خطأ لا يُغتفر أن تُقابَل الحُجج التي طرحها الأخ ياسر عرمان (وسبقه إليها مالك عقار) لمنازلة النظام في إنتخابات 2020 إيجازياً في كلمة، والحقيقة بلكمة واحدة، والصحيح أن تجري مناقشة تلك الحُجج والتداول حولها دون طعن أو تخوين، وفي تقديري أن ما طرحوه يحمل فكرة صائبة وسوف تؤدي (حتماً) إلى تحقيق المُراد منها وهو إحداث التغيير المنشود.

لقد إنتظر الشعب الأحزاب السياسية (28) عاماً لتقوم بمثل هذا العمل، ثم إكتشفنا في النهاية أن كثير من قيادات تلك الأحزاب قد خدعونا وألبسونا "السُلطانية"، ثم تسلّلوا واحداً بعد الآخر ووضعوا أيديهم فوق أيدي جلادينا وشاركوا بأنفسهم أو عبر ذويهم وأنجالهم في السلطة وتقاسموا معها الثروة وتركونا ندور ونلف حول أنفسنا، من يُصدّق أن السيد/ محمد عثمان الميرغني كان في يومٍ من الأيام رئيس التجمع الديمقراطي الذي كان يضم كل الأحزاب التي تعاهدت على إسقاط النظام وهو صاحب العبارة الشهيرة التي خاطب بها الرئيس البشير"سلّم تسلم" !! ومن يصدق أن مبارك الفاضل (نائب رئيس الوزراء ووزير الإستثمار الحالي) كان يشغل منصب الأمين العام لذلك التجمع، الذي كان يضم إلى جانب هؤلاء عشرات من الوزراء الحاليين والسابقين الذين إلتحقوا بالإنقاذ وتكالبوا على الشعب معها.

كما أنه يغالِط نفسه من ينتظر ويعوّل على تمام التغيير بواسطة العمل المسلّح، فكثير من القادة الذين حملوا السلاح، إستأنسهم النظام بعضهم بحقائب ووظائف وأموال وبعضهم بمجرد كلمة طيبة، وهم يدّعون أنهم فعلوا ذلك للمساهمة في بناء الوطن، وقد أسهموا بتلك الأوضاع في ترقية أحوالهم وأصبحوا من الأعيان وأصحاب الأطيان (هل رأيت مساهمة موسى محمد أحمد مساعد رئيس الجمهورية للعشر سنوات الماضية أو أكثر وقد كان مقاتلاً في جبهة الشرق !!)، حتى جاء وقت إنحسر فيه العمل العسكري بما يُشبه العدم خلال السنتين الماضيتين.

طرح "عرمان" من شأنه أن يضع الكرة في ملعب الشعب مباشرة ليتولّى تخليص نفسه بنفسه دون وسيط، وأساس الفكرة يقوم على حقيقة أن التوافق على دخول إنتخابات 2020 من شأنه أن يؤدّي إلى تحريك الشارع مع كل خطوة تسبق ترتيبات الإنتخابات وقبل بلوغ مرحلة الإقتراع، فإذا أراد المؤتمر الوطني، مثلاً، تعديل الدستور لترشيح البشير لفترة رئاسية أخرى، سوف تكون هذه معركة يرتفع فيها صوت الشارع بدلاً عن المقاطعة الباردة (وفق تسمية عرمان) التي يستطيع معها الحزب الحاكم تعديل الدستور من سُكات كما حدث ويحدث في كل مرة.

ومثل هذا الفعل حدث قبل بضعة شهور في جمهورية بوركينافاسو، وهي دولة أفريقية عانى شعبها من الحكم الديكتاتوري للرئيس "كومباري" الذي وصل للحكم عبر إنقلاب عسكري قبل إنقلاب البشير بعامين (1987)، ثم أضفى على حكمه شرعية بعد ذلك بإعلان فوزه بفترة رئاسية بموجب إنتخابات طبقاً لدستور نَجَره بيديه في العام 1991، ثم أعيد إنتخابه لفترة ثانية في 1998، وبحسب نصوص ذلك الدستور كانت أقصى فترة حكم للرئيس البوركيني هي ولايتين فقط، وعند نهاية المدة الثانية، قام بإلغاء الدستور القديم ووضع مكانه الدستور الحالي الذي بدأ بموجبه فترتي رئاسة جديدتين، فأنتخِب رئيساً للبلاد في 2005 ثم أعيد إنتخابه في 2010.

وعندما شرع الحزب في ترتيبات تعديل الدستور بما يُتيح إعادة ترشيح "كومباري"، ثارت المعارضة التي إختارت منافسته بترشيح زعيمها "زيفرين ديباري"، وإنفجر الشارع وقام أفراد الشعب بإقتحام البرلمان أثناء مناقشته تعديل الدستور، فقفز أعضاء البرلمان من النوافذ وأطلقوا سيقانهم للريح، فتوقفت - للأبد - عملية التصويت.

وبالمثل، ، سوف تكون هناك معركة أخرى عند تشكيل لجنة الإنتخابات من القطط الأليفة التي كان ينفرد بإختيارها المؤتمر الوطني، وكذلك في مناهضة إستخدام أموال الدولة في دعم مرشحي المؤتمر الوطني، ومعركة رابعة عند إختيار المنظمات والجهات الأجنبية التي تُشرِف وتراقب الإنتخابات التي كان يستقدِمها المؤتمر الوطني بمعرفته .. إلخ.

تجربة الشعوب تقول أن نجاح التغيير يكمن في خلق قضية "محسوسة" يلتف حولها الناس ويكون تحقيقها ممكناً، فالمواطن مهما بلغ به الغُلب والضجر من نظام حاكم، ليس من المُتصوّر أن يخرج مع أبنائه من بيته قاصداً الشارع لإسقاط النظام بحنجرته، فلا بد أن تكون هناك قضية ماثلة أمام عينيه يتحرك لتحقيقها، ومثل القضايا التي أوردناها (مناهضة تعديل الدستور و ضمانات نزاهة الإنتخابات)، سوف تجد مؤازرة وتأييد من المجتمع الدولي والإقليمي، وسوف يجد النظام وأنصاره عاجزين عن مجابهتها لما تشتمل عليه من من وجاهة وعدالة.

لا نرى وجهاً لما يؤخذ على هذه الفكرة بالقول بأنها تمنح شرعية للنظام، أو القول بأن ألاعيب النظام قادرة على الإلتفاف حولها بما يحقق له إكتساح الإنتخابات في جميع الأحوال، ذلك أن الشعب سوف يحتفظ بحقه في الضغط على ذِر المقاطعة في أيّ وقت، وسوف تكون المقاطعة في هذه الحالة "ساخنة" وتحت الأضواء، يشهد عليها كل العالم وتقطع حُجّة الدول التي تُساند النظام وتمنحه الشرعية.

كلمة السر في نجاح هذا الفكرة هو أن يكتفي عقار وعرمان بأن يكون لهما شرف المبادرة بطرحها ويرفعا يديهما عنها، حتى لا يدفع نجاح الفكرة ثمن خصوم البعض للحركة الشعبية أو رأيهم في قادتها، أنظروا لا للجهة التي قامت بطرحها، ونرى أن يُعهد بإدارة المعركة الإنتخابية إلى هيئة تضم ممثلين لقطاعات الشعب المختلفة مثل الشباب والمرأة ومنظمات المجتمع المدني وبدعم ومساندة القوى السياسية والأحزاب.


سيف الدولة حمدناالله
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.