وضع الرئيس عمر البشير قيادات حزبه أمام تحدي تاريخي, عندما كرر حديثه بعدم الترشح لرئاسة الجمهورية في انتخابات عام 2015, حيث قال في اللقاء الصحفي الذي أجرته  معه جريدة الشرق القطرية, و في رده علي سؤال إذا كان عند موقفه بعدم الترشح للرئاسة قال ( هذا موقف ثابت إن شاء الله و الآن تجري المداولات داخل المؤتمر الوطني لكيفية تقديم مرشحهم في منصب الرئاسة, و الذي سيكون بعد عامين بالضبط, حيث ستجري الانتخابات و لديهم الوقت الكافي لترتيب أوضاعهم إن شاء الله) و حول إذا كان هناك إصرارا لترشيحه من المؤتمر الوطني قال الرئيس ( لا, هذا كفاية, نحن أمضينا كم و عشرين سنة, و هي أكثر من كفاية في ظروف السودان, و الناس يريدون دماء جديدة, و دفعة جديدة كي تواصل المسيرة إن شاء الله) و بكل تأكيد إن قرار الرئيس يعد قرارا شجاعا و فيه كثير من الحكمة و الموضوعية, و الرئيس محق في قراره لسبب بسيط جدا أن تغيير القيادات يعتبر واحد من أسباب التطور في الدول الديمقراطية, و في تلك الدول هناك عرف أن يعتزل السياسي و هو في قمة نجاحاته, و الاعتزال السياسي يعطي فرصة لقيادات جديدة تحمل فكر و برامج جديدة, و تنحي الرئيس أمر يعتقد السياسيون ضروري لتبادل الخبرات, و القيادات السياسية لا تثني الرئيس عن استقالته إذا أراد الاعتزال, و لا يشكل لها مأزقا, لأنهم يعتقدون أية واحد منهم قادر علي ملآ الوظيفة, و لكن في الحالة السودانية نجد إن القيادات قد هزها قرار الرئيس, و نزل عليها كالصاعقة باعتبار أنها لم تتحضر لمثل هذا اليوم أو أن هناك نار تحت الرماد.
قال عضو المكتب القيادي بالمؤتمر الوطني الدكتور قطبي المهدي حول عدم ترشح الرئيس ( إن الحزب سيواجه أزمة كبيرة, إذا لم يولي موضوع ترشيح البشير في الانتخابات القادمة أولوية, حيث أن قواعد الحزب تعتبر البشير أحد ضمانات الحزب نفسه, و أن غياب البشير في الانتخابات القادمة سيكون له تأثير سالب علي الحزب) يؤكد الدكتور قطبي إن حزب المؤتمر الوطني غير مستعد لخوض مثل هذه التجربة, و إن الحزب رغم استمراره في السلطة عقدين ونيف, إلا أنه لم يستطيع أن يخلق قيادة بديلة لرئيس الجمهورية يخلفه إذا طرأ أية ظرف من الظروف, لذلك يعتبر عدم ترشح الرئيس البشير أزمة, أو أن هناك العديد من مراكز القوة و الصراعات داخل الحزب يغطي عليها بقاء رئيس الجمهورية في السلطة, و هذا ما أشار إليه القيادي بالمؤتمر الوطني الدكتور إبراهيم غندور  في خبر نقلته جريدة الصحافة حول من يخلف الرئيس البشير قال فيه ( أن علي عثمان محمد طه هو الأقرب إلي خلافة رئيس الجمهورية في الترشح للانتخابات المقبلة بحكم طه ظل نائبا للرئيس لفترة طويلة) و أضاف قائلا ( هناك تحدي حقيقي في حالة البحث عن مرشح آخر يكون خليفة حقيقيا للبشير, يتمثل في سد الثغرات التي كان يملأها الرئيس و المتمثلة أولا من حيث المقبولية و ثانيا من حيث الشجاعة و ثالثا من حيث القدرة علي اتخاذ القرار) و إشارة الدكتور إبراهيم غندور للسيد النائب الأول لرئيس الجمهورية علي عثمان محمد طه لخلافة الرئيس, فقط لأنه ظل طويلا في موقعه نائبا للرئيس, و لكن ليس لامتلاكه تلك الصفات التي يتمتع بها رئيس الجمهورية و التي عددها في حديثه, لذلك نجده يشير أيضا إذا لم يتم ترشيح النائب الأول لرئيس الجمهورية سوف يدخل الحزب في تحدي عندما يقول ( هناك تحد حقيقي في حالة البحث عن مرشح أخر ) و هي تعد فعلا إشكالية, في عجز مؤسسة سياسية رغم طول وجودها في السلطة, عاجزة في أن تصنع قياديين قادرين علي تولي قمة الهرم في الحزب و الدولة, و هي قضية تحتاج لمراجعة سياسية.
و نجد إن نائب رئيس الجمهورية لديه رؤية أخرى تتمسك ببقاء الرئيس حيث قال الدكتور الحاج أدم نائب رئيس الجمهورية و رئيس القطاع السياسي بالمؤتمر الوطني, في ختام فعاليات مؤتمر تقييم أداء الدفاع الشعبي ( إن قرار المؤتمر الوطني فيما يتعلق بمرشح الرئاسة هو إعادة انتخاب عمر البشير) و معلوم أن المؤتمر الوطني لم يعقد مؤتمره العام, و الذي يتم فيه اختيار مرشح الحزب لرئاسة الجمهورية, و لكن السيد رئيس القطاع السياسي يريد أن يخلق من الآن حالة من الاستقطاب داعمة لترشيح عمر البشير لرئاسة الجمهورية و بقائه علي قمة هرم الحزب, و إذا كان قرار ترشيح رئيس الجمهورية هو قرار مؤتمر الحزب لماذا استبق السيد رئيس القطاع السياسي المؤتمر, أم هي رسالة مرسلة من الآن للمؤتمر في أن لا يحيد عنها, و هذه الرسالة المستعجلة تؤكد إن هناك فعلا صراع لمراكز القوة داخل الحزب الحاكم, و لا اعتقد إن السيد رئيس الجمهورية ليس علي علم بهذا الصراع, بل السيد رئيس الجمهورية يعلم بذلك, و أشار إليه في اللقاء الصحفي عندما قال (الآن تجري المداولات داخل المؤتمر الوطني لكيفية تقديم مرشحهم في منصب الرئاسة, و الذي سيكون بعد عامين بالضبط, حيث ستجري الانتخابات و لديهم الوقت الكافي لترتيب أوضاعهم إن شاء الله) إن فهم الرئيس لواقع حزبه هو الذي جعله يشير إليهم باكتساب الزمن و الاتفاق علي مرشح من بينهم.
و إذا نقلنا إلي مشهد سياسي أخر لا يبتعد عن الموضوع, بل أعتقد أنه يشكل ركنا أساسيا في الموضوع, اللقاء الذي جري بين النائب الأول لرئيس الجمهورية علي عثمان محمد طه و الدكتور علي الحاج نائب الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي في ألمانيا, حيث أوردت صحيفة الصحافة تصريحا للدكتور علي الحاج نائب الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي حول لقاءه بالسيد النائب الأول لرئيس الجمهورية علي عثمان محمد طه في ألمانيا قال فيه ( أنه اتفق مع النائب الأول علي ضرورة إحداث تحول ديمقراطي بصورة سلسة و سلمية و الاقتداء بالنموذج العربي الذي أفرزته الثورات العربية و أفرز حكومات ديمقراطية, و قال قد اتفقنا علي أن تقدم مسودة الحوار التي تشمل القضايا التي تم حولها الحوار لكل من الحكومة و المعارضة لمناقشتها و إبداء الرأي حولها) اعتقد إن اللقاء يعد تمهيدا لما سوف يحدث في المستقبل و ترشح الدكتور غندور يسير في ذات الاتجاه.
إذا اتفقنا إن لقاء النائب الأول مع الدكتور الحاج في ألمانيا, ليس بعيدا عن التحولات التي سوف تحدث في السلطة و الحزب مستقبلا, يجب علينا أن نرجع للتاريخ لكي أكد ما ذهبت إليه, بعد ما حدثت المفاصلة عام 1999 خرجت جماهير كبيرة مع الدكتور الترابي, فحدثت ثلاثة تحولات مهمة في السلطة أثرت في العملية السياسية و هي أيضا لها أثر في المستقبل و هو ما يتوقعه السيد النائب الأول. الحدث الأول إن الرئيس حسم الأمر في صراع علي السلطة مع الدكتور الترابي بالرجوع للقوات المسلحة, و التي حسمت قضية توازن القوة, الحدث الثاني تم فتح منافذ السلطة لتيارات سياسية أخري التحمت مع المؤتمر الوطني, و أدت إلي خلق توازن للقوي داخل السلطة من خلال دخول جماهير غير إسلامية, لذلك كان الاتصال بقيادات في الحزب الاتحادي الديمقراطي و حزب الأمة و دخول هؤلاء في تحالف مع السلطة قد جعل تغييرا يحدث في بنية السلطة, حجمت دور الإسلاميين بشكل فاعل, و هذه المهمة قد نجح فيها الدكتور نافع علي نافع, و الذي كان في عدم توافق مع الدكتور الترابي, و نشاط الدكتور نافع و نجاحه في مهمته لاستقطاب جماهير من القوي السياسية الأخرى, هو الذي جعله قريبا من الرئيس, القضايا التي حدثت مؤخرا, المحاولة الانقلابية و الدعوة الإصلاحية من قبل قطاع من الإسلاميين و التي أكدت إن القاعدة منقسمة, و حتما سوف تؤثر في الصراع السياسي و مراكز القوة, إذا رفض الرئيس تحت أية ظرف عدم ترشيح نفسه للرئاسة, يبقي أين تقف مجموعات الإصلاحيين و القوات المسلحة في صراع مراكز القوة.
إذن قضية الصراع الداخلي, و قضية مطالب المعارضة, و كل عمليات التحولات التي يمكن أن تحدث جراء عملية التغيير في المستقبل, هي التي يفكر فيها السيد نائب رئيس الجمهورية من الآن, باعتبار إن الذي يملك قاعدة جماهير و رضي القوات المسلحة هو الذي يكسب المعركة, كما إن أية عملية تغيير في قمة الهرم سوف يكون لها تأثيراتها الإيجابية أو السلبية, و هي التي جعلت النائب الأول يفكر في تواصل الحوار مع المعارضة بكل تقسيماتها, و أولهم مع قاعدته الفكرية, و لقاء النائب الأول لرئيس الجمهورية مع علي الحاج ليس لقاءا جاء بالصدفة, أنما تم الترتيب إليه كما قال الدكتور علي الحاج من قبل السفارة السودانية في ألمانيا, و السفارة لا تستطيع أن ترتب لقاء إذا لم تأتيها إشارة من قيادتها من داخل السودان, و هذه تؤكد إن واحدة من الفروع العسكرية كانت جزءا من العملية, و لا اعتقد إن السيد رئيس الجمهورية تغيب عنه هذه المعلومات, مما يؤكد أن عملية الخلافة قد حسمت, و يبقي كيف يتم إخراجها. و الشيء الأخر, إن مجموعة الإصلاحيين تريد أن يكون لها دور في تحديد مستقبل الدولة و الحزب, لذلك ملأت المواقع الإسفيرية ببياناتها الأمر الذي يؤكد إن الرئيس لن يتراجع عن ما ذهب إليه و بالتالي يريد هؤلاء أن يكون لهم دور في اختيار الخليفة, و لاسيما إن الرئيس كان محل إجماع من قبل الجميع و لكن الخلاف داخل المؤسسة السياسية, و مادام الرئيس محل إجماع, يحاول البعض أن يثنيه عن قراره لاستمرارهم في مواقعهم, خوفا من مستقبل لا يملكون مقومات في صناعته, و لكنها هكذا تمشي عجلة السياسية و هي دائما تحمل معها مفاجئات, و الحصيف هو الذي يخطط و يعد للمستقبل.
القضية الأخرى التي تتعلق بالموضوع هو المجتمع الدولي, و نجد السفير البريطاني في الخرطوم  بيتر تايبر يقول ( إن ترشيح الرئيس السوداني عمر البشير في الانتخابات القادمة شأن داخلي يخص حزب المؤتمر الحاكم و إن بلاده ستدعم انتخابات الرئاسة القادمة بتقديم مساعدات لوجستية) هذه إشارة واضحة إن المجتمع الدولي ليس بعيدا عن السيناريو الذي يجري, و معلوم أن تغير قمة هرم الدولة و الحزب الحاكم سوف تصاحبه تغييرات كبيرة, إن كانت في الحزب أو في الدولة, و السيد رئيس الجمهورية رجل عسكري, يهتم بالقضايا الإستراتيجية, و الترتيبات و الإعداد قبل وقوع الحدث, و بالتالي هو ليس ببعيد عن كل ما يجري و سيجري في المستقبل, و من أهم مقومات العمل العسكري تماسك القيادة و قدرتها علي المبادرة و الفاعلية حتى لا يحدث أية اهتزاز في القاعدة, و هي التي جعلت السيد الرئيس يحس القاعدة من الآن, إن هناك شيئا سوف يحدث في السلطة " عدم ترشيح نفسه للرئاسة" لكي تحاول من الآن أن تحدد خياراتها. و إن السيد رئيس الجمهورية قد فجر الوضع داخل حزبه, و ينتظر كيف تتصرف قيادات المؤتمر الوطني مع قرار رئيس الجمهورية. و في الختام نسال ألله أن يولي خيارنا. 

zainsalih abdelrahman [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]