في زمن النضال الاريتري من أجل التحرر, كانت هناك مواقف متباينة للقوي السياسية السودانية من الثورة الاريترية, و أيضا كانت هناك مواقف عربية متباينة تجاه التنظيمات و الحركات الاريترية, فكانت علاقة حركة التحرير الاريترية قريبة من بعض الدول العربية و خاصة العراق و سوريا و مصر بدرجات متفاوتة, و أيضا كانت قوات التحرير الاريترية المنشقة من الأولي بقيادة عثمان صالح سبي لها علاقاتها المميزة مع كل من العراق و سوريا و بعض دول الخليج و ليبيا, و في السودان تباينت مواقف القوي السياسية الاريترية خاصة بعد تكوين الجبهة الشعبية لتحرير اريتريا, و القوي الرئيسية السودانية كانت تتمثل في حزب الأمة الذي كان يؤمن بعدالة القضية الاريترية و لكنه لم يتخذ موقفا واضحا يؤكد من خلاله موقفه بصورة قاطعة, حيث كانت ترتبط قيادات حزب الأمة و بيت المهدي علاقة بنظام الإمبراطور " هيلا سولاسي " و لم يختلف الحزب الاتحادي الديمقراطي كثيرا عن غريمه حزب الأمة و إن كانت القيادات الاتحادية ذات الملامح القومية لا تخف مواقفها المؤيد للثورة الاريترية و الداعمة لها, كان الحزب الشيوعي مؤيدا لنضال الشعب الاريتري و لكن اختلفت رؤاه بعد قيام انقلاب الجيش علي الإمبراطور و صعود قوي قدمت برنامجا اشتراكيا حيث مال الحزب الشيوعي للحلول التي طرحت من قبل القوي الجديدة في إثيوبيا, و كان يعتقد إن حل المشكلة الاريترية هي جزء من حل مشاكل دولة أثيوبيا في ظل التحول الاشتراكي, لذلك كانت علاقاته ضعيفة بالحركات الاريترية, و خاصة الجبهة الشعبية. أما الحركة الإسلامية متمثلة في جبهة الميثاق, و التي تحولت إلي الاتجاه الإسلامي, ثم الجبهة الإسلامية القومية, كانت لها علاقات واضحة و مؤيدة و داعمة للجبهة الشعبية, و كانت تنظيمات الطلاب و الشباب التابعين للاتجاه الإسلامية في زيارات مستمرة لمقاتلين الجبهة الشعبية, و كان أخرها الزيارة التي مات فيها " عجول رئيس المجلس الأربعيني لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم في حادث حركة" و ظلت هذه العلاقة متواصلة حتى تحرير اريتريا.
كانت قيادات الاتجاه الإسلامي تعتقد إن حل المشكلة السودانية, و خنق التمرد في السودان, لا يتم إلا إذا ضعف الدعم الذي تقدمه الدولة الإثيوبية, و هذه لا يمكن بلوغه إلا إذا تفجر الوضع داخل إثيوبيا نفسها, و تمت محاصرتها, لذلك كانت الحركة الإسلامية تدعم الحركة الشعبية, و كانت تعتقد هي أقوي الحركات الاريترية التي لم تعاني من مرض الانشقاقات و تمرد قياداتها, كما كان لها وجود حقيقي في الميدان, فشعور إثيوبيا إن خطر الحركات المسلحة الداخلية يهدد وحدة إثيوبيا يجعلها هي التي تبادر بطرح الحلول لقضية التمرد في السودان و تجبر المتمردين للحوار, و في نفس الوقت هي التي تطلب من المنظمات الكنسية وقف دعمهم للتمرد في السودان, هذه القناعة عند القيادات في الحركة الإسلامية السودانية و خاصة عند شيخها الدكتور حسن الترابي, مدرك عند قيادة الحركة الشعبية, فبعد تحرير إثيوبيا من خلال زحف الحركة الشعبية لتحرير شعوب إثيوبيا بقيادة ملس زناوي و الذي تم دعمه من قبل الحركة الإسلامية السودانية متمثل في " نظام الإنقاذ" كان الحوار حول الموافقة علي منح اريتريا استقلالها, و بعد التحرير, و تكوين ما يسمي " مؤتمر الشعب العربي الإسلامي" و تردد بعض قيادات الحركة الإسلامية الاريترية للخرطوم, ثم بدأت الحركة الإسلامية الاريترية تشن بعض عملياتها ضد النظام في اريتريا, جعل الخوف يتملك الرئيس الاريتري أسياس أفورقي إن النظام في الخرطوم سوف يدعم الحركة الإسلامية و لا يتردد في إسقاط النظام.
في هذا الأثناء, بدأت بعض قيادات المعارضة تقدم نفسها للقيادة الاريترية, و تطالبها أن تقدم لها الأرض و الدعم لكي تنطلق لتغيير النظام في الخرطوم, كانت هناك ثلاثة قوي قدمت طلباتها كان أولهم حزب الأمة في شخص مبارك المهدي, و ثانيا منظمة العمل الاشتراكي و حزب المؤتمر و أخيرا مجموعة من العسكريين السودانيين بعض منهم له علاقة بالقيادة الشرعية التي كانت جزء من التجمع الوطني الديمقراطي و أخرى ليس لها أية علاقة معهم, إلي جانب اتصالات الحركة الشعبية لتحرير السودان و جاءت موافقة النظام الاريتري بعض ضوء أخضر من الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس بيل كلينتون, لذلك عقد أول اجتماع للمعارضة السودانية في اسمرا كبداية لانطلاق المعارضة في عام 1994 و سمي اجتماع القوي الرئيسية, و هي ( الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الدكتور جون قرنق, و الحزب الاتحادي الديمقراطي بقيادة محمد عثمان الميرغني, و حزب الأمة بقيادة الصادق المهدي, و قوات التحالف السودانية بقيادة عبد العزيز خالد التي تظهر للوجود لأول مرة ) الواضح كان غياب القيادة الشرعية, و الحزب الشيوعي السوداني, و هي كانت بمثابة تذكير من قيادة الجبهة الشعبية للحزب الشيوعي السوداني بمواقفه السابقة من حركة النضال الاريتري, ثم جاء بعد ذلك جبهة الشرق و في ذلك الأثناء كان بمثابة صناعة اريترية خالصة, كانت اريتريا تحاول أن يكون لها دور في حركة المعارضة السودانية, كانت تعتقد القيادة الاريترية كما قلت سابقا أنها تريد حماية نظامها السياسي من نظام الإنقاذ, الذي تقوده الحركة الإسلامية, و من خلال وضع سياج واقي من القوات السودانية و هي تبقي خط الدفاع الأول, و عندما عجزت التنظيمات السودانية في استقطاب مجموعات كبيرة من المقاتلين, طلبت القيادة السياسية في اريتريا من الحركة الشعبية أن ترسل مقاتلين من الحركة لجبهة الشرق و بالفعل أرسلت الحركة الشعبية ثلاثة ألاف مقاتل للشرق بقيادة باقان أموم الذي أصبح منسقا لكل قوات التجمع الوطني الديمقراطي في المنطقة و فيما بعد أصبح الأمين العام للتجمع.
عقد اجتماع اسمرا للقضايا المصيرية عام 1995, و أصبح للتجمع برنامجا سياسيا و قوات مسلحة, مع دعم قوي من دولة اريتريا خاصة بعد اجتماع وزير الخارجية الأمريكية في ذلك الوقت مادلين اولبرايت, مع بعض قيادات المعارضة وزعماء بعض الدول التي تحيط بالسودان في كمبالا, و طلبت منهم العمل من أجل النضال عبر المعارضة السودانية لإسقاط النظام, و إن الولايات المتحدة سوف تدعمه بالمال, و حددت كبداية 20 مليون دولار أمريكي, كان النظام في اريتريا مطمئنا أنه قد تحوط لكل شيء, و إن الولايات المتحدة تقف إلي جانبهم بهدف إسقاط نظام الخرطوم, كان النظام في اريتريا مؤمن تماما إن نظام الخرطوم له علاقات وطيدة مع الحركة الإسلامية الاريترية, و يستطيع تحريكها في أية وقت, وان يقدم لها الأرض و كل احتياجات النضال من أجل إسقاط النظام, و أيضا ما جعل الرعب يمتلك قلوب قيادات النظام في اريتريا, المحاولة الفاشلة لاغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا, و التي متهم بتخطيطها الدكتور نافع علي نافع, عندما كان مدير لجهاز الأمن و المخابرات السوداني, رغم موقف النظام المؤيد للمعارضة السودانية, كان أغلبية الشعب الاريتري ضد وجود المعارضة السودانية علي أراضيها, و كانوا يعتقدون إن وجدود معارضة مسلحة قد أضر بمصالحهم في التبادل التجاري مع الولايات السودانية التي تقع علي الحدود الاريترية, و عندما جاء عمر البشير في زيارة إلي اسمرا خرجت الجماهير الاريترية مؤيدة هذه الزيارة, ليس حبا في النظام في السودان و لكنها كانت تنظر لها لعودة مصالحهم الذاتية و انتعاش تجارة الحدود التي تعطلت بفعل العمليات العسكرية.
كل هذه المقدمة الطويلة جدا, بهدف معرفة العلاقة التي كانت تربط الجبهة الشعبية في اريتريا بالحركة الإسلامية السودانية, و تطورات و تقلبات هذه العلاقة من قبل استقلال اريتريا حتى الآن, فعندما سمع الرئيس اسياسي مقترحات أمير قطر الشيخ حمد, تداعي له شريط تلك العلاقة و أيضا علاقة قطر بالسودان و ثورات الربيع العربي و دور قطر فيها, و ربما ينتقل ذلك لمنطقة القرن الأفريقي, لذلك كان لابد أن يلتقي بالرئيس البشير. قال احد المقربين من القصر عندما اتصل الرئيس البشير بالرئيس الاريتري لكي يطمئن عليه و يعرف أبعاد المحاولة الانقلابية قال الرئيس الاريتري إن المسألة تحتاج إلي لقاء عاجل و أنه لا يستطيع أن يترك اريتريا في هذا الظرف التاريخي الذي تمر به و أنهم لم يستطيعوا أن يحددوا أبعاد المحاولة و كل الذين شاركوا فيها, كان الرئيس الاريتري يبحث عن كلمات تطمئنه من الجانب السوداني, و أنهم لن يسمحوا باستخدام أراضيهم لأية جهة اريترية سياسية, هذا الاضطراب الذي كان بادي في حديث الاريتري, جعل الرئيس البشير يبادر أن يقول أنهم سوف يأتوا إلي اريتريا للسماع منه.
قرر الرئيس البشير السفر بعجلة إلي اريتريا, و تشكيل الوفد الأمني هو يوضح طبيعة الزيارة, حيث كان الوفد يتكون إلي جانب رئيس الجمهورية, من وزير شؤون الرئاسة و وزير الدفاع و رئيس جهاز الأمن المخابرات, و في اللقاء شرح الرئيس الاريتري طبيعة العملية الانقلابية و العناصر المشاركة فيها, و أنهم جميع الآن في قبضة الأمن الاريتري, و هناك أيضا قيادات سياسية, و بعض القيادات في الجبهة الشعبية الحاكمة في اريتريا, ثم عرج الرئيس لحديث الشيخ حمد و المقترحات التي قدمها حول وجوب تحول سياسي يحدث في اريتريا, و يسمح بمشاركة العناصر الإسلامية البعيدة عن الحكم, و المحظور نشاطها السياسي في اسمرا, و إن عملية التحول الديمقراطي سوف تجعل الرئيس اسياس جزء من العملية السياسية, و قد نفي الوفد السوداني علمه بحديث الشيخ حمد, كما إن السودان لن يسمح باستخدام أراضيه لأية قوي سياسية اريترية, و ربما يكون الشيخ حمد قدم مقترحاته بهدف الحفاظ علي الحكم في اريتريا, و لكنه يريد أن يوصل الرسالة نتيجة للضغوط المستمرة التي يجدها من الحركة الإسلامية الاريترية,  و ممارسة ضغطهم من خلال حركات إسلامية أخري في المنطقة.
علق أحد السياسيين السودانيين المحسوبين علي الحركة الإسلامية, أن النظام في الخرطوم ليس لديه أية مساحة في ظل التحديات التي يوجهها أن يلعب دورا خارج حدوده, و إن المعارضة الاريترية في السودان محظور نشاطها السياسي, و فتح أية منافذ للقضايا الإقليمية ليست في مصلحة النظام حاليا, كما إن الضعف الذي يواجهه نظام الرئيس أسياس بعد فقده لنظام الرئيس الليبي القذافي و ضعف علاقته مع قطر, و التحولات التي حدثت في العراق, و مشاكل سوريا أصبح محاصرا, إلا إذا استطاعت بعض الشركات الصينية و الاسترالية التي تنقب في البترول في اريتريا أن تجد مخزونا تجاريا سوف يغير المعادلة السياسية في المنطقة, فالنظام الاريتري اهتمامه جله كيفية المحافظة علي نفسه, هذا الوضع في مصلحة نظام الإنقاذ, في جانب أخر تعتقد بعض العناصر الأمنية في السودان أنهم لا يريدون ممارسة أية ضغوط علي اريتريا, باعتبار إن ذلك يدفع النظام الاريتري في تنفيذ سياسة " علي و علي أعدائي" أي أنه يتعاون مع دولة جنوب السودان, لتشكيل ضغط علي الخرطوم, و من هنا أيضا يأتي التوجس الأمني في الخرطوم, و الرئيس الاريتري مستوعب لخياراته, و يعتقد إن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تمارس عليه الضغوط, بهدف محاصرته حتى لا يؤثر سلبيا علي النظام في أديس أبابا, الذي ينفذ بعض الأجندة الأمريكية في المنطقة.
بحكم علاقة الشد و الجذب بين العاصمتين الخرطوم و اسمرا, يمكن أن تلعب الخرطوم دورا في تقريب وجهات النظر بين النظام الحاكم و القوي المعارضة في اريتريا, لوصول الطرفين إلي مائدة المفاوضات, رغم إن المعارضة الاريترية منقسمة علي نفسها, يشكل الإسلاميين القوي المنظمة فيها و أيضا هناك تحالف المعارضة الاريترية و هي قوي مؤثرة خارجيا, و لكن ليس لديها وجود فاعل في الداخل, و هناك المجموعات التي انشقت من الجبهة الشعبية و هي مجموعات بدأت تلملم أطرافها في دول أوروبا و الولايات المتحدة و كندا و استراليا و لها وجود فاعل و اتصالات مع بعض صناع القرار في الدول الغربية و الولايات المتحدة, و لكن تخوف الولايات المتحدة في إن أية تغيير في اسمرا سوف يغير موازين القوة و سوف يكون في مصلحة الحركة الإسلامية, و إن التغيير في منطقة القرن الإفريقي لمصلحة الحركة الإسلامية, سوف يؤثر علي موازين القوى في المنطقة الإقليمية, و ليس في مصلحة الولايات المتحدة, و يأتي تخوف الولايات المتحدة من تمدد الصيني في المنطقة كل هذه المعادلات السياسية تؤثر في عملية التغيير السياسي في اسمرا.
لكن يظل هناك سؤلا مهما هل يقبل النظام في اريتريا بالحوار السياسي مع القوي السياسية الأخر بهدف عملية التحول الديمقراطي و مشاركة الجميع؟ و ما هو موقف السودان في ذلك؟
اعتقد إن النظام في السودان لا يقف مع أية تحول ديمقراطي في المنطقة, لأنه هو نفسه ليس لدي قياداته قناعة بعملية التحول الديمقراطي, كما إن احتضان اريتريا للمعارضة السودانية فترة من الزمن و شعارات المعارضة السودانية لمطالبة بالتحول الديمقراطي خلقت العديد من التساؤلات حول التحول الديمقراطي في بلدهم, و نشر وعي سياسي قاد لحالات من التمرد داخل الحزب الحاكم, أنا  مقتنع إن المعارضة الاريترية لا ترفض أية حوار سياسي يقود إلي تغيير حقيقي في اريتريا لمصلحة الديمقراطية, و هؤلاء ليس تجار حرب و لكنهم سياسيين يريدون المشاركة في تطوير و تنمية بلادهم و لكن علي أسس ديمقراطية يحكمها دستور و ليس أهواء الأفراد, و حديثي مع عدد كبير من القيادات الاريترية يؤكدون أنهم عندما حملوا البندقية لتحريرها بهدف وطن يحققوا فيه أحلامهم و يشيدونه بسواعدهم و ليس وطن تحكمه قلة و تعتقد أنهم هم الذين يملكون الحقيقة و يفكرون نيابة عن الآخرين, و الكرة الآن في ملعب النظام في اسمرا أن يقدم مبادرته الوطنية من أجل الحوار.
تعقيب
في ختام المقالات, شكري و تقديري لكل الذين عقبوا عليها, و كل الذين قدموا رأيهم إن كان سلبا أو إيجابا, و أخص بالشكر الذين يعتقدون أنني مدفوع من قبل نظام الرئيس أسياسي, و أيضا من الأخوة في المعارضة الاريترية الذين كتبوا أو اتصلوا استفسارا أو تصحيح معلومات, و أيضا البعض الذين وافقوا علي أية حوار يجري يهدف للتحول الديمقراطي, و أيضا الذين طلبوا مني أن أطالب بإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين في السجون الاريترية, و هي الخطوة التي يجب أن يقدم عليها النظام السياسي في اسمرا إذا كان فعلا يؤمن بعملية الحوار السياسي كبداية لمسيرة تاريخية جديدة, فاعتقد أية ميل لعمل عسكري سوف يجهض مساعي الحوار كما إن الظرف الاريتري يختلف عن الظروف الأخرى في المنطقة, و ختاما كل التقدير للجميع, و المقالات كانت رمي حجر في بركة راكدة, و قد أدت مفعولا نتائجه في كميات الرسائل التي وصلتني عبر بريدي الالكتروني من مناطق مختلفة في العالم و كل محبتي وتقديري للشعب الاريتري في أن يستطيع أن يبني دولة التنمية و الرفاهية و الله الموفق.


zainsalih abdelrahman [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]