zainsalih abdelrahman [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
إن الصراع الدائر في الساحة السياسية السودانية بين السلطة الحاكمة و المعارضة منذ استيلاء الحركة الإسلامية علي السلطة في عام 1989 في انقلاب مشترك بينها و مجموعة من المؤسسة العسكرية تظل إشكالياتها مستمرة منذ ذلك التاريخ رغم التغييرات التي طرأت علي الصراع و تغيير حدث في موقع بعض ألاعبين  و انفصال الجنوب و استمرار مشكلة دارفور و اندلاع الحرب في ولايتي النيل الأزرق و جنوب كردفان في ظل كل المعطيات و التغييرات التي حدثت حتى في بنية النظام و المعارضة معا و لكن تظل هناك هوة كبيرة جدا بين المعارضة و السلطة حول كيفية معالجة قضايا الحكم في البلاد كما إن عملية الصراع المسلح في عدد من مناطق السودان قوض الاتفاقات السابقة المتفق عليها عرفيا حول القضايا الوطنية و أصبحت كل قوي سياسية لديها مفهوم مختلف عن الأخر في الثوابت الوطنية الأمر الذي يعقد المشكلة في البحث عن قواسم مشتركة للمتصارعين مما يحتم علي القوي السياسية البحث عن فتح أبواب الجدل علي مصراعيها بين بعضها البعض لكي تجد أرضية مشتركة يمكن أن تنطلق منها لتأسيس حوار وطني يمكن أن يفضي لاتفاق وطني يؤسس للثوابت الوطنية و يحل إشكالية الحكم في السودان.
و الخلاف ليس فقط بين السلطة القائمة و المعارضة أنما الخلاف الفكري و السياسي أيضا داخل كتلة المعارضة نفسها التي عجزت حتى الآن علي اتفاق حول مشروع سياسي و آلية تستطيع من خلالها تحقيق أهدافها للوصول لعملية التغيير و عدم الاتفاق هو نفسه جعل المعارضة تفقد أحد أركانها هو الحزب الاتحادي الديمقراطي  الأصل الذي ذهب و احتل مقعده في جانب السلطة مطلقا المعارضة طلقة باينة لا رجعة فيها و رغم هذا التحول الذي يعد خصما علي المعارضة إلا أن المعارضة ما تزال تجادل حول مشروع سياسي تتفق عليه و يؤكد ذلك حديث السيد الصادق المهدي زعيم حزب الأمة القومي  لدي مخاطبته أنصاره في مدينة سنجة يوم الجمعة الماضي حيث يقول  ( يجب أن يكون هناك ميثاق وطني لنظام جديد و أن تحقيقه ليس بالأماني و أنما بالضغط و ممارسة كافة أشكال العصيان المدني) و أضاف قائلا ( أن الميثاق سيطرح علي القوي السياسية بعد أن فشل الحزب الحاكم في حكم البلاد و يتبني الميثاق نظاما جديدا لحكم البلاد و وقف الحرب الدائرة) من حديث السيد الصادق نتبين أن المعارضة رغم سنين معارضتها الطويلة للنظام لم تستطيع أن تتفق علي مشروع سياسي تلتف حوله و تدعو الجماهير للالتفاف حوله و هذا يعد خصما من رصيد المعارضة.
إن عدم الاتفاق علي مشروع سياسي للمعارضة يعني أن الحوار بين قوي المعارضة مع بعضها البعض يجد عوائق و موانع في طريقه الأمر الذي جعل السيد الصادق بعد كل سنيين المعارضة يتحدث عن مشروع سياسي تتفق عليه المعارضة و لكن في حديثه يلتقي مع بقية قوي المعارضة عندما يحسم السيد الصادق قضية التغيير برحيل النظام و يقول في ذات المناسبة ( أن الترقيع لا يجدي و المطلب الشعبي المشروع هو إقامة نظام جديد من أعلي النظام إلي أسفله و الالتزام بسياسة جديدة لتصفية دولة الحزب و قامة دولة الوطن)هذا القول يجعل السيد الصادق يلتقي مع حزبي المؤتمر الشعبي و الحزب الشيوعي حيث أكد تكرارا الدكتور حسن الترابي زعيم المؤتمر الشعبي أن نظام الإنقاذ يجب أن يرحل و يعتقد الترابي أن الثورة الجماهيرية السودانية قادمة و أن شروطها قد اكتملت و في ذات الاتجاه يذهب الحزب الشيوعي السوداني و قد كتب الدكتور الشفيع خضر حول عملية التغيير و في حوار مع جريدة الأحداث قال الشفيع خضر ( إن الحزب الشيوعي يعمل علي تغيير هذا النظام لأنه حزب معارض و يعتقد أن هذا المؤتمر الوطني يجب أن يذهب بكافة الوسائل السلمية الديمقراطية) إذن الأحزاب الرئيسية في المعارضة اتفقت علي رحيل النظام و بالوسائل السلمية أي عبر الثورة أو الانتفاضة الشعبية و هي أدوات تتطلب عمل مضني مع الجماهير و لكنها في ذات الوقت تتطلب اتفاق علي مشروع سياسي و تنسيق مستمر بين القوي المعارضة و حوار دائم لتدارك الأخطاء و معالجتها.
و إذا كانت عناصر المعارضة الرئيسية قد اتفقت علي رحيل النظام و لكنها متباينة الرؤى حول قضية الحكم و بناء الدولة و هي قضية تحمل خلافات تحتاج إلي حوار عميق و مباشر بين القوي السياسية المعارضة و إذا لم تخضع القضية لحوار اليوم فإنها أيضا سوف تشل قدرة المعارضة و تكسر وحدتها في المستقبل و لكن التفاؤل يأتي في تقريب وجهة النظر بين الأمة القومي و المؤتمر الشعبي في ذلك يقول السيد الصادق المهدي ( نخاطب كل القوي الوطنية داخل المؤتمر الوطني بأننا علي استعداد للاتفاق علي ثوابت دينية هي: حرية العقيدة و الضمير و الالتزام بقطعيات الشريعة و التعايش السلمي مع الأديان و احترام التعددية الثقافية في ظل دولة تكفل المساواة في المواطنة و الالتزام بالثوابت الوطنية) فالسيد الصادق لا يستبعد المرجعية الدينية عن الدولة رغم أنه يشير في حديثه عن التباينات الثقافية و الدينية في الدولة و لكن السيد الصادق يتناقض في فقرته هذه مع الفقرة التي تنادي برحيل النظام مما يؤكد أن هناك عدم حسم للسيد الصادق المهدي في قضية رحيل النظام باعتبار أن الذي ينادي برحيل النظام تماما لا يفتح نفاج للحوار مع عناصره مرة أخري إلا إذا لم يحسم قضية رحيل النظام نهائيا و لكن في كل الأحوال أن السيد الصادق بهذه المخاطبة للعناصر الوطنية داخل المؤتمر الوطني يريد أن يقول لهم هناك أرضية مشتركة تجمع بيننا و أننا علي استعداد أن نلتقي معكم حول الثوابت الدينية فهذا الغزل السياسي الرفيع درج عليه السيد الصادق و هو الذي يجعله يجدد باستمرار مشروعه السياسي المعارض وفقا للأحداث الجارية مما يهز القاعدة الإستراتيجية لرؤية حزب الأمة حول عملية التغيير أو رحيل النظام و رغم أن الصادق قد كان قد قال أن التونسي و المصرية قد غادرتا و لم تبقي إلا اليمنية و الليبية إلا أن السيد الصادق رجع مرة أخرى لدعوته برحيل النظام عبر ركوب المصرية أو التونسية و هذا يؤكد عدم الثبات في الفكرة السياسية عند السيد الصادق و حتى التعارض في الخطاب ما بين الرحيل و الحوار حول الثوابت أيضا يؤكد عدم الحسم في الفكرة.
لم يختلف الدكتور الترابي مع السيد الصادق حول كيفية بناء الدولة حيث الدكتور الترابي ما زال متمسكا بمشروعه السياسي في أن يكون الدين هو المرجعية للدولة حينما قال الدكتور الترابي زعيم حزب المؤتمر الشعبي لقناة الشروق ( إن الدولة السودانية في حاجة ماسة لرؤية شاملة لمواجهة الابتلاءات التي تمر بها. و إن الاتجاه نحو الدين بمصداقية يمثل أولي الخطوات لعودة الأمة إلي سابق عهدها ألتليد) و رغم أن الدكتور الترابي يلتقي مع السيد الصادق في المرجعية الفكرية للدولة و لكنه حسم عملية رحيل النظام و يعتقد أن الحوار غير مفيد و المفيد هو رحيل النظام بكلياته و يعتقد أن النظام غير جاد كما يعتقد أن فك ارتباط حزب المؤتمر الوطني بالدولة سوف لن يكون هناك حزبا قائما لذلك يعتقد مادام العمل من أجل إسقاط النظام هو الحل فليس هناك داعيا للحوار مع أفراده هذه الرؤية ذات المرجعية الفكرية الدينية التي يلتقي فيها مع حزب الأمة و مع المؤتمر الوطني تجعلهم علي خلاف مع القوي السياسية الأخرى في المعارضة خاصة الحزب الشيوعي و حزب البعث العربي الاشتراكي و غيرهم من القوي السياسية الذين يرفعون قضية فصل الدين عن الدولة و قيام دولة علمانية.
هذا الخلاف في المرجعية الفكرية بين قوي المعارضة يؤكد أن الحوار الفكري للدولة السودانية بين أركان المعارضة لم يكتمل أو إن القوي السياسية تتخوف من فتح قنواته الآن حتى لا يتفرق شملها رغم أن الحوار اليوم أفضل من الغد لحسم القضية كما يؤكد أن القوي السياسية ذات المرجعية الدينية لم تستطيع الاجتهاد الذي قامت به أحزاب إسلامية في المنطقة لكي تجعل هناك أرضية مشتركة بينها و بين القوي اليسارية و الليبرالية لذلك جتهاداتها جاءت بأن تقبل مصطلح  الدولة المدنية الديمقراطية كما هو الحاصل في مصر و قبول الأخوان المسلمين مصطلح الدولة المدنية و في تونس حركة النهضة الأمر الذي جعل هناك أرضيات مشتركة لبناء الثوابت الوطنية.
و يعتقد السيد محمد إبراهيم نقد السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني  أن حل القضايا الوطنية يجب تهيئة المناخ الصالح للحل و بعاد المؤثرات الخارجية و الإقليمية حيث يقول في لقاء كانت قد أجرته معه جريدة الأهرام اليوم حول حل القضايا الوطنية ( أولا خلق المناخ الداخلي الذي سيؤدي للحل السلمي و يقلل دور المجتمع الدولي و الإقليمي لصالح الدور الوطني و تقوية موقف القوي الوطنية للإسهام في العمل و هذا مؤكد سيساعد كثيرا) الدعوة هنا تقوم علي الحوار الوطني بين كل القوي السياسية حتى لا يستبعد الحزب الحاكم رغم أن أدبيات الحزب الشيوعي تؤكد علي رحيل النظام و لكن الحزب الشيوعي لا يرفض الحوار بوجود الحزب الحاكم إذا هيئ المناخ المناسب و يعتقد الحزب الشيوعي أن القوي التي مطالبة أن تهيء المناخ هي السلطة الحاكمة إلا أن السلطة الحاكم رغم أن بعض قياداتها تدعوا إلي الحوار السياسي الذي يفضي لوفاق وطني و لكنها في الحقيقة هي غير راغبة في ذلك لأسباب عديدة من أهمها قضية المحكمة الجنائية التي تطالب فيها بعض القوي السياسية في المعارضة ضرورة الخضوع لها ثم قضية المحاسبات و غيرها الأمر الذي يصعب من عملية الحوار الوطني بين السلطة و المعارضة.
و يعتقد عدد من قيادات المعارضة أن الحوار مع النظام الحالي غير مجدي باعتبار النظام يطلق اتهامات ضد المعارضة أنها تدبر شيئا من الخلف و يتهم الحزب الشيوعي و المؤتمر الشعبي هذه التهم فندتها المعارضة و تعتقد ليس قائمة علي أساس من الصحة لآن السلطة لا تملك بينات في ذلك و إذا كانت تملك ما ترددت في اعتقالهم و تقديمهم للقضاء و لكنها تطلق الاتهامات لكي تحاول محاصرة المعارضة في خانة الدفاع دون التفكير الجاد في العمل السياسي الجماهيري لإسقاط النظام و في ذلك يقول الدكتور الشفيع خضر عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني في لقاء له مع جريدة الأحداث ( المؤتمر الوطني يتحدث بلغة الأمن و الاستخبارات و لا يتحدث السياسة و الأمن و الاستخبارات صحيح أنها من أسباب العمل السياسي و لكن حينما تتمدد و تصنع كل شيء تطيح بالسياسة نفسها و تطيح بمن يتبناها و هذا هو حال الدول التي قامت علي الأمن و الاستخبارات) و هنا يريد الدكتور الشفيع أن يؤكد أن الإنقاذ ليست دولة تعتمد في بقائها علي القاعدة الجماهيرية أنما تعتمد علي الأجهزة الأمنية إذن هي سلطة شمولية لا تؤمن بعملية الحوار السياسي الذي يوصل إلي اتفاق وطني هذا الفهم أيضا يقف حجر عثرة في طريق الحوار الوطني و قد أكد ذلك الفريق محمد عطا المولي عباس في حواره مع جريدة الأحداث عندما يتهم المعارضة أن لها علاقات مع الخارج و هي تتلق دعم من الخارج و هذا الدعم سوف يقويها و يطلب من السلطة أن لا تستهين بها و معروف في علم السياسة و علم الاجتماع السياسي أن الدولة التي تعتمد علي بقاء النظام علي المؤسسات القمعية ليست لها علاقة بالحوار السياسي لأن المشروعية التي تقوم عليها هي فرض رؤيتها فقط و علي الجميع تقديم فروض الطاعة و الولاء هذا الفهم يستبعد عملية التحول الديمقراطي.
و إذا نظرنا إلي المحور الغائب عن الحوار أن كان داخل أروقة أحزاب المعارضة أو بين المعارضة و السلطة أو داخل السلطة نفسها هو عدم الاشتغال بالعملية الفكرية التي تعتبر بمثابة القلب للعملية السياسية التي تقرأ الواقع و تحلله من خلال المعطيات القائمة و أجد نفسي التقي مع رؤية الدكتور الشفيع خضر التي طرحها في أحدي مقالاته حينما يقول الدكتور  حول حل القضايا ( ما نريده هو إعمال الفكر في قضايا الواقع المتغير بغرض تحليلها وفك شفرتها حتى نتوصل إلي أفضل الحلول. إن أعمال الفكر و تحكيم العقل في تحليل قضايا الواقع اليومي هي الآلية الوحيدة القادرة علي حسم المعركة ضد السياسة التي تتقوي بتجهيل الشعب و تسيد ثقافة الشائعات و الالتفاف علي الحقائق و محاصرة التفكير حتى لينزوي في ركن تدبير المعيشة اليومية)  فالفكر هو الغائب في أجندة القوي السياسي و هذا الغياب هو الذي يجعل أغلبيتها يتخبط و كما يقول المفكر اللبناني مهدي عامل أنها تشتغل بجدل اليوم الأمر الذي لا يجعلها تخرج من دائرة مشاكلها هذا الغياب ليس قاصرا علي حزب السلطة أنما علي كل القوي السياسي بدرجات متباينة الأمر الذي صعد العناصر التنفيذي لقمة الهرم السياسي و غيب العنصر الفكري  و جعل القوي السياسية تعيد إنتاج أزماتها و جعل البلاد مكانك سر. فالجدل حول عملية التغيير في الدولة و نظام الحكم يحتاج لحوار وطني مهما كان موقف المتصارعين مع بعضهم البعض باعتبار أن الحوار هو الوحيد القادر أن يخفف حدة الصراع و لكن يجب أن يكون حوار حقيقي و ليس تكتيكي كما درجت عليه السلطة و في ذات الوقت أن الحوار يحتاج لإعمال الفكر الذي يساعد علي فهم الواقع و تحليل الواقع و معرفة تحدياته و كيفية التعامل معها بشروط وطنية و ليست حزبية بهدف الوصول لقواسم مشتركة بين قوي المعارضة و نسال الله التوفيق.