لقد أطلعت علي اللقاء الذي أجرته جريدة الشرق الأوسط مع السيد محمد عثمان الميرغني رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل, و نشرته يوم الأثنين 14 يناير جريدة المجهر. و الحوار تعرض لبعض القضايا الجوهرية, المتعلقة بدور الحزب في العمل العام, إن كان من حيث تحالفه مع حزب المؤتمر الوطني و مشاركته في الحكومة العريضة, أو من حيث موقفه من قوي المعارضة, إضافة لبعض القضايا المتعلقة بشؤون الحزب مثل المؤتمر العام للحزب الذي توالت ـاجيلاته و غيرها من القضايا, هناك قضايا متعلقة بالأزمة السياسية التي تمر بالبلاد و دور الحزب, و أخرى متعلقة بتصورات القيادة نفسها للعمل السياسي, و هي قضايا تتعلق بالاطروحات الفكرية و البرنامج السياسي للحزب, و إن كان السيد الميرغني تحاش أن يخوض في تلك القضايا لأنها سوف تفتح بابا للنقد من قبل النخب الاتحادية, الأمر الذي يتجنه السيد الميرغني دائما رغم شعارات الديمقراطية التي يرفعها, و حتى لا ننجرف لقضايا بعيدا عن الموضوع نحصر المبحث فقط في الأطروحات التي تعرض إليها السيد الميرغني في اللقاء الصحفي.
يقول السيد الميرغني ردا علي سؤال حول نظرته إلي السودان بعد 57 عاما من الاستقلال ( تقلص السودان مساحة, و نقص سكانا بعد انفصال الجنوب, و اصبحت المهددات تطوقه خاصة في جنوب كردفان و النيل الأزرق و غيرها و يواجه الأن أزمة اقتصادية خانقة, لذلك و استنادا لمسؤوليتنا التاريخية لن يهدأ لنا بال أبدا حتى نعمل جادين للحفاظ علي وحدة و سلامة الوطن و ابنائه, و ذلك بتوحيد الإرادة و تفجير الطاقات و تحقيق النهضة و العودة بالسودان إلي موقعه الطليعي إقليميا و دوليا دون وصاية من أحد) هذا حديث في مدلولاته السياسية طيب, و لكنه يميل إلي الإنشا و يفتقد إلي شيئين, الأول غياب البرنامج السياسي الذي يقنع جماهير الحزب أولا و الحليف في الحكومة العريضة ثانيا بأن للحزب برنامج جدير بالتطبيق, و حقيقة إن الحزب غائب تماما في الواقع السياسي, ثانيا تنقص قيادة الحزب الإرادة الفاعلة التي تسعي إلي اقناع الحزب الحاكم ببرنامجها و إقناع المعارضة بالبرنامج من جانب أخري و دفعهم للحوار حول أطروحة الحزب, و غياب الحزب في خلق المبادرات الوطنية و تقديم أطروحات للحوار لجذب السلطة و المعارضة لطاولة الحوار, سببه تركيز السلطة في يد رئيس الحزب و الاعتماد علي قيادات يغلب عليها الجانب التنفيذي دون الفكر, و الاعتماد علي عناصر تبحث عن المصالح الخاصة من اهتمامها بالقضايا الوطنية, الأمر الذي جعل الحزب علي هامش العمل السياسي.
و المتابع لدور الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل فقط بعد المشاركة في الحكومة العريضة, يجد أن الحزب يشكل غيابا في الكثير من القضايا و الأحداث, و ذلك يعود إلي أن القيادة تريد أن ترضي الطرفين السلطة و المعارضة في وقت واحد, دون أن يقدم الحزب الأصل أطروحته السياسية التي تجعلها محورا للحوار, و في ذات الوقت تميز الحزب في الساحة السياسية, فالسيد الميرغني لا يريد أن يكون معارضا لكي يعزز من دور المعارضة و يضغط في اتجاه التحولات الديمقراطية, و لا يريد أن يتحمل مسؤولية المشاركة في الحكومة بفاعلية حيث يكون فاعلا في السلطة, بالقدر الذي يمكنه في تغيير أطروحات السلطة, لتميل نحو الوسيطة و الحوار الوطني بأفق أوسع مما هو عند قيادات المؤتمر الوطني, فحديث السيد الميرغني حول عملية تفجير الطاقات و تحقيق النهضة و العودة بالسودان إلي موقعه الطبيعي, هو حديث يدحضه الواقع من جانب و تواضع القدرات السياسية التي قدمها الحزب للمشاركة, وأيضا إن الحزب لا يملك حتى برنامجا سياسيا لتحقيق ذلك أنما هي كلمات و أحاديث تقال فقط في المناسبات لإثبات الوجود غير الفاعل.
و حول المشاركة في الحكومة ذات "القاعدة العريضة" كما تسميها قيادات المؤتمر الوطني يقول السيد الميرغني ( القرار أملته الاعتبارات الوطنية في الدرجة الأولي لأن السودان يواجه مخاطر و مهددات جمة تقتضي التكاتف من القوي الوطنية كافة لمواجهتها و التصدي لها و هي بالنسبة للحزب الاتحادي الديمقراطي يعتبرها مسؤولية تاريخية تقتضي الموقف الصائب) أولا إن تكرار التبرير لعملية المشاركة, تعني إن هناك إشكالية تواجه قيادة الحزب من داخل أروقة الحزب, و بالتالي يستدعي تكرارها رغم إن المشاركة دخلت عامها الثاني, ثانيا إن قيادة الحزب غائبة تماما عن الساحة السياسية, رغم ما تتحدث عنه من إن السودان يواجه مخاطر جمة, فهل المشاركة هي فقط أسميا, أم يحكمها برنامج سياسي لمواجهة تلك المخاطر, و ما هو تصور السيد الميرغني لمواجهة تلك المخاطر و كيف اقناع المعارضة أن تلتحم معه لكي تتم هذه المواجهة؟ هذا برنامج لا يملكه السيد الميرغني, مما جعل الحزب الحاكم يواجه المخاطر ببرنامجه و ليس برنامجا تحالفيا, فالمسؤولية التاريخية كانت تقتض أن يقدم الحزب الاتحادي مشروعا سياسيا لحل و مواجهة تلك التحديات, أو أن يستثمر علاقاته مع أحزاب المعارضة في الوصول إلي حوار حول القضايا اتلمختلف عليها, و لكن تاريخ الحزب نفسه و استدعاه لحل مشاكل الحاضر لا يزعفه في تبرئة ذاته إذا لم تكن لديه رؤية سياسية للحل و تقديمها لجماهيره أولا, و من ثم للقوي السياسية ثانيا, لكي تصبح أجندة للحوار الوطني, و إن كان قيادة الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل بصورتها الحالية و منهجها الذي تدير به شؤون الحزب, سوف يجعل الحزب دائما ينفذ أجندة القوي السياسية الأخري, و للتاريخ, إن الحزب الاتحادي الديمقراطي بسبب خضوعه الكامل زمن التجمع الوطني الديمقراطي للحركة الشعبية و عدم نقده لسياستها كان سببا لفشل التجمع, و استطاعت الحركة أن تستغل التجمع في تحقيق مقاصدها. و الآن أيضا إن الحزب الاتحادي سلم زمام أمره للمؤتمر الوطني, مما جعله غائبا عن الساحة السياسية و لا يظهر إلا عبر المناسبات في لقاءات صحفية معدة و مرتبة تفتقد لحرارة الأسئلة  و الحوار.
حول سؤال ما هو المطلوب بعد عام كامل من المشاركة في الحكم؟ يقول السيد الميرغني ردا علي ذلك ( ضرورة التعجيل بتطبيق البرنامج الوطني المتفق عليه و اسبقياته و إعداد الدستور الجديد للمرحلة المقبلة) يعترف السيد الميرغني في رده أنه طوال عام كامل في الحكم كان ينفذ برنامج المؤتمر الوطني, و ليس البرنامج المتفق عليه مع الحزب الحاكم, و لا اعتقد أن الحزب الاتحادي يمتلك أداة للضغط لكي يجعل المؤتمر الوطني يطبق البرنامج المتفق عليه, مادام قيادة الحزب الاتحادي قد وافقت عاما كاملا أن تنفذ برنامجا أخر, و أيضا إن غياب الدور الفاعل للحزب أيضا لا يؤهله في تقديم رؤية بديلة لما هو حادث الآن, لقد أكتشفت السلطة الحاكمة قدرات القيادات التي قدمها الحزب, و أيضا غياب الرؤية السياسية عند تلك القيادات, فهي ليس لديها أية سبيل غير أن تستمر في هذه المشاركة بالصورة التي بدأت بها, و من المعلوم قبل المشاركة إن السيد الميرغني قد وعد الشعب السوداني في أن يسهم في حل مشكلة دارفور, و أيضا في حل المشاكل بين السودان ودولة جنوب السودان, فماذا فعل السيد الميرغني غير الوعود في اللقاءات الصحفية, و الترحال من ستراحته في جدة إلي القاهرة مرورا بلندن ثم العودة للسودان دون أن يفتح أية حوار مع الحركات التي تحمل السلاح و اقناعها للعودة إلي طاولة المفاوضات أو اقناع الحكومة و الحركة الشعبية قطاع الشمال أن تجنح للحل السلمي, و ايضا عجز في اقناع الحكومة أن تقتنع إن التحول من دولة الحزب إلي الدولة التعددية هو في مصلحة السلام و الاستقرار الاجتماعي في البلاد, فالغياب ليس غياب للبرنامج المتفق عليه أنما غياب الفكرة عند قيادة الاتحادي الأصل.
و في إجابته علي سؤال هل أقتنع " المؤتمر الوطني" بمشاركة القوي الأخرى لمعالجة قضايا الوطن الرئيسية؟ قال السيد إجابة علي السؤال ( المشاركة من القوي كافة للتصدي للأزمات و المشاكل الماثلة, هذه قناعتنا التامة و الثابتة, و تشكيل مبادئ راسخة غير قابلة للمزايدة. و نعتقد أن المؤتمر الوطني يتجه بجدية نحو ذات الهدف و دعوة الرئيس عمر البشير للقوى و الفئات و الأحزاب و المنظمات كافة و حتى الفصائل المسلحة للمشاركة في الحوار و إعداد الدستور الجديد للسودان تعكس هذا المضمون) الإجابة تجافي الواقع, و دلالة علي ذلك, إن المؤتمر الوطني لا يشرك في كل محادثاته التي يجريها مع المعارضين حملة السلاح أو حتى مع دولة جنوب السودان لأية قوي سياسية و لم يشرك معه فيها حتى حلفائه, و يعتمد دائما علي عناصره التي يثق فيها, أما قضية الدعوة للحوار حول الدستور أطلقها السيد رئيس الجمهورية في أول خطاب له في البرلمان عقب انفصال الجنوب, و لكنها دعوة تراوح مكانها ثم جاءت دعوات بعدها و عقب كل دعوة يكون هناك حدثا يجعل السيد رئيس الجمهورية يذهب بخطابه اتجاها أخر يقلل من فرص قيام الحوار, الأمر الذي يؤكد إن قضية الحوار ليست مبدئية في فكر المؤتمر الوطني أنما هي مناورة يكسب بها الوقت, و ايضا إن السيد الميرغني يحاول أن يقنعنا إن هناك اتجاه لمشاركة القوي السياسية رغم أن الحزب الاتحادي الديمقراطي نفسه يشكو من التهميش.
حول التغييرات القادمة في السودان قال السيد الميرغني ( التغيير سمة من سمات الحياة علي المستويات كافة, و إذا كان المقصد التغيير السياسي فهو حتمي و ضروري فهذه طبيعة و من المهم إعمال الحكمة و التروي و الإيجابية ليكون التغيير وفق التطلعات المشروعة و الحيوية لأهل السودان و طبيعتهم و مزاجهم) باتت القيادات السياسية التاريخية و خاصة " الطائفية" و حتى الأحزاب التي تتبني الأيديولوجية عندما يتحدثون عن التغيير السياسي يحولونه مباشرة للسلطة, دون الحديث عن التغيير في أحزابهم, و التي من المفترض أن تكون هي الركائز الأساسية للعملية الديمقراطية, لكي تعطي الدفع و القوة و الثبات للنظم الديمقراطية, و السيد الميرغني يعتقد إن التغيير السياسي هو تغيير في السلطة, لذلك بدأ يتحدث عن الحكمة و التروي, و لكنه استبعد التغيير داخل المؤسسات السياسية و الأحزاب, و الضعف الذي تعاني منه الأحزاب التقليدية و غيرها في المعارضة و في الحكومة, هو عدم تغيير القيادات التي بعض منها قد تحنط و أصبح يشكل عقبة كؤود لعملية التحديث و التطوير داخل تلك المؤسسات, و السيد الميرغني و كل انداده في الحقل السياسي قد نضب خيالهم و لا يستطيعون أن يقدموا أكثر مما قدموه, و ما هو  من فشل و عدم استقرار سياسي و عدم توافق و اتفاق نتيجة لاداءهم السياسي, كما أن التغيير الذي وصفه السيد الميرغني و يتطلب الحكمة و التروي و المشروعية هو أيضا يتطلب الحرية و الديمقراطية التي تفتقدها أحزابهم.
و حول الاستعدادات لانعقاد المؤتمر العام للحزب قال السيد الميرغني ( تجري الاستعدادات لانعقاد المؤتمرات القاعدية في كل مدن و مناطق السودان و بمشاركة فاعلة من الأعضاء كافة و بمسؤولية و وعي) إن التأجيل المستمر للمؤتمر يؤكد إن هناك خوفا من قبل القيادة من مجريات المؤتمر, خاصة بعد ما شهدت بعض المناطق تكوين لجان قاعدية موازية للجان التي تريدها القيادة, هذا الصراع القاعدي هو السبب المباشر في التأجيلات المستمرة للمؤتمر, و أيضا أن السيد الميرغني يصعد من أسرته للقيادة ما يشاء و هذا السلوك يتعارض تماما مع الإجراءات الديمقراطية, الأمر الذي لا يبشر بنعقاد المؤتمر العام, و بالفعل كما قال السيد الميرغني إن التغيير قادم لامحال و لكن ليس برؤية السيد الميرغني, أنما بالرؤية التي تحددها القاعدة وفي الختام كل الاحترام لسيادته و نسال الله التوفيق.   

zainsalih abdelrahman [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]