قال السيد رئيس الجمهورية عمر البشير أنهم أخروا إعلان التشكيل الوزاري حتى لا ينقل الاهتمام و الانتباه عن المؤتمر الثالث التنشيطي لحزب المؤتمر الوطني رغم أن وسائل الإعلام المملوكة للدولة و الشبه حكومية لم تعطي الناس فرصة لكي تنقل إنتباهتا عن المؤتمر الوطني و خاصة تلفزيون السودان القومي الذي خصص جل وقته و برامجه قبل يوم و بعد يوم من انعقاد مؤتمر الحزب الحاكم مما يؤكد تماما دون شك أن هناك تماهي و تزاوج بين الحزب و الدولة الأمر الذي يجعل العامة من الناس لا يتعبون و لا يترددون في ظل التطور التكنولوجي في وسائط الإعلام أن يديروا مؤشرات أجهزة تلفزيوناتهم  لكي ينتقلوا إلي قنوات أخرى و الذي يفعل ذلك لا اعتقد سوف يعود للقناة بسهولة و بالتالي ينحصر الاهتمام عن المؤتمر في النخب و النخب المهتمة بالقضايا السياسية و من خلال المتابعة و الكلمات التي نقلت عبر الهواء في الجلستين الافتتاحية و الختامية كان تركيز خطاب رئيس الجمهورية حول ثلاثة قضايا الأولي دور القوات المسلحة و الأجهزة الأمنية في مواجهة و إنهاء التمرد و العملاء و المرتزقة القضية الثانية دعم الإنقاذ لثوار ليبيا إلي جانب الإشارة لقضية الثورات في الوطن العربي و القضية الأخيرة هي قضية الحوار حول الدستور و ما عدا ذلك هي قضايا تهم عضوية المؤتمر الوطني.
أن قضية الإشادة بدور القوات المسلحة و الأجهزة الأمنية في مؤتمر الحزب الحاكم هي إشارة لعدم الاستقرار الأمني في البلاد و أن البلاد تعاني من إشكاليات أمنية تهدد السلام و الاستقرار الاجتماعي باعتبار أن القوات المسلحة لا تطفو أخبارها علي ما عداها إلا إذا كان هناك نزاعا تقلق منه السلطة الحاكمة و مادام هناك نزاعا يقتضي ضرورة تدخل هذه المؤسسات سوف يكون عائقا و مانعا لانسياب رأس المال الأجنبي و البلاد في أمس الحاجة إليه و لاسيما أن رأس المال الأجنبي لا يأتي إلا في ظل السلام و الاستقرار و الإنقاذ تحتاج لهذه لكي تمهد الطريق للاستثمار خاصة أن البلاد تعاني من تحديات اقتصادية كبيرة تؤثر بشكل مباشر علي مستوي معيشة المواطنين و هذا لا يعني عدم الإشادة بتلك المؤسسات و لا اعتقد هناك مواطن في كل دول العالم يقف ضد تطور تلك المؤسسات في بلده و لا يحب أن تكون من أقوي المؤسسات في العالم حتى تصبح الدولة مهابة و ليست لقمة سائقة للدول الأخرى العظمة و غيرها كما لا أعتقد أن هناك شخص يتخذ موقفا مضادا من الأجهزة الأمنية إلا إذا تجاوزت تلك المؤسسات مهامها و بدأت تطلع بمهام أخري تسبب في مضايقة المواطنين و هذه تتم عندما تكون هناك الثقة مفقودة بين الجماهير و النظام القائم أو الخوف من فقدان السلطة لأية سبب من الأسباب و لكن التنظيم السياسي القوي الذي يعتقد أنه يملك القوي الجماهيرية الفاعلة و المؤثرة يسعي لتحويل البلاد لدولة دستورية بمشاركة الجميع و ليس الاكتفاء فقط  بتحديد عدد من الوظائف في السلطة التنفيذية و هذا لم يحدث علي مستوي الدولة فقط بل أيضا علي مستوي الحزب حيث تبقي هناك وظائف محتكرة لا يغادرها أصحابها مما يؤدي إلي الجمود في المؤسسة و عندما يصبح المواطن عمر البشير رئيسا للجمهورية و رئيسا للمؤتمر الوطني و محتكرا كل الوظائف الرئاسية يصبح سقف الديمقراطية و النقد دون تلك الوظائف الأمر الذي يجعل الصراع دونه و هذا يقود للشللية و التكتل كما أنه مدعاة للأمراض الاجتماعية الوصولية و الانتهازية و التملق و غيرها و لكن عندما تكون هذه الوظائف مفتوحة للآخرين يعلو سقف الحرية و الديمقراطية و النقد و يبقي الحوار علي الهواء الطلق و يحد من الأمراض الاجتماعية و ما دامت تلك الوظائف محتكرة سوف تظل هناك إشكالية تنخر في عظم المؤتمر الوطني حتى تصبح مثل منساة سيدنا سليمان.
من الكلمات التي في خطاب الرئيس و التركيز و الإشادة المستمرة بالمؤسسات العسكرية يعكس الحالة التي تعيش فيها البلاد و وضح أن البلاد تواجه تحديات داخلية و خارجية الأمر الذي جعل تلك المؤسسات تصعد لقمة الاهتمام السياسي الأمر الذي يتطلب حلولا سياسية و ليست حلولا عسكرية كما أن الرئيس وسع دائرة الاتهام حيث كان الحديث حول ثلاثة أنواع للعناصر التي تطاردهم المؤسسة العسكرية و القوات الأمنية الأخرى هم المتمردين الذين يحملون السلاح بشكل مباشر و بالفعل هناك من يحمل السلاح و هناك أيضا تحالفات أعلنت عن نفسها و تبنت الكفاح المسلح طريقا من أجل تحقيق أهدافها. الفئة الثانية هم العملاء و هؤلاء الذين يعتقد أنهم يتعاونون مع دول أو مؤسسات أجنبية ينقلون لها معلومات أو تسهيل مهام أو أنهم يستلمون منها أموال لتنفيذ مهام تخص تلك الدول في بلدهم و هؤلاء يفصل فيهم القضاء و ليس القوات المسلحة و الأجهزة الأمنية ربما تكون الاتهامات الموجهة إليهم هي اتهامات كيدية. الفئة الثالثة و المرتزقة هؤلاء هم أجانب تدفع لهم دول من أجل القتال أو تنفيذ مهام في دولة أخري أو هم أجانب يتعاونون مع حركات مسلحة يقاتلون معها أو يتعاونون معها و يلقي عليهم القبض داخل الدولة و هذه مهمة الأجهزة الأمنية و أيضا القضاء يفصل في ذلك و جميع هذه الأنواع و الحديث عنها يؤكد أن البلاد تعاني من إشكاليات أمنية و لا اعتقد طريق السلام و الاستقرار هو القتال أنما الحل السياسي و هو الطريق الذي لا يتوافق مع رؤية الرئيس المعلنة داخل المؤتمر التنشيطي كما أن إطلاق مثل هذه الاتهامات الهدف منه عدم المطالبة بالتغيير الديمقراطي في البلاد و الحد من الحريات أن كانت صحفية أو غيرها.
القضية الأخرى التي تحدث عنها السيد رئيس الجمهورية كثيرا هي قضية دعم الإنقاذ إلي الثوار في ليبيا إن كان بالسلاح أو غيره و تعرض إليها رئيس الجمهورية في عدد من المنابر ثم أخيرا في المؤتمر التنشيطي ثم دعت الإنقاذ مصطفي عبد الجليل رئيس المجلس الانتقالي و كان التركيز في أجهزة الإعلام الحكومية علي حديث مصطفي عبد الجليل حول الدعم الذي قدم من حكومة الإنقاذ لثوار ليبيا و السؤال ما هو الهدف من التركيز علي قضية الدعم و لمن موجهة الرسالة الإعلامية  و ما هو المغزى منها؟ أعتقد أن قضية الدعم التي ركز عليها السيد رئيس الجمهورية رئيس المؤتمر الوطني هي رسالة موجهة للشعب السوداني لكي تؤكد له إن الإنقاذ جزء من ثورات الربيع العربي و هي قريبة منهم و دلالة علي ذلك أنها قدمت دعما للثوار في ليبيا. والهدف من الرسالة تريد الإنقاذ أن تقول هي ليست خائفة من انعكاسات تلك الثورات في المنطقة ما دامت هي التي دعمتها و هذا السلوك يؤكد عكس ما تريده الإنقاذ حيث إن قضية الثورات العربية تقلقها قلقا شديدا و هي تبحث عن مسوغات لكي تطمئن بها نفسها و ليس الآخرين لآن الآخرين ليس لديهم شيء يخسرونه و بالتالي هم مشغولين بالثورات في المنطقة كحدث سوف يغير معالم المنطقة و ينتظر السودان نصيبه منها و الذي لا يعرف كيف سيكون و القضية ليست كما قال الرئيس أن انتظارهم سوف يطول لأنها عوامل اجتماعية تتفاعل و لكن لا أحد يستطيع أن يتنبأ متى تنفجر أو لا تنفجر إذا كانت هناك معالجات للعوامل التي تؤدي إليها غير أن المعروف إن الإنقاذ لا تريد أن تعالج معالجة حقيقية العوامل الرئيسية التي تؤدي للثورة و التي هي قائمة في السودان رغم ضعف المعارضة.
كان من المنتظر أن يكون المؤتمر التنشيطي للمؤتمر الوطني تحولا حقيقا فيما أطلقت عليه الإنقاذ الجمهورية الثانية لكي تقوم علي قيم الحرية و الديمقراطية و العدل و لكن من خلال حديث الرئيس الذي لم يحمل جديدا يؤكد أن المؤتمر الوطني لا يعمل من أجل الوفاق الوطني الذي يعزز قضية السلام و الاستقرار و لكن حديث الرئيس ذهب في اتجاهات التحدي و المواجهة و لم يجعل هناك مساحات لقضية الحوار الوطني التي أصبحت قضية شعارات تطلق علي المنابر و لا يتم عليها عمل علي الأرض حيث كل الحوارات التي تمت مع الحزبين التقليديين " الأمة القومي– الاتحادي الأصل" كانت منحصرة في عملية المشاركة في الحكومة ذات القاعدة العريضة دون التطرق للقضايا الأخر باعتبار أن المؤتمر الوطني يتخوف من فك ارتباط بين الحزب و الدولة و هي الخاصية الوحيدة التي يقوم عليها الحزب و يستقطب من خلالها النخب المتطلعة للمصالح الذاتية هذا الفهم لعملية معالجة القضية الوطنية يجعل مؤتمرات المؤتمر الوطني مع تعدد تسمياتها لا تحمل جديدا و لا يتوقع أنها سوف تقدم حلولا ناجزه لحل المشاكل السياسية في السودان لأنها مؤتمرات لا تحدث تجديد في المنهج و لا تحدث تغييرا في الشخصيات و لا تقدم مقترحا علي أن لا يكون رئيس الجمهورية هو رئيس الحزب الحاكم أو تؤدي إلي توزيع السلطات التي تتركز الآن في يد شخص واحد و إذا لم يحدث تغيرا جوهريا في المؤسسة الحزبية لصالح الديمقراطية لا اعتقد أن يحدث تحولا ديمقراطيا في الدولة.
إذن قضية الحوار حول الدستور مع القوي السياسية سوف تحكمه ذات العقلية التي تعتقد أن المؤتمر الوطني هو حزب الدولة و ما دام الدستور سوف يعبر عن شكل الدولة و النظام القائم فلا اعتقد أن المؤتمر الوطني سوف يتعامل مع القضية بمنهج جديد أنما يحاول أن يفرض ذات المنهج علي الآخرين و بالتالي يجيء الدستور معبرا عن الفئة الحاكمة و مصالحها حيث أن الإنقاذ منذ عقدين تسير بمنهج واحد رغم كل التحديات التي تواجه السودان و يبقي الحوار شعار مرفوع لا يجد طريقه إلي أرض الواقع.
قال السيد رئيس الجمهورية أنه ينتظر التمام من القوات المسلحة لكي تقول أنها قد انتهت من كل التمرد و العملاء و المرتزقة من السودان هذا الحديث رغم أنه حديث مستلف مصطلحاته من المؤسسة العسكرية و لوائحها لكي تلاءم مع البيئة السياسية إلا أنها مصطلحات قد وطنت نفسها داخل السلطة بكل مؤسساتها و أصبح هو المنهج السائد أن كان في السلطة التنفيذية و التشريعية أو حتى علي مستوي الحزب السياسي باعتبار أن الإنقاذ ركزت في تعاملاتها مع العناصر التي يغلب عليها الطابع التنفيذي و هي العناصر التي تؤدي التمام  "تنفذ قبل أن تناقش" الأمر الذي جعل ذلك السلوك ينسحب علي العناصر التي تسيطر علي الحزب و تعتمد علي تنفيذ القرارات دون مناقشتها و لا تستطيع حتى أن تهمس بها في آذن الرئيس لتعديلها أن كانت تحتاج لتعديل. و في نفس الوقت نجد أن الشخصيات التي كانت مؤثرة في الساحة السياسية من عناصر الحركة الإسلامية و لا تتردد في تقديم أطروحاتها و أرائها و فتح قنوات الحوار هي نفسها  أثرت درب السلام و فضلت أن تحتفظ بوظائفها من أن تتبني خطا نقديا داخل التنظيم السياسي يهدف إلي تطوير القدرات الفكرية و يعمل علي الإنتاج الفكري و الثقافي و الاجتهادات الفقهية ترفد به حركة الوعي داخل التنظيم و تخلق أجيال جديد تتبني ذات المنهج النقدي و لكن مع بروز السطوة الفردية و تمكنها من قبض الخيوط في يدها جعلها تتحول إلي عناصر تنفيذية أيضا و غابت العناصر  الفكرية التي ما كان التمام يعرف طريقا لسلوكها و منهجها لأنها كانت تعتمد علي الحوار و الإقناع بيد أنها كانت العناصر الوحيدة القادرة علي الهمس في آذن الرئيس و محاورته في خطابه و حديثه الأمر الذي كان سوف يقلل من السطوة الفردية داخل التنظيم و يفتح الطريق للقيم الديمقراطية و توزيع السلطات و سيادة القانون و اللوائح و ينعكس علي الدولة و كان نقل السودان إلي أفاق أرحب لكن غياب هذه الفئة الفكرية مكن المنهج أن يسود و لا اعتقد أن المؤتمر الوطني بمنهجه الحالي سوف ينجح في قضية الحوار من أجل الدستور الدائم للبلاد.
أن المنهج السائد في الحزب و مؤسسات الدولة باعتبار أن الفئة الحاكمة هي نفسها في كل مستويات العمل السياسي و هي عناصر لا تستطيع أن تقدم مبادرات تتعارض مع أطروحات الرئيس أو تقدم مقترحات تتعارض مع تصوراته حتى أن كانت تصوراته يصاحبها الخطأ و هي قضية تحتاج إلي مراجعة و إذا كان السيد رئيس الجمهورية رئيس حزب المؤتمر الوطني فعلا يريد حلولا لمشاكل السودان يبدأ بحل ديمقراطي داخل مؤسساته و أن يتنازل عن رئاسة الحزب و يفتح الأبواب لعناصر جديدة ربما تملك حلولا و تكون أكثر جدية في قضية الحوار الوطني الهادف لعملية السلام و الاستقرار الاجتماعي و هآنذا اليوم أهمس في آذن الرئيس و أقول أن منهج سيادتكم يحتاج للكثير من التقويم و قبل هذا أن تفك الربط بين قيادة الحزب و رئاسة الجمهورية لكي تستطيع أن تلعب الدور المحوري في قضية الحوار الوطني باعتبار أن الشخصيات التي استطاعت أن تعلب دورا تاريخيا في حل مشاكل بلادها فضلت أن تلعبه من موقع حيادي لا يحابي حزب علي أخر أنما يتعامل مع الكل من موقع واحد بهدف أن تنجح الرسالة التي يحملها و هذا لا يتعارض أن يكون لكم ميول سياسية و لكن موقع رئاسة الجمهورية يفرض السلوك القومي و ليس الحزبي  نسأل الله التوفيق.

zainsalih abdelrahman [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]