الشعب مطمئناً إلى سلامة الوطن وأرواح المواطنين هو الذي ساهم في تمديد عمر النظام برغم قناعة الشعب بفشل النظام وفساده، وقد إستثمر النظام غياب مثل هذه الرؤية (أعني ما يُطمئن الشعب بوجود ترتيبات لما بعد التغيير) خير إستثمار، بالقدر الذي أصبح فيه النظام يعتمد في إستمراره كلياً على نظرية "الأمن مقابل الفشل والفساد" وهي النظرية التي تعني أن الشعب عليه أن يصبِر على الفشل والفساد حتى لا ينتهي مصيره لمثل ما حدث في ليبيا وسوريا والصومال.

وفي ذلك تفسير لظهور - ثم تنامي - الآراء التي طُرِحت لأشخاص من داخل المُعارضة إنصرفوا فيها للبحث عن بدائل لتغيير النظام عبر حلول توافقية، وكان صاحب السبق في ذلك هو الإمام الصادق المهدي الذي يؤمِّن ويبشِّر بفكرة "تفكيك النظام لا إسقاطه". ومن ذلك أيضاً ما نراه اليوم من تبارى بين عدد من المفكرين والكُتّاب وحَمَلة الرأي الذين عُرِفوا بمناهضة النظام عبر كتابات بوسائط النشر المختلفة إنتهوا فيها إلى نظرية مؤدّاها أن يتوكّل الشعب على الله ويدخل إنتخابات 2020. بيد أن أوضح مظاهر الإستجابة لإرهاب النظام بما يبثّه في نفوس الشعب حول مآلات التغيير (في غياب وجود رؤية واضحة للمعارضة)، هي ما إنتهى إليه كثير من أفراد الشعب إلى حالة من التسليم بالأمر الواقع وباتوا ينظرون بعين الأمل إلى اليوم الذي ينصلِح فيه حال النظام ويخرج من داخله من يقطع رؤوس الفساد والضلال.

أنظر إلى عدد الذين إستبشروا - ومن بينهم معارضين - بتعيين بكري حسن صالح نائباً أول لرئيس الجمهورية وقالوا عنه أنه رجل حاسم وصاحب ذمة نظيفة ووضعوا عليه الآمال في أن يُصلِح الحال، حتى أن المظاليم أخذوا يخاطبونه عبر الصحف بما وقع عليهم من أضرار، ثم ما لبث أن إتضِح لهم أنه رجل غلبان وعديم حيلة وليس لديه سلطة.

ثم أنظر إلى عدد الذين أخذوا يهلّلون لعودة الفريق صلاح قوش لمنصبه في جهاز الأمن، وقالوا أنه عنتر جاء يحمل سيفه، حتى أن كثير من المعارضين كتبوا يسخرون من أعداء قوش الذين كانوا قد أطاحوا به وإنتظروا أن يروا كيف سوف ينتقم منهم، وظن كثير من الناس أن قوش قد جيئ به ليجتث الفساد ويضرب القطط السمان، ثم إكتشف الشعب أن قوش كلما تقدّم خطوة نحو محاسبة القطط السمان تراجع خطوتين، فالنظام يعلم أن كل قط فاسد يُمسِك في يده طرف الحبل الذي يستطيع معه سحب مئات القطط بمختلف الأحجام من ورائه، فأفرج قوش عن الذين قيل أنه تم القبض عليهم من مسئولين في قضايا فساد بمصنع سكر كنانة وشركات البترول والبنوك دون توجيه تُهم في مواجهتهم أو تقديمهم لمحاكمة.

نحن نعلم أن على وجه اليقين أن هناك ترتيبات بين قوى المعارضة لضمان سلاسة إنتقال السلطة بعد زوال الإنقاذ، وأنه لن يحدث شيئ مما يصوِّره النظام، وممّا زرعه في قلوب الناس من مخاوف حتى يؤمِّن لنفسه البقاء، إلى جانب موقف الحركات المسلحة التي أعلنت بأنها سوف توقف الحرب في لحظة سقوط النظام وتنخرِط في المشاركة في حفظ الأمن وحماية المواطنين، ولكن هذا لا يكفي، فالمطلوب أن يُطرح مشروع آليات إنتقال السلطة بشكل واضح.

ليس مُتاحاً هذه المرة تكرار سيناريو إنتقال السلطة بالطريقة التي أعقبت سقوط نظام مايو (1985)، وهو نفس السيناريو الذي تكرر في مصر عقب سقوط نظام الرئيس مبارك، ففي الحالتين تدخّل الجيش وثبّت الحكم عبر حكومة إنتقالية لفترة معلومة، وفي مصر أُسنِدت رئاسة الدولة لرئيس المحكمة الدستورية مؤقتاً لحين قيام الإنتخابات بحسب ما ينص عليه الدستور المصري، ذلك أن الإنقاذ قد جعلت كل جهاز الدولة بما في ذلك القوات النظامية والخدمة المدنية مؤلفة من الأتباع والأنصار والأصهار والمريدين، وهؤلاء يدينون للنظام ورموزه بولاء عقائدي وشخصي.

لقد حان الوقت (وقد تأخر ذلك كثيراً) لأن تخرج قوى المعارضة (ولا بد هنا من إشراك تنظيمات الشباب) برؤية واضحة تطرحها على الشعب حتى يرى الصورة واضحة أمامه فينطلق، فلا يكفي أن يتوافق السياسيون على برنامج وشكل الحكم بعد التغيير والتوقيع على مخطوطات لها عناوين تحمل أسماء عواصم بلدان، فالمطلوب أن تبذل القوى السياسية غاية جهدها وبكل السُبل المُتاحة لأن تبلغ هذه الترتيبات علم الجماهير وأن تحمل ما من شأنه تطمين الشعب على أن كل شيئ قد أُخِذ في الإعتبار، من أول ضمان سلامة الوطن ووحدته، وإستتباب الأمن، وإنتهاء بالقوانين الكفيلة بمحاسبة المجرمين ورد المظالم وإستعادة الأموال المنهوبة وترتيبات الفترة الإنتقالية.

الذي لا شك حوله أن النظام قد ضرب الحيط، ولم يعد لديه ما يُسوِّق به لبقائه بعد أن شاخت الحكاوي عن الطرق والجسور والسدود وثورة التعليم العالي، وقد أصبح الطريق سالِكاً للتغيير ولا ينقصه إلاّ ما تقدّم. فليفعل قادة المعارضة ذلك قبل أن يفعلها مظاليم النظام الذين خرجوا من رحمه وشاركوه جرائمه ثم ألقى بهم في الشارع، وإني أرى ذلك رؤية العين للشمس في منتصف النهار.

سيف الدولة حمدناالله
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.