ستون عاماً مضت على رفع العلم الثلاثي الألون (الأزرق ، الأصفر ،الأخضر) عالياً خفاقاً على سارية القصر الجمهوري وإعلان إستقلال السودان بعد أن أمضى 56 عاماً تحت نير الإستعمار الأجنبي.

وبرفع علم البلاد في مطلع العام 1956 يتم ميلاد دولة السودان الحديثة كحالة إستقلال فريدة وذلك عقب إعلان الإستقلال من داخل البرلمان في 19 ديسمبر من العام 1955 حيث رفرف العلم فوق القصر الجمهوري لتخرج الخرطوم بعدها الى الشوارع محتفلة  ومهللة ومستبشرة وفي العيون دمعات وفي الحناجر صيحات والسواعد تحمل العلم الجديد خفاقاً يسري خفقانه في القلوب فتهتز طرباً ليرقص الوطن يومها على أنغام النصر.

في ذلك اليوم تزينت الخرطوم بثوبها القشيب، ورقصت طرباً في مشهدمهيب، والعلم الخالد يرفرف، والإستعمار وأعلامه مطوية ، معلنة بذلك طي الحقبة الإستعمارية البائدة وبداية الدولة السودانية الحديثة.

درج السودانيون على الإحتفال في هذا اليوم المجيد ولهم الحق، ولكنه من الأفضل أن نتوقف في كل ذكرى إستقلال لنقيَّم مسيرة الوطن ولا سيما فيهذا اليوم الذي بلغ فيه الوطن الستون منفصلاً هزيلاً، يتحاور ساسته على الطريقة التي يحكموه بها وهو طريح الفراش ، بعد ان تناوشته سهام أبنائه ففصلته ، ورمته السواعد التي أنجبها وعلمها بنبالها فأدمته ، وهي تهتف صباح مساء بإسمه مدعية حبه وكأنها بعطفها   شملته ، وبكرمها إكتنفته ، ومن شفا حفرة التمزق والدمار أنقذته!!.

ولعل السؤال المفصلي والهام والذي يدور بالأزهان كل عام هو : كيف ننقذ هذا الوطن من عثراته ونضعه في مكانه الصحيح بين الأمم؟. وإن كانت الإجابة على هذا السؤال سهلة ولكن يبقى تطبيق ما نصبو إليه من الصعوبة بمكان كونه يصطدم دوماً بآمال الطامحين للمجد على حساب الوطن،والطامعين في كرسي السلطة عبر الطرق الملتوية من الذين لن ينالوا ذلك الشرف بالطرق المشروعة والمتبعة.

ومن المؤسف أننا بعد 60 عاما من الإستقلال لا زلنا نرزح تحت إستعمارنفوسنا المتسلطة والمتعطشة للسلطة والثروة ونحن في مؤخرة الشعوب العالمية مؤسسين سنة سيئة بين الأمم مفادها ، أن حلحلة المشاكل الداخلية الناتجة من سوء الإدارة وإختلال العدالة يتم عن طريق الإنفصال، لينشطر الوطن الى دولتين مصابتين بأمراض  الفقر والحروب، والقبلية ، وهاهو الوطن متشظياً مبعثراً حيث لم يندمل جرح بتره بعد.

إن إستقلال البلاد كان ملحمة وطنية فريدة تجلت فيها عبقرية الشعب السوداني وقدراته خلال مسيرته الظافرة ، حيث  تضافرت جهود القوى الوطنية السودانية  المتمثلة في الساسة ورجالات الإدارة الاهلية ، والطرق الصوفية، والمثقفين والطلاب والشباب، والمرأة ، وغيرهم من القوى ، حتى تحقق الإستقلال وخفق العلم السوداني وطوى الإستعمار أعلامه وظلامه، غير مأسوفاً عليه، ليفتح الوطن صفحة جديدة من كتابه ، لتكتب الأجيال أعمالها عليه ، وما قدمته لهذا الوطن.

للأسف وبعد كل تلك السنوات فإن الوطن اليوم يتعثر وهو في أضعف حالاته  والمؤسف أكثر أن ما أصاب الوطن من ويلات ونكبات وإنشطارات وما يعانيه مواطنيه من ضيق ذات اليد وشظف العيش، وتحجيم  للحريات كل ذلك صناعة سودانية خالصة ، في الوقت الذي تكافح فيه الدول المتقدمة لإسعاد  شعوبها وكأننا في كوكب وهم كوكب آخر.

ومن المؤسف أيضاً أن ما تم من إقصاء وتهميش وإفقار  للشعب السوداني،تم تحت مسميات  جذابة،  ومشاريع فضفاضة ، كل همهما ترسيخ برامجها  وتمكين أصحابها من الوطن ليحكموه، ويستأثروا بموادره ويكون لهم خالصاً لا يجوز لغيرهم .

كما أنه وعلى الرغم مما نراه  اليوم وما وصل إليه حال الوطن لا زال البعض سادرون في غيهم مضخمون لأحلامهم يرون عبر أعينهم الخداعة سراب أفكارهم ماءً  زلالاً  وفوق ذلك لا يسمعون آنات المحرومين والجوعى وكأن ناصحهم يؤذن في مالطا.

إن مسيرة الشعوب لن تتوقف كما أن آمال الشعب لن تتحطم على صخرة الدكتاتوريات والطغاة ، ويبقى الأمل والتطلع للمستقبل هو الزاد الذي تسير به قوافل الشعب في طريق الرفاه والديمقراطية والحرية ، ولن يتحقق ذلك إلا عن طريق بث الروح الوطنية لدى الجميع وإعلاء الوطن فوق كل الكيانات  والعمل من أجله بكل تجرد ونكران ذات، وإبعاد المتطلفلين والفاسدين وأصحاب النفوس الضعيفة الطامحون للمجد على حساب الوطن .

وفي ذكرى الإستقلال لا بد من التحية لقادة الإستقلال الذين بذلوا الغالي والرخيص وسلموا الأجيال السودانية وطناً (حدادي، مدادي) وأهدوهم إستقلالاً أبيضا كالحليب حلواً كالعسل قوياً كالجبال ليس به "شق" ولا "طق"  وأوصونا بالمحافظة عليه وحمايته نثراً وشعراً (جدودنا زمان وصونا على الوطن ... على التراب الغالي الما ليه تمن) فهل حفظنا الوصية ؟؟.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.