قبل البدء في الدخول في المبحث, أكد أن المقال الذي كتبته بعنوان " الرئيس البشير و المعارضة و الرقص علي حافة الهاوية" كتب قبل كلمة السيد رئيس الجمهورية, في اجتماعه مع ممثلي الأحزاب السياسية و منظمات المجتمع المدني, و قد استمعت لكلمة الرئيس و ممثلي القوي السياسية, و  رغم أن الدكتور الحاج يوسف أدم نائب رئيس الجمهورية قد لفت نظر المتحدثين في رد تحية الرئيس بأحسن منها, ثم يركزوا حديثهم في المسائل الإجرائية, إلا إن الأغلبية قد تباروا في كلماتهم برد التحية, و نسوا في ذلك القضايا الإجرائية و رؤيتهم حول الدستور, و ربما يكونوا قد فهموا إشارة نائب رئيس الجمهورية, و لذلك ذهبوا في اتجاه رد التحية بأفضل منها.
و كنت أمل أن تكون البداية خلافا للتي حدثت, في دعوة السيد رئيس الجمهورية للقوي السياسية للحوار في كيفية صناعة الدستور, و لاسيما إن الثقة مفقودة بين السلطة و المعارضة, و كان من المفترض أن يتم البحث أولا في كيفية بناء جسور للثقة, و قبل الدعوة للنفاكر حول الدستور, أن يتم حوار سياسي بين القوي السياسية للوصول لبرنامج سياسي وطني,  يوقف النزاعات و الحروب في البلاد, و يمهد لبيئة صالحة للحوار بين المجموعات السياسية المختلفة, و  التي كان قد تحدث عنها الرئيس في كلمته, للحوار حول صناعة الدستور, و لكنها لم تحدث حيث قدمت الدعوة في أجواء ملبدة بالقيوم و أزمة ثقة تمتد لأكثر من عقدين.
و في كلمة الرئيس البشير التي ألقاها في اجتماع القوي السياسية في بيت الضيافة, حيث دعا القوي السياسية و حاملي السلاح و منظمات المجتمع المدني للمشاركة في صناعة الدستور و قال ( أن الحوار بشأن الدستور لن يستثني أحدا بل يمتد ليشمل المعارضة و كل السودانيين في الداخل و الخارج و الجامعات لقيادة حوار جاد لتأسيس مستقبل واعد للبلاد ) و أضاف قائلا ( أدعوا حملة السلاح لوضع السلاح و الانضمام لمسيرة السلام و المشاركة الفاعلة في مشروع الدستور و مهما طال أمد الحرب لابد من الجلوس للحوار سويا لإنجاز دستور يحقن الدماء و يحقق قوة و منعة للبلاد) هذا حديث طيب, و لكن ينقصه العمل مربط أزمة الثقة, فالسيد الرئيس في أول خطاب له في البرلمان, بعد انفصال الجنوب, قال نفس الحديث, و أذكر أنني كنت قد كتبت ثلاثة مقالات في جريدة الأحداث, تعقيبا علي ذلك الخطاب, باعتبار إن الحديث, و اللغة, التي تحدث بها السيد الرئيس لغة جديدة, و يعد بداية طيبة, و يجب أن تأخذه المعارضة مأخذ الجد, و تتعامل معه بأفق واسع, و لكن قيادات المعارضة, قالت أنها لا تثق في حديث المناسبات, لأنه فقاد لأهم شيء الإرادة و القناعة بأبعاده, و ما هو إلا حديث لتطيب خواطر الناس بسبب الانفصال, و ناشدت المعارضة في تلك المقالات, أن تبدأ بداية جديدة, و لكن أتضح إن حديثها كان صحيحا. فالحديث الطيب يجب أن يتبع بالعمل, و هناك أزمة ثقة كبيرة بين المعارضة و الإنقاذ, فهل تستطيع قيادات الإنقاذ أن تبني جدران للثقة, حتى تحمل حديث الرئيس محمل الجد, أم أنه فعلا حديث مناسبات, حشد المؤتمر الوطني أحزاب التوالي لكي تأتي و ترد التحية بأحسن منها, حتى لا يستطيع المرء أن يميز بين خطاب المؤتمر الوطني, و ممثلي أحزاب التوالي, الذين جاءوا لكي يجددوا فروض الولاء و الطاعة, و يغتنموا جوائز البيعة.
إن البلاد التي تعاني من ويلات الحرب و النزاعات, قبل أن تقدم علي صناعة الدستور, عليها أن تصنع السلام بين أفراد الشعبو و هي ما تسمي بتهيئة البيئة المناسبة لصناعة الدستور, الذي أكده رئيس الجمهورية في خطابه عندما التزم  في كلمته بتهيئة البيئة الملائمة لإعداد الدستور, و أوضح مهما تباينت الرؤى السياسية للأحزاب, و منظمات المجتمع المدني, فإن الجميع يتقاسمون الهم الوطني. فقبل الشروع في إجراءات الدستو, كان يجب أن تكون هناك دعوة من أجل المساهمة في وقف الحروب الدائرة في أقاليم السودان, و مشاركة كل الحركات و القوي السياسية التي تحمل السلاح, و لكن جاءت دعوة الدستور قبل ذلك, مما يؤكد إن المؤتمر الوطني لم يبدأ البداية الصحيحة.
كان من الأفضل قبل تقديم الدعوة, علي القوي السياسية و منظمات المجتمع المدني للتفاكر حول صناعة الدستور. كنت اعتقد إن السيد رئيس الجمهورية يدعو القوي السياسية للحوار حول القضايا السياسية المختلف عليها, و حول الحروب في المناطق المختلفة, إذا كان فعلا يعني ما يقوله " إن الجميع يتقاسمون الهم الوطني" و كيف يتقاسم الناس الهم الوطني, و يرفض المؤتمر الوطني مشاركة القوي السياسية في القضايا المصيرية, رفض " مشاركتها في نيفاشا و رفض مشاركتها في الدوحة و غيرها" و كلها كانت وبالا علي السودان, مما أدت إلي فقدان الثقة. و حتى الحروب الدائرة في السودان, كان سببها السيد الرئيس شخصيا, و الذي كان قد طلب من المعارضة إذا أرادت السلطة أن تحمل السلاح, ثم الغي اتفاق أديس أبابا, استجابة لمنبر السلام, مما زادت الحروب اشتعالا, و بالتالي هو مطالب أن يحدث شخصيا اختراقا في تلك القضايا, لكي تبني قاعدة للثقة تدفع بالمشاركة السياسية, بدلا من جلب ممثلي لقوي سياسية, يرددون حديث يرضي قيادات المؤتمر الوطني, و لكنه لا يحل معضلات السودان.
أجد نفسي مع ما جاء علي لسان السيد مصطفي محمود ممثل الحزب الناصري, الذي أكد قبل كل شيء يجب وقف الحروب الدائرة, و مشاركة كل القوي السياسية دون أية استثناء في صناعة الدستور, و كل من يريد المشاركة, و قال يجب أن تكون هناك رغبة حقيقية من أهل الدعوة, للتحول من دولة الحزب, إلي دولة الوطن, و أيضا أثمن ما قاله أدم عبد الغني لا اعرف أية حزب يمثل و لكنه أكد  إن القضية ليست عملية تفصيل الدستور, أنما تطبيق الدستور, و قال هل طبق حتى الآن ما جاء في الدستور الانتقالي, إن الخوف فعلا أن يكون هناك دستورا و يذهب التطبيق في اتجاه مخالفا لذلك.
الأزمة بين المعارضة و الحكومة, إن قيادات المؤتمر الوطني الذين حكموا أكثر معقدين, لم تظهر منهم أية نية أنهم غيروا قناعاتهم السياسية لصالح الديمقراطية, و هم ناس تكيفوا مع الديكتاتورية و دولة الحزب الواحد, و لا يستطيعون أن يتنازلوا عن منهجهم السياسي لتحقيق التوافق الوطني, و إذا كانوا بالفعل يسعون إلي دستور يتراضي عليه الناس, كانوا اقتنعوا أن النظام الوحيد الذي يجلب التراضي عليه هو النظام الديمقراطي, و طبقوه في حزبهم, حيث هناك رئيس واحد للدولة و للحزب, و لكل شيء, و هذه المركزية توصف مصطلحيا "بالديكتاتورية " و إذا ذهب الرئيس البشير, كذلك يبحثون عن شخص أخر يصبح رئيسا لكل المؤسسات في الحزب و في الدولة, فكيف في ظل هذه القناعات البعيدة عن السلوك الديمقراطي, تبني الثقة بين الحزب الحاكم و القوي السياسية الأخرى.
فحديث السيد الرئيس في اجتماع القوي السياسية" مجازا" حديث طيب و لكن هناك أزمة ثقة مفقودة تماما بين الحزب الحاكم و المعارضة, فما هي خطة المؤتمر الوطني لبناء جدران الثقة, المعارضة قد وضعت رؤاها لكيفية بناء الثقة, و هي تتمثل في شروط, أن تكون هناك حكومة انتقالية, و برلمان جديد, و وقف الحروب الدائرة في البلاد, و اعتقد أنها شروط ليست تعجيزية, كما تدعي بعض قيادات المؤتمر الوطني, و التعجيزي أن تجمع القوي السياسية لكي تقدم فروض الولاء, كما حدث في كلمات ممثلي أحزاب التوالي الذين تباروا في ذلك, و اعتقد إن قيادات المؤتمر الوطني أصبحت آذانهم لا تسمع و لا تطيق إلا مثل حديث هؤلاء, هو حديث يؤدي إلي ابتسامة وقتية, و لكنه يقعد بالحل, و يجعل الأزمة تتعمق أكثر كل يوم, فالإنقاذ في ظل الأزمة الاقتصادية الطاحنة لا اعتقد لديها ما تمسك به البعض, و بالتالي يجب عليها أن تسمع بعض الحديث المؤلم, الذي يرشد لسبل الحل و يسهم فيه.
هناك أيضا قضية تعمق أزمة الثقة, أن المؤتمر الوطني بعد دعوة الرئيس للحوار للدستور, تبدأ الأجهزة الإعلامية في تقديم برامج أن كان برامج حوارية أو فكرية, تستضيف فقط العناصر التي تمثل وجهة نظر المؤتمر الوطني, و العناصر التي تدور في فلكه تحت مسمي استطلاعات الرأي أو معرفة اتجاهات الرأي العام, كما درجت الأجهزة في كثير من القضايا, و مثل هذه الممارسة لا تعكس الرؤى الأخر الأمر الذي يعمق الأزمة كثر مما هي عليه.
و في الختام نقول إن حديث السيد الرئيس حيث طيب, و لكن كم من أحاديث كانت دون فعل علي الأرض, و الحديث يجب أن يتبعه عمل, لكي يساعد علي بناء الثقة المفقودة  منذ أكثر من عقدين, و نسال الله التوفيق.   
zainsalih abdelrahman [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]