في كتاب صدر في بيروت باسم " حوارات في الإسلام- الديمقراطية – الدولة – الغرب" كتب الدكتور الترابي ( لا يمكن للسودان أن يستمر دون هوية أو انتماء أو دون أن يختار نهجا في السياسة و الاقتصاد, أيكون رأسماليا أو اشتراكيا أو إسلاميا؟ فلا حياة لبلد يخترقه التنافر حتى العظم فإما أن يتمزق و إما أن يسعي إلي حد أدني من الإجماع وثق بأنه حالما يستتب ذلك الحد الأدنى من الإجماع فان تجد من يبشر بفضائل الحزب الواحد) و تجارب الترابي السياسية تنقد ما يقول, رغم أن الحديث قيل في منتصف التسعينات, و لكن دخول الترابي في الاتحاد الاشتراكي من قبل " الحزب الواحد" و تجربة الإنقاذ و التي هو "عرابها" التي تقوم علي فلسفة الحزب الواحد, تؤكد أن التناقض بين الحديث و القول كان ثمرة التجربة السياسية التاريخية الحركة الإسلامية السودانية, و ما قدمته الحركة الإسلامية السودانية خلال عقدين و نيف في الحكم, هو كل عصارة التجربة السياسة النظرية و الفكرية و العملية التي تملكها, و محاكمتها تأتي من التجربة و ليس من أقوالها, كما إن التجربة السودانية أصبحت هي و الأفغانية و الإيرانية  مادة المقارنة في المنطقة الإسلامية.
و هناك مقاربة لابد الإشارة إليها, و هي التجربة القومية العربية, و التي بدأت تظهر للوجود أثناء حالة الرفض لحكم الدولة العثمانية, و الذي كان يتحكم علي مفاصل المجتمعات العربية, حيث بدأ الأدب السياسي العربي الداعي إلي القومية العربية يتبلور في الوعي الجماهيري في المنطقة, و استطاع الفكر العربي يغطي علي ما عاده من الأفكار الأخرى حتى الفكر الإسلامي,  و القومية العربية ليست فكرا فقط, أنما كانت تجارب عملية من خلال وصول العسكريين القوميين للسلطة, في كل من العراق و سوريا و مصر, و الملاحظ رغم إن كل الأحزاب و الحركات القومية العربية تؤمن بأنها تعتمد علي الحركات الجماهيرية في عملية التغيير السياسي, إلا إنها جميعا قد وصلت إلي السلطة بانقلابات عسكرية, و يقول الدكتور برهان غليون في كتابه " اغتيال العقل " يقول حول توازنات القوة في المجتمع ( إن تبادلات السلطة و ممارساتها كانت تقرر علي صعيد القوة المحضة و التفوق العسكري حتى أصبح الانقلاب العسكري الذي تفوق القوة من خلال الجيش ككتلة اجتماعية موحدة هو النظرية السياسية الوحيدة المعمول بها في المجتمع) إن اعتماد النخب القومية و غيرها من الإسلاميين علي المؤسسات العسكرية, يؤكد شيئين الأول أن المؤسسات العسكرية كانت هي القوة الاجتماعية المنظمة في تلك المجتمعات, و الشيء الثاني ضعف المجتمع المدني العربي, مما جعل النخب القومية تعتمد في حركة التغيير علي المؤسسات العسكرية, من خلال نخبها في المؤسسات العسكرية.و أيضا رغم شعارات الحرية و الديمقراطية التي كانت تتبناها إلا أنها جميعا أقامت نظم ديكتاتورية, و قد حاربت القوي السياسية الأخر, و رفضت السماح لها من خلال تشريعات أو من خلال أدوات القمع إن تمارس عملها السياسي, فكانت كل النظم القومية ناصرية أو بعثية تؤمن بدولة الحزب الواحد, و رغم الأدب و الثقافة النظرية التي حبرت بها النخب القومية ملايين الأوراق, إلا إنها قد قدمت مسوغات غير مقنعة حول ابتعاد تلك النظم عن الحرية و الديمقراطية, و كان الاختبار الحقيقي للحركات القومية نكسة 1967 و الهزيمة العربية, الهزيمة كانت بداية التراجع للحركات القومية العربية و خطابها السياسي رغم محاولات النقد التي بدأت تنتشر في المنطقة, و لكنها كانت جميعا خارج أسوار النظم السياسية, و ظلت النخب الفكرية حبيسة في شرنقتها لحالة القمع التي كانت تتزايد عليها, لانعدام المساحات الديمقراطية في تلك النظم الديكتاتورية و التوليتارية منها انعدم النقد السياسي, فكانت الهزيمة بداية أفول الحركات القومية. و إذا نظرنا إلي الجانب الأخر للمقاربة الحركات الإسلامية, نجد إن النظام السوداني الوحيد الذي جاء بانقلاب عسكري ضد الديمقراطية, و في إيران جاء الحكم عبر ثورة شعبية, ثم في بقية الدول خاصة في مصر و تونس جاءت الحركات الإسلامية عبر صناديق الاقتراع بعد سقوط الديكتاتوريات, و وصول الحركات الإسلامية للسلطة كان اختبار حقيقي لخطابها السياسي و فكرها, و يقول الباحث الفرنسي في الحركات الإسلامية أوليفيه روا في كتابه " فشل الإسلام السياسي " الذي صدر في عام 1992 يقول فيه ( أن وصول الإسلاميين للسلطة و استيلاءهم عليها سيكون بمثابة أول سطر في إعلان وفاة مشروع الإسلام السياسي) و كان مجال بحثه حول وصول الحركات الإسلامية في كل من " إيران و السودان و أفغانستان" و قال ( أن تلك الدول لم تقدم نماذج للحكم ديمقراطية و لم تقدم حتى اجتهادات سياسية إن كانت في السياسة و الاقتصاد و غيرها و أن تجربة السودان كانت أكثر تواضعا من مثيلاتها) و أوليفيه قدم بعد الثورات العربية أيضا كتابا مع باحثة فرنسية من أصل جزائري هي أمل أبوبكر, في التطورات التي حدثت في الفكر الإسلامي في الحركات الإسلامية التي جاءت للسلطة بعد ثورات الربيع العربي.  
الثورات العربية التي اندلعت في عدد من الدول العربية, و أدت إلي تغيير النظم السياسية, و التي كانت تؤمن القيادات فيها إن نظام الحزب الواحد أو النظم الديكتاتورية هي أفضل النظم التي يجب أن تسود في المنطقة, و قد كانت لهم مسوغاتهم بأن المجتمعات العربية ليست مهيأ لكي تنجح فيها النظم الديمقراطية, و لكنهم لم يدعموا خطابهم التبريري بدراسات و قراءات للواقع تؤكد مسوغاتهم, إلا أنهم لجوء إلي تقوية المؤسسات القمعية, و إعطائها مساحات واسعة من الحركة و التشريعات التي تطلق يدها في كيفية الحفاظ علي النظام السياسي, الأمر الذي ضيق من الحريات بكل أنواعها, هذا القمع السياسي للدولة و الأحزاب الحاكمة قد واجهته معارضات تأخذ أشكال مختلفة, و كانت حركات الإسلام السياسي قد وقع عليها الكثير من القمع و المطاردة و التضييق في الحريات, لذلك كانت جزء من عملية التغيير بل أنها استطاعت أن توظف كل طاقاتها و كادرها لنجاح الثورات العربية, و إن كان قيادات الثورات العربية قد جاءت من خارج المؤسسات السياسية المعارضة, و حتى لم تكن لهم تجارب سياسية سابقة, و لكنهم استفادوا أن يوظفوا وسائل الاتصال الحديثة توظيف عاليا, في التعبئة الجماهيرية و إقناع الشباب بالخروج من أجل التغيير.
كانت حدود قيادات الثورات العربية هي حدوث عملية التغيير و تهيئة الملعب للاعبين جدد, و بعد التغيير و قيام الانتخابات جاءت الحركات الإسلامية لسدة الحكم في كل من مصر و تونس و مشاركة في ليبيا, و لا يخف دورها في اليمن. و لكن كان الحركات الإسلامية محاطة بالشكوك و عدم الثقة من بقية القوي السياسية الأخرى, و كانت في نقدها لحزب النهضة في تونس و الأخوان المسلمين في مصر أنها قوي سياسية لا تؤمن بالديمقراطية, و الخوف أن تنفرد بالسلطة ثم تغير التشريعات لكي تناسب فكرها السياسي الذي لا يؤمن بقضية الديمقراطية, حيث كانت النخب الناقدة تشير لنماذج الحركات الإسلام السياسي في كل من السودان و إيران حيث تماهي الحزب في الدولة و لم تعد هناك فواصل بينهم, فخوف النخب السياسية المصرية و التونسية من أن تتماهي الحركات الإسلامية في الدولة, الأمر الذي يعيدهم مرة أخرى للديكتاتورية الإيديولوجية, لذلك ظلت القوي السياسية باقية في الشارع بشعاراتها حتى لا تغفل عينها و تجد أن الحزب بالفعل تماهي في الدولة ثم يستخدم كل المؤسسات القمعية في قمع القوي السياسية. بيد إن عددا من القيادات الإسلامية خاصة في تونس قدموا أطروحات فكرية تعاضد الجانب الديمقراطي و تؤكد أنهم مع الدولة الديمقراطية التعددية و يقول الشيخ يوسف القرضاوي عن الديمقراطية ( الذي يعنينا من الديمقراطية هو الجانب السياسي منها, و جوهره أن تختار الشعوب من يحكمها و يقود مسيرتها و لا يفرض عليها حاكم يقودها رغم أنفها و هو ما قرره الإسلام عن طريق الأمر بالشورى و البيعة) و القرضاوي حاول أن يبعد و يجرد في أطروحته الديمقراطية الاقتصادية و الليبرالية, و يؤكد علي الجانب السياسي للديمقراطية رغم أن القرضاوي لم يقدم أية نقد للنظم الإسلامية التي أهملت قضية الديمقراطية السياسية, فهو يعتقد أن وصول الإسلاميين للسلطة يكفي و في محاضرة ألقاها الدكتور راشد الغنوشي بمناسبة الذكري الثانية للثورة في تونس قال ( الخيار الديمقراطي هو الخيار الوحيد المطروح في الساحة الآن و هو أيضا خيار التيار الإسلامي الوسطي لإنتاج نظام ديمقراطي تعددي لا يقصي أحدا و مبنيا علي الانتخابات و القضاء المستقل و الإعلام الحر) و يضيف قائلا الغنوشي ( إقامة زيجة ناجحة و سعيدة بين الإسلام و الديمقراطية و التقدم العلمي و مكتسبات الحداثة و لا يحق للدولة أن تفرض غطا معينا من التدين) رغم كل هذا الأدب السياسي التي قدمته حركة النهضة إلا أنها لم تقنع القوي السياسية الأخرى أن الإسلاميين بالفعل مالوا إلي جانب الديمقراطية. فالفوبيا التي تعاني منها بعض القوي الديمقراطية و الليبرالية ربما هي نفسها تشكل حالة سلبية لترسيخ الديمقراطية في تونس و مصر, و يعود التخوف لعدم الثقة و انقطاع الحوار بين تلك المجموعات خاصة بعد ظهور مجموعات إسلامية متطرفة لا تملك من الثقافة السياسية الإسلامية غير التكفير فهي مجموعات ما تزال تعيش علي سقف القطبية و المودودية و هي اجتهادات سياسية إسلامية تخاصمت مع اجتهادات إسلامية تمت في القرنين التاسع عشر و العشرين للشيخ الأفغاني, و الشيخ رفاعة الطهطاوي و الشيخ علي عبد الرازق و الشيخ محمد عبده و الشيخ خير الدين التونسي و الأمير شكيب أرسلان و غيرهم و هؤلاء تأثروا بالتجارب الديمقراطية و العلوم الحديثة التي انتشرت في الغرب, و لكن تمت قطيعة بين التيارات التاريخية المعاصرة, و فضلت النخب الجديدة العودة إلي عهود ظهور المدارس الفكرية و لكن بقراءات تختلف عن سابقيهم, لذلك شككوا في النظم الديمقراطية. هذا التشكيك ظل راسخ في أذهان القوي السياسية الأخرى لتؤكد أن حركات الإسلام السياسي لم تقدم نماذج ديمقراطية مريح ليس في جانب الحكم بل حتى في جوانب الصراع علي منظمات المجتمع المدني, و تسيس تلك المنظمات. 
خاف الشارع السياسي و المتمثل في حركة الليبراليين و الناصريين و القوي الديمقراطية الأخرى تراجع الرئيس المصري من الوعود التي كان قد قطعاها لهم حول قضية إجازة الدستور, و لم تستطيع نخب الأخوان المسلمين أن يقدموا أية اجتهادات سياسية تطمئن القوي السياسية, أنما سعوا في أول محاولة لهم أن يقدموا كوادرهم في بعض المؤسسات الإعلامية, الأمر الذي خلق تزمرا في الوسط الإعلامي, فقد كتبت جريدة الوفد مقولة مستلفة من الباحث عبد الرحيم لميشيش تقول فيها ( أن أوجه القصور في الإسلام السياسي لا تكمن في عجزه عن التعبئة بل في كونه غير قادر علي سدة الفجوة بين بلاغة الأقوال المتحيزة و بين قوانين الواقع الصارمة و لذلك فإن وصول مشروع الإسلام السياسي إلي طريق مسدود أمر طبيعيا لا يحتاج إلي مناورة) رغم إن حزب الوفد أكثر القوي السياسية المصرية يمد حبال الوصل مع الأخوان, و لكن التجارب الماثلة في المنطقة لا تجعل القوي السياسية المعارضة مطمئنة لوصول الحركات الإسلامية للسلطة. كما إن الأخوان المسلمين في مصر لم يقدموا اجتهادات سياسية يؤكدون فيها وقوفهم مع الديمقراطية فالدكتور محمد بديع المرشد العام لجماعة الأخوان المسلمين يقول في رسالته الأسبوعية ( أننا لابد أن نسلم بأن الشعب إذا اختار شيئا وفق آلية الديمقراطية المعمول بها في العالم كله فإنه لا يصح لأحد أن يتجاوزه) في كل رسائل المرشد لم يعرج لقضية الديمقراطية و يبين موقف جماعته منها أنما كان يعتقد أنها نظام قبله الشعب و هم لا يعارضونه إلا أنهم لم يقطعوا القول الفصل فيه, و جاء الحديث عن الديمقراطية و التزام الأخوان بها في ورقة بحثية في الحوار الإسلامي الأوروبي حيث قدم الدكتور عبد الرحمن البر عضو مكتب الإرشاد لجماعة الأخوان المسلمين يقول فيها ( نحن الأخوان المسلمين مع الديمقراطية باعتبارها منتجا بشريا كافحت البشرية طويلا ضد الطغاة و المستبدين حتى اهتدت إليه كوسيلة تكبح جماح الحكم الفردي, و تقليم أظافر التسلط السياسي حيث أوجدت صيغا و أساليب عملية تعطي الجماهير حق اختيار حكامهم و محاسبتهم إذا أخطأوا و عزلهم و تغييرهم إذا انحرفوا) و يضيف قائلا ( واقع الفكر و التطبيق يقطع بأن الأخوان المسلمين من أكثر الهيئات أيمانا بالديمقراطية و تحقيقا للدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة التي تقبل بالتعددية السياسية و الفكرية و ترفض الاستبداد آيا كان شكله عسكريا أو علمانيا أو دينيا, و نسعى دائما للتواصل و التفاعل مع كل مكونات المجتمع) و لكن العبرة ليست بالقول و تقديم اجتهادات فكرية فقط أنما أن يقترن الفكر بالواقع, خاصة هناك تجارب إسلامية ماثلة أمام العالم تجارب ليس لديها أية علاقة بقضية الديمقراطية و التعددية, هذه التجارب ألقت بظلالها علي الآخرين.
و النقد لم يكن فقط من القوي السياسية المناوئة للحركات الإسلامية, أنما جاء أيضا من نخب لها علاقات وطيدة مع الحركات الإسلامية, و تعد جزءا من مرجعيتها الفكرية, حيث كتب المفكر التونسي أبو يعرب المرزوقي في رسالة ضمنها استقالته من الحكومة التونسية التي تترأسها حركة النهضة يقول فيها ( أن هدف مصالحة الإسلام السياسي مع الديمقراطية الذي يؤمن فكريا أضحي له رهانا في طريق مسدود) و هذا يؤكد إن كل ما كتبه الشيخ راشد الغنوشي في قضية الحرية و الديمقراطية يصطدم بالواقع السياسي عندما يأتي التطبيق, حيث تحاول الحركات الإسلامية أن تسيس كل مؤسسات الدولة لخدمة التنظيم الإسلامي أي أن يتماهي التنظيم في الدولة, و  لا يعرف حدود كل منهما, و هذا قد حدث بالفعل في التجربة السودانية, و لاسيما كانت التجربة بمثابة تنبيه للقوي السياسية في البلاد التي قامت فيها الثورات العربية و وصلت الحركات الإسلامية للحكم, فالتجربة السودانية ما تحمله من إخفاقات و غياب الديمقراطية عنها جعلها عظة لغيرها, و في لقاء كانت قد أجرته جريدة السياسة الكويتية في 17 نوفمبر  2000مع الدكتور حسن مكي قال فيه ( أننا و من خلال نظام الإنقاذ تجاهلنا الحوار مع المثقفين السودانيين و أصبح الحكم يدار بلا مؤسسية و بلا شفافية و لذلك وقع في أخطاء كبيرة و تكلفة ذلك كانت خرافية) هذا القول من أحد القيادات في الحركة الإسلامية كان كفيل أن ينبه الحركة و تحاول أن تقيم تجربتها و تحاول أن تراجع مسيرتها و لكن الخلاف الذي حصل في جسم الحركة يبين أنها كانت خالية من الثقافة الديمقراطية و هنا نرجع لقول للدكتور راشد الغنوشي  في تعليقه علي ورقة بحثية للدكتور عبد الوهاب الأفندي بعنوان " ديمقراطيين بلا ديمقراطية" قدمت عام 2010 يقول ( الإسلاميون السودانيون هم جزء من مجتمع الحداثة هم نخبة حداثية نظرت للسودان علي أنه مجتمع مريض بالقبلية و الطائفية و الصوفية, و هؤلاء مثلهم مثل الشيوعيين ينظروا للمجتمع من عل, و بعد إن مارسوا الديمقراطية لمدة طويلة أصابهم اليأس من هذا المجتمع و خاصة بعد حصولهم علي الترتيب الثالث في آخر انتخابات و بالتالي قرروا أن يفرضوا عليه علاجات قدروا بأنها من مصلحته, صحيح أن الجيش السوداني أعطي بعض الرسائل الوصائية الخاطئة التي اعتمد عليها الإسلاميون للقيام بانقلابهم لأنه تدخل في السياسة, و لكن عندما تدخل هؤلاء كانت العقلية الموجهة لهم هي عقلية وصاية علي مجتمع مريض, إذن فكرة الوصاية هي فكرة تتناقض مع الديمقراطية) فالتجربة السودانية غبرت الديمقراطية, و عجزت عن معالجة القضايا السياسية, و حتى علي المحافظة علي حدود السودان التي ورثتها من النظم التي انقلبت عليها و نعتتها بالضعف و ظلت النزاعات تستوطن البلاد أكثر من عقدين كل هذه القضايا و تراكمات المشاكل لابد أن تثير حفيظة الآخرين و في ذلك يقول الدكتور غازي صلاح الدين القيادي في الحركة الإسلامية السودانية في مقابلة مع جريدة الصحافة ( لاشك إن تجربة الحركة الإسلامية في السودان ليست مثالية و لو كنت مكان إسلامي المنطقة لاتخذت من تجربتها العبر) و أيضا ليس بعيد عن الأذهان قول رئيس حزب السلفيين " الحرية" عندما قال هذه أخر انتخابات تجري في مصر, ألمر الذي جعل حديثه لا يبشر بأن الأوضاع السياسية في مصر سوف تذهب تجاه الاستقرار.
إن تجربة حكم الأخوان المسلمين في مصر " حزب العدالة و التنمية"  و تجربة النهضة في تونس, تجربتان لم تستطيعا إقناع القوي السياسية أنهما حريصتان علي النظام الديمقراطي و  التداول السلمي من خلال صناديق الاقتراع, حيث أنهما عجزتا أن تقدمان دستورا تتوافق عليه القوي السياسية, مما جعل الساحة السياسية تشهد حالة من الاستقطاب الحاد, و بدأت دعوات من قيادات القوي السياسية تطالب بتدخل القوات المسلحة لحسم الأمر, هذا يعني إن ديكتاتورية العسكريين أرحم من ديكتاتورية الحركات الإسلامية. و الشيء الأخر الذي يقلق إن الحركات الإسلامية عند وصولها للسلطة تحاول أن تجري عملية استقطاب داخل المؤسسات العسكرية, بهدف ممارسة القمع علي القوي السياسية و تهجينها, و هذا ما أشار إليه الدكتور ولد أباه في مبحث نشره في جريدة " الاتحاد " الأماراتية حيث قال ( إن تجارب الحكم الإسلامي الراهنة في طريقها إلي الانعزال و الانفصال مع باقي مكونات الحقل السياسي, مما ينعكس علي شرعيتها و قدرتها العملية في إدارة شؤون السلطة و يجعلها في علاقة استتباع متناهية للأجهزة العسكرية و الأمنية و القوي الدولية الحريصة علي رعايتها, و إن هذه العزلة سوف تشتد داخل الحقل الإسلامي نفسه الذي أصبح متنوعا مشتتا لا سبيل لاحتكاره في الوقت الذي ينمو خطاب إسلامي تجديدي رافض لخطاب الإسلام السياسي) و ما أشار إليه الدكتور ولد أباه هو خروج عدد كبير من المفكرين الإسلاميين من عباءة التنظيم, و نقدوا ممارساته إن كان في مصر من خلال نقد محمد سليم العوا و طارق البشري, أو حتى في السودان من خلال كتابات الدكتور الطيب زين العابدين و الدكتور التجاني عبد القادر و الدكتور عبد الوهاب الأفندي و غيرهم.
و عجزت النخب الإسلامية المنظمة في حركات الإسلام السياسي أن تقدم اجتهادات سياسية أو فقهية في قضية الدولة, و قضايا الحرية و الديمقراطية, و استبدلت الحركات الإسلامية الفكر بشعارات تتغير حسب المكان و الزمان و حسب الحدث, الهدف منها ليس خلق حوار فكري جاد ينمى الوعي الشعبي, أنما محاولة لتغييب الوعي الجماهير لكي تسهل عملية التعبئة و الحشد, و لكن قد فطنت القوي السياسية في كل من مصر و تونس لذلك, كما إن منظمات المجتمع المدني في تلك الدولتين في حالة من اليقظة و الترقب المستمر لخطاب حركات الإسلام السياسي, الأمر الذي جعل منظمات المجتمع المدني لا تغادر مواقعها إن كان في ميدان التحرير أو الشارع التونسي في محاولة للضغط علي الإسلاميين لتقديم تنازلات لمصلحة الديمقراطية و السلام و الاستقرار الاجتماعي, و يقول في ذلك الباحث إحسان طالب في بحث بعنوان " الإسلام السياسي و الانتقال من المعارضة للحكم" يقول في البحث ( سيكون من العسير في ظل عصر العولمة و ثورة الاتصال و الانفتاح القسرى للشعوب و الدول علي بعضها البعض و ارتباط المصالح الاقتصادية و التجارية و تقاطع المصالح السياسية يبدو من غير الممكن انفراد الحكام الإسلاميين الجدد بمفاتيح السلطة و إدارة النظام بحيث لن يتمكن حزب أو تيارا مهما نال من نسبة تأييد انتخابية عالية من الاستئثار بالقرار و الانفراد بالسلطة) و استخدم تكنولوجيا الاتصالات بصورة كبيرة في مصر و تونس, و الذي قاد للثورة يشكل تحدي حقيقي إذا حاولت حركات الإسلام السياسي التراجع عن التزاماتها السياسية تجاه النظام الديمقراطي, و لكن في ذات الوقت إن الثورات العربية قد جعلت بعض حركات الإسلام السياسي تعيد ترتيب أوراقها و تحالفاتها, و أن تكيف مرجعياتها لكي تلاءم الوضع الجديد في المنطقة, و أن تفارق كتابات سيد قطب و أبو أعلي المودودي, و الذين كانت كتاباتهم سببا في ظهور جماعة إسلامية متطرفة, و التي اتخذت من العنف وسيلة لتحقيق أهدافها, هذه الرؤية بدأت تتراجع و تضمحل بسبب الشعارات التي رفعتها الثورات العربية, و للتاريخ إن التراجعات التي حدثت لمصلحة الديمقراطية بدأت من خلال نخبة من الإسلاميين, و الذين عاشوا في الغرب و هضموا التجربة الديمقراطية, لذلك قدموا اجتهادات مقدرة, مثل الكتاب الذي أصدره راشد الغنوشي بعنوان " الديمقراطية و حقوق الإنسان في الإسلام" هذا التحول في بعض العقليات الإسلامية, كفيل في أن يخلق حوارا بين الإسلاميين و المجموعات السياسية الأخرى, و هذا ظهر في الدعوات المقدمة من قبل الإسلاميين في كل من مصر و تونس, لكن في الجانب الأخر و خاصة في السودان و إيران ينحصر تفكير النخب الإسلامية في كيفية الحفاظ علي السلطة, و عدم الميول نحو الدعوات الديمقراطية, هذا التعنت نفسه و الميل للكبت و محاصرة الحريات أيضا كما قال الغنوشي عانت منه بعض النخب الإسلامية, و التي بدأت تعيد قراءتها السياسية من جديد, و هي قراءات ليست بالضرورة أن تفارق المرجعية الإسلامية, و لكن تطوير عملية الاجتهادات و التأويلات التي تسمح بالحوار و العيش المشترك, و مشكلة الحركة الإسلامية هي شحيحة في أنتاج الفكر السياسي, و إن كان دعوات الإصلاح نفسها تعد تطورا يبشر بالخير.
كتب الباحث الفرنسي أوليفيه كتابا مشتركا مع الأكاديمية أمل بوبكر من أصل جزائرى, استعرضا فيه التطورات التي حدثت في حركات الإسلام السياسي و يقولان ( هناك نقلة نوعية حدثت في الفكر الإسلامي المعاصر و هي تسمي ما بعد الإسلاموية و هي المجموعات التي تقدم قراءة جديدة في تغيير العلاقات بين الإسلام و السياسة خلافا للحركات الإسلام السياسي التي تمسكت فقط بشكل مفرط في تسيس الدين, دون أن تقدم اجتهادات في الجوانب الأخرى, فهي رغم صعودها سياسيا و لكن قلة إنتاجها الفكري جعلها تتراجع) فحركات الإسلام السياسي أمام اختبار حقيقي في قضية الديمقراطية, فهل هي سوف تقبل بالتداول السلمي للسلطة, أو أنها سوف تجعل صناديق الانتخابات سلم تصعد به للسلطة ثم تنقلب علي النظام الديمقراطي.
في الجانب الأخر, إن تخوف القوي الليبرالية و القوي السياسية الأخرى من الحركة الإسلامية, في بعض المرات غير مبرر, باعتبار هناك قوي سياسية ليس لديها جماهير في الشارع السياسي, و هؤلاء يتخوفون من الحركة الإسلامية لأنها تمتلك جماهير في الشارع السياسي تؤهلها للصعود للسلطة, و في أسوأ الحالات التحالف مع قوي سياسية أخرى, و إن كان تخوف القوي السياسية و وجودها في الشارع و تنظيم المظاهرات المستمر يشكل حالة سلبية و إيجابية في نفس الوقت, سلبي أنه يهدد النظام الديمقراطي بعدم الاستقرار و عدم جعل السلطة الجديدة تتفرغ إلي مهامها في التنمية و حلول مشاكل الشعب, و أيضا يهدد الأمن. و الجانب الإيجابي أن يؤكدو و خاصة لجماعات الإسلام السياسية, أن الجماهير يقظة لحماية مصالحها و حماية النظام الديمقراطي, و عدم جعل تنظيمها يتماهي في الدولة, و تقديم تشريعات تحاول أن تقيد بها الحريات و الديمقراطية, و تجديد الفكر الذي حدث في بعض حركات الإسلام السياسي لمصلحة الديمقراطية, جاء نتيجة لوجود الجماهير في الشارع, و الحفاظ علي حقوقهم الديمقراطية, فهي معادلة صعبة, و لكن حلها بيد الحركات الإسلامية في تقديم من الفكر و الممارسات, ما يؤكد أنها بالفعل جانحة ناحية الديمقراطية و تعمل علي المحافظة عليها.
أما في السودان إن الحركة الإسلامية, رغم حالة الصراع داخلها, و لكن أغلبية القيادات غير مؤمنة بالتعددية الديمقراطية, فهي تريد نظاما ديمقراطيا صوريا, يكون الحزب الحاكم هو الحزب القائد, و للأسف شح تقديم أطروحات فكرية من قبل النخب الإسلامية السودانية, و جهادها من أجل الحفاظ علي السلطة كما هي عليه, يؤثر سلبا علي الحركات الإسلامية الأخرى في المنطقة, و في الختام نقول أنه تحدي حقيقي وضع حركات الإسلام السياسي في تحديات تجبرها علي مراجعة أطروحاتها الفكرية, و تعديل ممارساتها لمصلحة الديمقراطية, و نسأل الله التوفيق.   

zainsalih abdelrahman [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]