ما الذي يجعل العقوبة في الجرائم المُتشايهة تختلف في نوعها ومقدارها بحسب ما يُلاحظ الناس ذلك من واقع الأحكام التي تنشرها الصحف اليومية !! وكيف يتفق أن يُعلِن قاضياً في محكمة عقوبة بالسجن ثلاثة سنوات على شخص سرق حذاء من باب مسجد، فيما يُصدِر قاضياً آخر بالقاعة المُلاصقة له على متهم بغرامة مالية في قضية هتك عذرية فتاة صغيرة يستطيع المحكوم عليه أن يدفعها من طرف جيبه ثم يلحق بأولاده على صينية الغداء!! ما الذي يجعل متهم يُحكم عليه بالسجن ستة أشهر لحيازته لفافة صغيرة من الحشيش، فيما يُحكم على آخر ضُبط وهو يقود سيارة والدته الحكومية وفي جوفها كمية كبيرة من المخدرات بغرامة مالية يسيرة ثم ينتهي الأمر بسدادها !! وهل يتوقّف مصير المتهم على كون حظِه العاثِر قد أوقعه أمام قاضٍ فظ وغليظ القلب، ولم يُوقِعه أمام آخر يمتلئ قلبه بالعطف والحنان !! ولمن يكون تحديد العقوبة، للقانون أم القاضي !!

الإجابة على هذه الأسئلة تقتضي الخوض - على خفيف ودون ما يبعث السأم للقارئ - في نظريات القانون بما فيها الفقه الجنائي. فقد إنتهت التجربة البشرية إلى ظهور مدرستين مُختلفتين للقانون، كلٍ منهما تؤدي إلى تطبيق العدالة على نحوٍ مختلف، الأنجلوسكسونية والقاريّة (كونتتنتال)، والأولى، ومنشؤها إنجليرا، هي التي (كان) يتبِّعها بحرفية ودقة شديدتين النظام القضائي في السودان، ويُفرد النظام الأنجلوسكسوني مساحة كبيرة للقاضي في تقدير العقوبة التي يرى أن المتهم يستحقها وفق الظروف التي ارتكب فيها الجريمة، كأن يدخل في تقديره فداحة الفعل وسن المجني عليه وصفة الجاني في جرائم الإعتداء الجنسي، ووحشية الفعل (عدد الطعنات مثلاً) والأداة المستخدمة في جرائم القتل والطريقة التي تُزهق بها الروح .. إلخ، والذي كان يحد من حرية القاضي في هذه المساحة سابقاً قبل مجيئ الإنقاذ، هو واجب القاضي في الإلتزام بما تنتهي إليه المحاكم الأعلى (العليا والإستئناف) من ضوابط تضعها تلك المحاكم لتوقيع العقوبة لكل ظرف تُرتكب فيه الجريمة في قضايا مُشابهة عُرِضت عليها (السوابق القضائية).

تُقابِل ذلك المدرسة القاريّة (كونتتنتال)، ومشأها فرنسي، وهي المدرسة التي تأخذ بها معظم تشريعات الدول العربية، وفيها يتولّى القانون تحديد العقوبة المناسبة لكل ظرف مُشدِّد أو مُخفِّف بحسب الوقائع التي تُصاحِب الجريمة ولا يترك القانون مساحة كبيرة لتقديرات القاضي، ففي جريمة هتك العرض مثلاً، ينص القانون المصري (وهو يأخذ بهذه المدرسة) على عقوبة الجريمة في صورتها البسيطة وهي الأشغال الشاقة من ثلاث إلى سبع سنوات، ثم يمضي القانون إلى تحديد عقوبة مختلفة بتحديد سقفها الأدنى والأعلى بإختلاف الظروف والملابسات التي أرتُكِبت فيها، فيُفرِد القانون عقوبة على الفعل إذا وقع هتك العرض بالقوة أو بالتهديد، وآخر إذا كان الفاعل من أصول المجني عليه أو مِمّن لهم سلطة عليه، وثالثاً أذا كان الفاعل خادماً بالأجرة في منزل الضحية .. إلخ (المواد 268 وما بعده في القانون المصري)، وفي جريمة القتل مثلاً ينص القانون (القارِّي) على عقوبات مختلفة بحسب ظروف الجريمة، بحيث توجد عقوبة للقتل بالسم وأخرى للقتل بطلق ناري وعقوبة ثالثة في حال التمثيل بالجثة بعد إزهاق روح المجني عليه ... وهكذا.

الذي حدث في السودان، أن الإنقاذ طمست هوية النظام القضائي، بحيث أصبح لا ينتمي لأيّ من المدرستين، ويرجِع ذلك إلى إندثار نظام السوابق القضائية، ويرجع ذلك إلى ضعف وتدنّي المستوى الفني والمهني للمحاكم العليا، وعدم إهتمام قضاتها بالوقوف عند حالات مخالفة المحاكم الأدنى لما يرسونه من سوابق، وقد حدث ذلك نتيجة الفراغ الذي نجم عن عزل معظم كبار القضاة مِمّن شهِد لهم التاريخ بإثراء الفقه وصناعة القانون أمثال دفع الله الرضي وعبدالله أبوعاقلة أبوسن وحكيم الطيب وبابكر زين العابدين ووقيع الله عبدالله .. إلى آخر العقد الفريد مِن أصحاب دُرر الأدب المُختلط بالقانون، وقد حدث هذا الفراغ في ضربة واحدة عند مجيئ النظام للسلطة، وقد إعترف قضاء الإنقاذ بهذه الحقيقة حين قام في فترة لاحقة بالإستعانة ببعض أرباب المعاشات من القانونيين للإرتفاع بمستوى الأحكام، ولعلّ في ذلك ما يُفسّر السبب الحقيقي وراء نشوء مرحلة التقاضي الرابعة - خلافاً لما يحدث في الأنظمة القضائية بالعالم - وهي مرحلة المراجعة التي يقوم بها خمسة من قضاة المحكمة المحكمة العليا بمراجعة الأحكام التي يُصدرها زملائهم بالمحكمة العليا نفسها.

في زمن ما قبل الإنقاذ، كان قضاة المحاكمة العليا والإستئناف لا ينتهون إلى حكم في قضية جنائية دون مناقشة المعايير التي تؤدِّي إلى تحديد العقوبة المناسبة لها بحسب الوقائع المطروحة في كل قضية، وبمرور الزمن، أصبحت تلك المُوجِّهات راسِخة في عقول القضاة في المحاكم الأدنى بما كان يضمن صدورها في إتِّساقٍ كامل، بحيث يكون الحكم الذي يُصدِره القاضي عن جريمة أرتُكِبت في الدلنج مُتسِقاً مع الحكم الذي يُصدِره القاضي في مدينة الكاملين إذا تشابهت في الحالتين ظروف ووقائع القضية، وكان قضاة المحاكم الأعلى في ذلك الزمن يُضمِّنون في أحكامهم تقريعاً وتكديراً عنيفين إذا ما لاحظوا خروج القاضي على تلك المعايير يُحفظ بملفه ويؤثِّر في التقارير الدورية لأدائه.


وما جعل القضاء يبلغ تلك الدرجة من النضوج ذلك الوقت أن الصفة الأولى لرئيس القضاء التي كان يُوليها كل إهتمامه هي رئاسته للمحكمة العليا، ولذلك كان رئيس القضاء يقفل باب مكتبه عليه ليتبارى مع زملائه في كتابة الأحكام ويقوم بإصدار المنشورات القضائية التي تعكس ملاحظاته على أعمال المحاكم، وقد إنقضى ذلك بإنتهاء عهد رؤساء القضاء خلف الله الرشيد ثم شبيكة ثم دفع الله الحاج يوسف، ثم جاء الوقت الذي أصبح فيه رئيس القضاء يمضي في منصبه سنوات وسنوات دون أن يُشارك في كتابة مذكرة في قضية واحدة، وإنصرفوا لحضور المؤتمرات وتبادل الزيارات الخارجية والإشراف على المباني وتوزيع السيارات والمكاتب على القضاة، وإنصرف كبار قضاة المحكمة العليا للأعمال الإدارية.

لعل فيما ورد تفسير للسبب الذي جعل أحد القضاة يُصدِر حكماً يصعب تفسيره بالغرامة مليار ونصف جنيه مع الجلد على أحد رجال الأعمال في جريمة كبرى تتصّل بهتك عذرية فتاة صغيرة بدلاً عن توقيع عقوبة السجن وهي العقوبة التي تتسِق مع هذا الفعل الآثِم !!

بيد أن هناك ملاحظة أخرى لا ينتهي هذا الحديث دون التطرق لها، وهي تتعلق بعقوبتي الجلد والغرامة اللتان يكاد لا يوجد حكم قضائي لا يخلو منهما، أما الجلد، وينفرد النظام القضائي السوداني وحده في هذا العالم الفسيح (إلى جانب جماعة طالبان) د المحاكم بتطبيق هذه العقوبة على البالغين في غير الحدود الشرعية. والواقع أن قانون العقوبات السوداني منذ نشأته وحتى صدور قوانين سبتمبر 1983، لم يكن يعرف عقوبة "الجلد" التي كانت توقّع قبل ذلك كعقوبة تأديبية (بديلة) للعقوبة الأصلية المنصوص عليها في القانون على الصبيان الجانحين من الأحداث (لم تكن توقّع على الفتيات)، والهدف من ذلك - كما يتبادر للذهن - هو تفادي إرسال الصبيان الذين يتورّطون في إرتكاب جرائم للسجن أو الإصلاحية مما يتسبب في تدمير مستقبلهم الدراسي فضلاً عن تفادي إختلاطهم بمجرمين بالغين أثناء فترة تنفيذ العقوبة، وإذا كان من المفهوم أن توقّع عقوبة الجلد في الحدود الشرعية، إلاّ أنه ليس هناك وجه لأن يختار القاضي تطبيق هذه العقوبة على البالغين رجالاً أو نساء في الجرائم التعذيرية.

أما الغرامة، فهي عقوبة على الجاني توّقع عليه بمقدار بما يوزاي حجم الجريمة وليس بما يتناسب مع مقدرة المحكوم المالية، فالغرامة لا تُحسب بالمليار إذا كان الجاني ثرياً وبالملاليم إذا كان فقيراً، والدليل على صحة هذا الزعم أن معظم القوانين (بما في ذلك قانون العقوبات السوداني 1974 وما قبله) تنص على حد أدنى وأعلى للغرامة، والخروج على هذه القاعدة يخرج بالغرامة من مفهومها كعقوبة جنائية، لتصبح أحد سبل الموارد المالية للدولة، وهو ما يحدث الآن بمحاكم السودان، فقد قرأت في إحصائية أن حصيلة غرامات محاكم النظام العام تقترب من ميزانية وزارة الصحة الإتحادية.

ثم يأتي نائب رئيس القضاء ويملأ رئتيه بالهواء أمام الصحفيين ثم ينفثهما وهو يقول بكل ثقة وإطمئنان: أن القضاء السوداني مفخرة الأمة.

حاشية: الحمدلله أن فكّ أسر الزميل المناضل الوطني محمد الحافظ محمود والحرية والسلامة لبقية المعتقلين بسجون النظام الذين ظلّوا يقبعون فيها لشهور طويلة دون توجيه تهمة أو تقديمهم لمحاكمة، والعار لقضاة المحكمة الدستورية الذين قضوا إيجازياً بإنكار حق المُعتقلين في أبسط حقوقهم الطبيعية وهي العلاج الطبي، في بلد لا يجرؤ فيه النائب العام على مجرد الإستعلام عن حالة المعتقلين بجهاز الأمن.


سيف الدولة حمدناالله
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.