سألت الأستاذ حاتم السر الناطق الرسمي باسم  الحزب الاتحادي الديمقراطي سؤلا مباشرا هل يشارك الاتحادي الديمقراطي في الحكومة القادمة؟ و قبل الإجابة علي السؤال باعتبار تربطني علاقة خاصة بالرجل في فترة النضال السلبي في القاهرة لمدة عشرة سنوات و ما تزال العلائق بيننا رغم اختلافي مع الرجل و التيار الذي يمثله طيلة تلك السنين و لكنه خلاف لا يفسد للود قضية حقا فقلت له لا أريد إجابة مبهمة أو عجلي أريد إجابة مثل ما يقول أهل دارفور " كراع عنقريب" و كراع عنقريب تعني في الثقافة الدارفورية عندما يأتي ضيوف للرجل أو للدار و بعد ما تقوم ربة الدار بإكرامهم بما لذ و طاب من الطعام تدخر إلي زوجها زبدة ذلك الطعام تحت كراع عنقريبه, لذلك كان الرجل واضحا عندما قال إن السيد محمد عثمان الميرغني ما يزال عند موقفه لا يتزحزح عنه قيد أنملة إن المشاركة يجب أن تكون وفق برنامج سياسي يعبر عن أمال و طموحات الشعب السوداني برنامجا وطنيا يهدف إلي حلحلت كل المشاكل التي تواجه السودان في مناطقه المختلفة برنامج يهدف إلي رفع مستوي معيشة المواطن السوداني الذي اعتصره الجوع و فتك به المرض و شردته الحروب و النزاعات برنامج يوسع من دائرة الحريات و يعزز الديمقراطية و لكي لا أدخل الصديق حاتم السر في حرج ليس كل ما في المحتوي هو من عند الرجل كما إن الأبواب ليست موصدة و الحكيم هو الذي يعرف متى يطرق الباب و الإشارات تفهم من محتواها.
قال علي السيد في الحوار الذي أجرته معه جريدة الأحداث أنه عندما التقي بالسيد محمد عثمان الميرغني قال "إن مولانا يسمع أكثر من ما يتحدث" و معروف أن الشخص أو حتى القيادات الاتحادية لا تستطيع أن تنتزع معلومة من السيد الميرغني حول موضوع مثار حوله النقاش داخل الحزب قبل أن يستمع السيد الميرغني لكل أطياف و أنواع الآراء في الحزب و بالتالي يخرج الجميع من عند الرجل دون معرفة أية منهم الموقف الذي سوف يبيت عليه السيد الميرغني و بالتالي تأتي التصريحات متضاربة كل مجموعة تعتقد إنها قد أقنعت الميرغني برؤيتها من خلال البينات التي قدمتها و هنا يأتي الالتباس في الموقف الاتحادي و تضارب التصريحات و بالتالي يكون عند جهينة الخبر اليقين فالكل ينتظر تصريحات السيد الميرغني لكي يعرف حقيقة الموقف و السيد الميرغني لا يحجر علي رأي أنما يجعل الكل يتنافس من أجل أن يظهر مقدراته التحليلية للموضوعات و القضايا المطروحة و هو سلوك يختلف الناس في تقيمه.
هذا النوع من السلوك السياسي رغم أنه يعطي الجميع حرية واسعة لتقديم أرائهم لكنه يحرمهم في ذات الوقت في المشاركة المباشرة في استخلاص القرار النهائي للمشكلة المطروحة و لكن للسيد الميرغني تفسيرا لذلك حيث يعتقد أن الشورى و الديمقراطية قد اكتملت أركانها و استوفت شروطها بعد ما طرح كل رؤيته حول الموضوع دون حجر و تبقي مسؤولية اتخاذ القرار النهائي متروكة لزعيم الحزب مستفيدا من كل الآراء التي قدمت باعتبار إن للزعيم الكلمة الفصل في الموضوع و هذه الرؤية يرجع السيد الميرغني سندها للقرآن " أمرهم شوري بينهم" و هي الفرصة لتقديم الآراء من الأطياف المختلفة أو المدارس الفكرية و التيارات المختلفة داخل الحركة الاتحادية " و اتخاذ القرار " إذا عزمت فتوكل علي الله" هنا يأتي الموقف الفصل و يعتقد السيد الميرغني أن القرار الذي سوف يتخذ لا يخرج من دائرة تلك الآراء بل مستوعبها جمعيا و عند خروج القرار يجب علي القيادات الاتحادية و الجماهير الاتحادية الالتزام بنصوصه لأنه يصبح هو رؤية الحزب في القضية المطروحة و بعد خروج القرار تأتي بعض الاعتراضات إذا صادف إن القرار تعارض مع فئة داخل الحزب و في جانب أخر هناك فئة هي لا تشارك الرأي و هي مجموعات من "الهتيفة" يحركها فقط الصوت العالي دون البحث في ما وراء ذلك الصوت و لكنها سرعان ما تغير اتجاهاتها حسب مقتضيات مصالحها و هي التي تخلق الاضطرابات داخل المؤسسة الحزبية.
قضية مشاركة الحزب في الحكومة القادمة لقد أثير حولها لقطا كثيرا و الدافع الأساسي كما قال السيد حاتم السر "إن التصريحات التي تخرج من المؤتمر الوطني هي أكثر من التصريحات التي تدلي بها القيادات الاتحادية لكي تحدث بها ربكة داخل الاتحادي" و هذه رؤية صائبة باعتبار أن المؤتمر الوطني عندما يعجز عن معرفة القول الفصل في مشاركة الاتحادي في الحكومة يطلق مثل هذه التصريحات لكي تكون هناك ردة فعل من قبل الاتحاديين حول التصريح و تخرج التصريحات الاتحادية مؤيدة أو رافضة و من خلال تلك التصريحات يتعرف علي الاتجاه الغالب داخل الحزب رغم إن المؤتمر الوطني يريد ردة فعل السيد الميرغني و يدفعه للتصريح بالموافقة أو الرفض و هو الأمر الذي لا يغيب علي السيد الميرغني لأنه هو نفسه يقرأ من تصريحات قيادات المؤتمر الوطني الرغبة الحقيقة ما وراء المشاركة و إلي أية مدي يستطيع حزب المؤتمر الوطني قبول رؤية الاتحادي في المشاركة و هي مشاركة مشروط.
السؤال الذي يبحث عنه المؤتمر الوطني و المراقبين السياسيين و كل جماهير الشعب السوداني هل الحزب الاتحادي الديمقراطي بزعامة السيد محمد عثمان الميرغني سوف يشارك في الحكومة التي دعا لها السيد رئيس الجمهورية؟
هنا نحاول الاعتماد علي فطنة القارئ لآن السؤال يتطلب الإجابة ب لا أو نعم و لكن في ضروب السياسة ليس هناك إجابة بما هو مطلوب و لكن مشاركة الحزب الاتحادي الديمقراطي رغم أنها غير مستبعدة بل ربما تكون هي الأقرب و لكن هناك بعد الإشكاليات إجابتها ليست عند الحزب الاتحادي الديمقراطي أنما إجابتها عند المؤتمر الوطني لكي تتم هذه المشاركة بالصورة التي تحقق أمل الناس في السلام و الاستقرار و التنمية و العمل الجاد لحل مشاكل المواطنين و رغم أن المؤتمر الوطني قد فتح الباب أمام القوي السياسية للمشاركة في حكومة إجماع وطني لكنه هو الذي بدأ بوضع الشروط عندما قال السيد رئيس الجمهورية إن الحكومة القادمة سوف تنفذ برنامج المؤتمر الوطني و هذا يعني أن المؤتمر الوطني يريد أحزابا تأتمر بأمره و تفقد شخصيتها الاعتبارية و بالتالي هذا الشرط شرطا مانعا للمشاركة و هو الذي يجعل الحزب الاتحادي الديمقراطي أن يواجه شرط المؤتمر الوطني بشروط مهمة جدا لكي يحفظ شخصيته الاعتبارية و استغلالية قراره باعتبار أنه حزب جماهيري و ليس صنيعة حكومة أو سلطة فالذي يريد مشاركة الحزب الاتحادي الديمقراطي ذو القاعدة العريضة و التاريخ السياسي من النضال الوطني بزعامة السيد الميرغني يجب عليه أن يعرف أن مشاركة الحزب الاتحادي تأتي من خلال برنامج وطني يتفق عليه و يؤسس لدولة الحرية و الديمقراطية و يعمل من أجل تنمية الموارد الاقتصادية و ينهض بالإنسان السوداني الذي شردته الحروب و المنازعات  و فتكت به الأمراض و أهلكه الفقر و الفاقة و هذا البرنامج الوطني هو برنامج إنقاذ سياسي يتطلب الأتي:
أولا – إذا أقدم الحزب الاتحادي الديمقراطي علي المشاركة و هو احتمال غير بعيد إذا خلصت النوايا و اتفق القوم علي البرنامج الوطني تأتي مشاركة الحزب باعتبار أن القوي السياسية بعد مباركتها لاتفاقية السلام الشامل أكدت أن يكون النضال من أجل عملية التحول الديمقراطي و التبادل السلمي عبر الطرق السلمية و نبذ العنف و من هنا لكل حزب رؤيته في النضال السلمي من أجل تحقيق الديمقراطية و الحرية و التنمية و السلام و الاستقرار الاجتماعي و هذا لا يمنع من التحالفات من أجل تحقيق ذلك أو العمل الجماهيري المباشر للحزب مع جماهيره بهدف التوعية السياسية التي تحقق أهداف الحزب كما إن الديمقراطية ليست شعارات تطلق في الهواء أنما الديمقراطية يجب أن تمارس واقعيا لكي تنتج ثقافتها في المجتمع و التفاعل اليومي من خلال المشاركة و عملية النقد التي تقدم يوميا لتصحيح الأخطاء و المشاركة الفعلية التي تؤدي إلي تفاعلات الآراء هي التي توسع مساحات الديمقراطية و بالتالي تعتقد قيادة الحزب أن أية مشاركة و تفاعل يربط الحزب بالجماهير و يؤدي تعميق الثقافة الديمقراطية في المجتمع فالحزب لا يرفضه.
ثانيا – إذا كانت المشاركة إتلاف سياسي بين حزبين لتحقيق أمل الجماهير السودانية المتطلعة للحرية و الديمقراطية و المشاركة هي مشاركة ائتلافية بين حزبين أو أكثر و لكل واحدة من هذه شروطها فإذا كان الائتلاف ثنائي في الحكومة القادمة تبقي الحقائب الوزارية و الدستورية أيضا مناصفة حيث يؤكد الحزب الاتحادي أن الرئيس البشير هو رئيس الجمهورية و لكن وظيفة نائب رئيس الجمهورية يجب أن تكون من نصيب الحزب المشارك في الائتلاف حتى تكون المشاركة فاعلة و هذا ينسحب علي الحقائب الوزارية أن تكون الوزارات السيادية مناصفة و كذلك الخدمية و هذا ينسحب علي الولايات أما إذا كانت الحكومة قومية أيضا هي تأخذ ذات التقسيم باعتبار المشاركة هي مشاركة فعلية في كل مؤسسات السلطة و هي التي تؤدي إلي السلام و الاستقرار  و حتى الحوار حول حل المشاكل في دارفور و النيل الأزرق و جنوب كردفان أن يشارك الحزب بفاعلية  و لكن المؤتمر الوطني من خلال المشاركة المطروحة و التي يعرضها علي الحزب الاتحادي هي مشاركة صورية يريد فقط موافقة الحزب الاتحادي و يحدد له الوزارات التي يجب أن يشارك فيها و هذه رؤية تتعارض مع مكانة و تاريخ الحزب الاتحادي الديمقراطي.
ثالثا – أن الحزب الاتحادي الديمقراطي عندما يشارك في السلطة يشارك وفقا لبرنامج سياسي متفق عليه و يجب أن يطرح علي الجماهير باعتبار أن الجماهير سوف تحكم علي الحكومة وفقا للبرنامج الذي قدمته للناس و هذه أيضا من أهم القضايا المختلف عليها مع حزب المؤتمر الوطني.
رابعا -  أن تكون مشاركة الحزب في المواقع الدستورية مشاركة حقيقية و ليست صورية بمعني أن أية وزارة أو موقع دستوري من نصيب الحزب لشاغله السلطة الكاملة في تغيير الطاقم الذي يعمل معه لتحقيق الأهداف و ليس سلطة فوقية لا تملك تسير الأوضاع داخل الموقع حيث يكون محاصر بجيش من التابعين لحزب المؤتمر الوطني و هذا يخل بمبدأ المشاركة الفاعلة الإيجابية التي يطمح لها الحزب.
خامسا – أن الحزب الاتحادي الديمقراطي لا يرفض المشاركة في حكومة قومية عريضة وفق برنامج سياسي متفق عليه و لكن المشاركة أيضا للحزب هي مشاركة فاعلة و ليس كما كانت في الفترة الانتقالية حيث كانت في يد  المؤتمر الوطني كل مقاليد الأمور و كان الوزراء هم واجهات لا يملكون حتى اتخاذ القرارات في وزاراتهم الأمر الذي جعل مشاكل و مشاكسات الفترة الانتقالية أكثر من انجاز قضايا المواطنين و هي التي كانت سببا في انفصال الجنوب.
سادسا – أن تكون هناك لقاءات دورية بين زعامات القوي المشاركة في الحكومة بهدف متابعة تنفيذ البرنامج المتفق عليه و تزلل العقبات التي تعترض طريقه من أجل ضمان المشاركة الفاعلة.
سابعا – هناك العديد من القضايا و هي متروكة للحوار بين الزعامات السياسية باعتبار أن الظرف الذي يمر به السودان هو من أخطر الظروف التاريخية التي تعترضه منذ استقلال السودان عام  1956حيث فرض علي السودان تحديات داخلية و خارجية و هي التي تسببت في النزاعات الداخلية و الحروب التي تتولد من بعضها البعض فجاء اليوم الذي تنهض فيه القوي الوطنية من أجل أن تواجه هذه التحديات بهمة وطنية بعيدا عن المصالح الحزبية الضيقة و بالتالي إن الحزب الاتحادي ظل ينادي منذ توقيع اتفاقية السلام الشامل يجب معالجة القضايا بحس قومي و لكن تجاهل نداءاته هي التي قادت إلي الانفصال و محاصرة البلاد بهذا الكم الهائل من المشاكل الداخلية و الخارجية.
إن مشاركة الحزب الاتحادي الديمقراطي في السلطة ليست هي مشاركة بهدف المشاركة فقط في السلطة و لكنها مرتبطة بسؤال مهم لماذا المشاركة و خاصة في هذا الظرف التاريخي الخطير الذي يمر به السودان حيث إن الحزب الاتحادي طوال تاريخه كان دائما إلي جانب مطالب و حقوق الجماهير و سيظل كذلك لقد ظل الحزب خارج السلطة لأكثر من عقدين دون أن يؤثر ذلك علي الحزب و جماهيره و كان ابتعادا لظروف أملتها الرؤية غير الديمقراطية لسلطة الإنقاذ التي تريد أن تسيطر علي الدولة و مؤسساتها و هي رؤية قد أثبت التاريخ و الواقع إنها رؤية فشلت في تحقيق الرفاهية للشعب كما فشلت في تحقيق السلام و الاستقرار الاجتماعي لذلك كانت اتفاقية السلام الشامل و كان الحزب قد أكد تكرارا و علي لسان زعيمه السيد الميرغني إن الاتفاقيات الثنائية لا تحل المشاكل السودانية و لا تؤدي إلي السلام و لكن المشاريع السياسية الوطنية التي يتفق عليها الناس هي التي تحقق طموحات و أمال الجماهير و  هذا التأكيد يتكرر الآن بعد ما تغير حدود و واقع السودان أن الحوار الوطني و فتح الباب للمشاركة الفاعلة هو الذي يخفف وطأة العنف في المجتمع و يحقق السلام و يجب علي المؤتمر الوطني أن ينظر للقضايا بعين وطنية بعيدا عن المصالح الحزبية الضيقة.
هناك بعض قيادات المؤتمر الوطني التي تدرك الظرف التاريخي الخطير الذي يمر به السودان و هي تقرأ الواقع قراءة جيدة لذلك هي تطرح تصورات لا بأس بها و لكنها تظل تصورات شخصية لم تتبلور لكي تكون رؤية حزبية متفق عليها و ربما يكون ذلك الذي يظهر هناك صراعا داخل المؤتمر الوطني و لا اعتقد أن الحزب الاتحادي الديمقراطي سوف يكون بعيدا عن المشاركة في أية حكومة قادمة إذا استوعبت قيادات المؤتمر الوطني رؤية الحزب الاتحادي و نظرت للموضوع نظرة موضوعية وطنية تهدف لانتشال السودان من وهدته بأيدي جميع أبنائه و في الختام نسأل الله التوفيق للجميع.