بتأييد الحكم بإعدام الطالب عاصم عمر بواسطة محكمة الإستئناف تكون رقبته قد إقتربت خطوتين من حبل المشنقة، وهو حكم شائه ومُعتَل في قضية ما كان ينبغي أن يمضي بسببها الطالب عاصم أكثر من إسبوع على الأكثر بالحراسة، وهي الفترة التي تستلزِمها مدة التحري ورفع الأوراق لوكيل النيابة لدراسة وتقييم البينات والأمر بإطلاق سراحه، أو الحكم ببراءته بمجرد قفل قضية الإتهام أمام محكمة أول درجة دون حاجة إلى سماع قضية الدفاع.

أساس التُهمة التي وُجِّهت إلى الطالب عاصم برميه زجاجة حارقة على شاحنة شرطة عليها عدد من الجنود أُسنِدت إليهم مع آخرين تفريق مظاهرة، وأصابت القذيفة أحد الجنود بحروق تسبّبت في وفاته، يقوم على أساس واحد ويتيم وهو بينة التعرّف (Identification)، وخطورة هذا النوع من البينات في قضية عقوبتها الإعدام تكمن في إحتمال وقوع الشهود في فيما يُعرف في القانون ب (الخطأ في الشخصية)، وقد طالعت في تقرير صدر عن منظمة تُدعى (The Justice Project) ومقرها في واشنطن بالولايات المتحدة، أنه ومنذ شروع السلطات في النصف الثاني من الثمانينات في مراجعة القضايا بعد إكتشاف الحمض النووي (DNA)، إتضح أن هناك نحو 200 حالة تمت فيها إدانة خاطئة لأبرياء بموجب بينة "تعرّف" الشهود على المتهمين، وقد تم تنفيذ الإعدام في عدد منهم، ثم ثبت فيما بعد أنهم أبرياء.

والخطأ في الشخصية ليس بالضرورة أن يحدث بسوء قصد من الشهود، بمعنى أن يتعمّدوا تضليل العدالة، فالغالب أنه يحدث نتيجة اللبس الذي يحدث في ذهن الشاهد نتيجة الإيحاءات التي تصدر إليه من آخرين، أو سماعه لروايات زملائه، بحيث ينصرف عقله إلى شخص مُعيّن ويشكّل ذلك عنده قناعة تامّة بأنه الفاعل، وهو ما حدث في هذه القضية.

بحسب القانون، مجرد وجود شك معقول حول صحة "تعرّف" الشهود على شخصية المتهم، يعتبر كافٍ لبراءة المتهم، وما حدث في قضية الطالب عاصم ليس مجرّد شك ولكنه يصل إلى ما يشبه اليقين بحدوث خطأ في الشخصية، وقد ثبت ذلك من واقع تضارب أقوال الشهود في وصف الجاني (لونه وشعره) وما يرتديه من ملابس، فقد أدلى كل شاهد منهم بوصفٍ مُختلفٍ عن الآخر، ثم تضاربت أقوال الشاهد الواحد بين ما أدلى به عند التحري وما ذكره أمام المحكمة، وهي وقائع ثابتة ولا جدال حولها وهي مدوّنة بيومية التحرّي ومحضر الحاكمة، وهي الأسباب التي جعلت القاضي الشجاع يعقوب عثمان عضو دائرة الإستئناف إلى أن يختلف مع زميليه وينتهي في مذكرته إلى عدم صحة الإدانة، وصدر قرار التأييد بتوافق زميليه الآخرين بالدائرة، ولمن يريد الوقوف على تفاصيل ذلك يمكنه الرجوع إلى مقالنا السابق بعنوان (أساس البراءة في قضية الطالب عاصم عمر) وهو مُتاح بالنقر على هذا العنوان بأي مُحرّك بحث بشبكة الإنترنت.

كما أن شهود الإتهام في هذه القضية يفتقرون إلى الحياد الذي يمكن أن يُؤسّس عليه الحكم بالإعدام، بالحد الذي يجعلهم خصوماً للمتهم وأصحاب مصلحة في إدانته، فجميعهم دون إستثناء من رجال الشرطة الذين كانوا على ظهر الشاحنة التي رُميت عليها الزجاجة الحارقة، وكانوا جميعهم مُستهدفين بالفعل الذي تسبب في وفاة زميلهم القتيل، وهو نفس السبب الذي جعل المحكمة ترفض قبول شهادة ذوي المتهم لكونهم أصحاب مصلحة في براءة إبنهم الذين شهدوا بأنه لم يشارك في المظاهرة وأنه كان موجوداً بالمنزل وقت وقوع الحادثة.

كما أن شهادة الشرطي بشكلٍ عام ليست في قوة شهادة الشخص العادي، وليس في ذلك طعن في ذمة رجال الشرطة، والسبب في ذلك يرجع بحسب سابقة قضائية للمحكمة العليا منشورة بمجلة الأحكام القضائية، إلى أن الشرطي يُعتبر - بحسب تعبير المحكمة العليا - شاهد "مُحترِف" يتراخى الشعور لديه بالرهبة من حلف اليمين خلافاً للشخص العادي بما يؤثِّر في (دقة) أقواله لكونه يعتاد على حلف اليمين بحسب طبيعة عمله التي تستلزِم شهادته الدائمة في القضايا.

ثم نأتي للظروف التي "تعرّف" فيها الشهود على شخصية المتهم، فقد كانت هناك معركة بين فريقين (الطلبة والشرطة) وكان الجاني - بحسب رواية الشهود - واحداً من بين مئات من أقرانه وهم طلبة جامعيون في عمر مُتقارِب، وكان الشهود في حالة تأهب ودفاع عن أنفسهم من هجمات الطلبة، كما أنهم كانوا على مركبة مُتحرّكة، وهي ظروف لا يتيسّر معها التدقيق في ملامح خصومهم الطلاّب أو ما يرتدونه من ملابس حتى يُمكن الجزم معها بدقة أقوالهم، وهذا ما أدّى (فعلاً) إلى تضاربها وإختلافها.

في الجانب الآخر، وحتى بفرض ثبوت قيام المتهم عاصم بإلقاء الزجاجة الحارِقة، فإنه لا يكون مُرتكباً لجريمة القتل العمد المُوجِب للقصاص، وذلك بسبب غياب الركن المعنوي لجريمة القتل العمد، وإنما يشكّل ذلك جريمة القتل الجنائي المُعاقب عليه بالديّة والسجن، فالقتل يكون (عمداً) إذا كان الجاني يعلم بأن فعله سوف يُسبّب الموت أو يعلم بأن الموت سوف يكون نتيجة (راجِحة) لفعله لا مجرد نتيجة مُحتَمَلة، والقصد الذي يرمي إليه أي شخص وهو يرتكب جريمة، هو عبارة عن حالة ذهنية لا يعلم بها غير الله إلاّ الجاني نفسه، ولكن تقدير وجود القصد من عدمه يُستشف من الظروف التي تُرتكب فيها الجريمة، كأن يُنظر إلى الأداة المُستخدمة في القتل (طلق ناري أو سكين أو بسطونة) وموضع الإصابة في جسد القتيل (الصدر أو البطن أو الذراع)، وبتطبيق هذه القاعدة، لا تُعتبر الجريمة قتلاً عمداً إذا نتجت الوفاة عن ضربة عكاز على ظهر القتيل، فيما تُعتبر الجريمة كذلك إذا صبّ المتهم قيروانة بنزين على مدخل الدكان الذي يجلس بداخله الضحايا وتسبّب ذلك في مقتلهم حتى لو لم يكن يقصد (في ذهنه) تسبيب وفاتهم وكان يتوقع خروجهم من الدكان فور إندلاع النيران (وهو ما حدث في قضية بكّار) لأنه في هذه الحالة يكون عالماً أن الموت نتيجة راجحة لفعله حتى لو لم يقصد القتل.

هذه قواعد قانون نصيّة لا إجتهاد من عندنا، وبتطبيقها على القضية موضوع النظر، نجد أن الفعل (قذف زجاجة حارقة على سيارة شرطة أثناء مظاهرة) لا يُعتبر فعلاً يُرجّح معه حدوث الموت، وأقصى ما يُرجّح أن ينتج عنه هو حدوث إصابة دون الوفاة، والغالب - كما نشاهد ذلك على التلفزيون زهو فعل مألوف يقوم به المُتظاهرون في كل أنحاء العالم - أن يقوم رجال الشرطة بصرف الزجاجة الحارقة تارة بالسُترات الواقية وأخرى بأرجلهم أو بأيديهم، وما يدُل على ذلك أن من يتم القبض عليه من المتظاهرين بمثل هذا الفعل لا تُوجّه إليه تهمة الشروع في القتل.

الذي أضرّ بموقف الطالب عاصم في هذه القضية ونخشى أن يدفع ثمنه هو أن قضيته أصبحت مُنازلة بين طرفين، النظام والمعارضة (ذكر والد القتيل في لقاء صحفي أنه رفض قبول العفو بسبب موقف المعارضة من قضية إبنه) وقد دفع هذا التطاحُن إلى جعل الطرف الأول ينظر إلى القضية بمنظار سياسي لا كونها قضية جنايات عادية كان يمكن أن تنتهي - وفق الظروف التي تم شرحها - بالبراءة أو الدية أو السجن، ومن ثم تحوّلت في عقيدة النظام إلى قضية يُريد أن يُطلِق من خلالها رسالة لبقية الطُلاّب، مفادها أن النظام ليس في قلبه رحمة لمن يخرج عليه أو يعتدي على من يُدافعون عنه، وهي رسالة ليست جديدة على النظام، فقد فتك بأرواح أكثر من مئتي طالب في بحر ساعات بإطلاق الرصاص عليهم بقصد القتل عند خروجهم مظاهرات سبتمبر 2013 حتى يقطع دابِر التظاهر ضده، ولم تقُم سلطات الإتهام (النيابة والشرطة) بإجراء أيّ تحريات بغرض الوصول للجناة الذين تقول الجهات الرسمية أنهم أشخاص مجهولون أطلقوا من سيارات بدون لوحات مرور ثم إختفوا عن ظهر الأرض، وقُفِلت القضية طبقاً لذلك، ومثلها صدور أحكام بإعدام أشخاص لمجرد حيازتهم لعملات نقدية أجنبية لتحقيق ذات الغرض (إرهاب الآخرين)....إلخ

مصيبة الوطن تكمن في أن العاملين بجهاز الدولة، ويستوي في ذلك مفتش الغيط ووكيل النيابة وضابط المحلية والشرطي قد أصبحوا يحملون فؤاد رجلٍ واحد، إذا اشتكى منه عضو تداعَى له سائر الجسد بالسَّهر والحُمّى، فهم يحملون جميل النظام على أكتافهم بأن مكّنهم دون غيرهم من تلك الوظائف، ويدركون أن بقاءهم بمراكزهم من بقاء النظام، ونعيمهم من إستمراره، وأن أيّ نقطة ضعف تؤخذ على النظام يُمكن أن يتسرّب منها عنصر فنائه وزوال نعمتهم معه، ومن هنا نشأت نظرية (التعاضُد) بين العاملين بأجهزة الدولة، وهي النظرية التي تفسّر السبب الذي يمنع من محاسبة أي عضو في هذه المنظومة (جهاز الدولة) عن أيّ كارثة أو مصيبة حتى لو كانت ثابتة وإرتكبها فاعلها على الهواء أمام حشد من الجماهير، فكل عضو بالمنظومة يرى نفسه في أخيه، وسترته في سترة غيره، وبقاؤه في نصرَة جماعته ظالمين أو مظلومين، والذي يُغالط في ذلك، عليه أن يُجيب على السؤال: ماذا فعلت الشرطة والنيابة في قضية المهندس أحمد أبو القاسم الذي وقعت مخاشنة بينه وبين الفريق طه ثم جرى إختطافه في اليوم التالي لذلك وسحبه إلى مزرعة بمنطقة بعيدة حيث جرى تعذيبه وإلقائه في الشارع وهو بين الحياة والموت، وهي جريمة عقوبتها قد تصل إلى السجن عشرة سنوات أو أكثر، ولم تُجرَ تحريات جديّة بشأنها حتى تاريخ اليوم.

هذه مُرافعة قصدنا أن نُسِهم بها في اللحاق برقبة الطالب عاصم قبل أن ينفّذ فيه حكم الإعدام، حيث لا يُفيد الندم حين يأتي اليوم الذي يشهد فيه الجميع ببراءته وظلم محاكمته، ويتبرأ من دمه الذين يجتهدون اليوم في إرساله إلى حبل المشنقة، فيدفع كل واحد منهم بمسئولية ذلك على الآخر كما حدث في جريمة إعدام مجدي وشهداء رمضان، ولا يزال الأمل معقوداً في أن تتشكل دائرة المحكمة العليا من قضاة يقومون بتطبيق القانون على نحوٍ سليم لا يحكمهم في ذلك سوى ضمائرهم وما يقول به صحيح القانون.


سيف الدولة حمدناالله
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.