لقد قرأت المقابلة الصحفية التي أجرتها جريدة الصحافة مع السيد علي السيد كما قرأت عددا من المقالات منها للسيد علي نايل ثم أخبار في صدر الصحيفة حول عملية الإصلاح داخل الحزب الاتحادي الديمقراطي " دون تميز حسب عملية التسجيل" إضافة لعدد من البيانات صادرة من المجموعات المختلفة و رغم أن المجموعات ساعية لتوحيد الحركة الاتحادية إلا أن بياناتها تؤكد تجذير قضية الاختلاف و المتابع لتطورات و صراعات الحركة الاتحادية أو الحزب كما يحلو للبعض الأخر يتبين إن هناك خلافا بين التيارات الاتحادية المختلفة في السياسة و ليس في الفكر الغائب باعتبار أن قضية الفكر ظلت غائبة منذ أن تحقق استقلال السودان عام 1956 و هذه ليست قناعتي الشخصية أنما قناعة العديد من القيادات الاتحادية أولهم الزعيم إسماعيل الأزهري عندما قال في المقابلة الصحفية التي أجراها معه مراسل جريدة ديلي تلغراف ألندنية عام 1954 و هو في طريقه إلي لندن قال " إن الحزب الوطني الاتحادي تألف من عناصر مختلفة في أفكارها السياسية من هنا كان طبيعيا أن يقع بينها اختلاف في الرأي و لكنه قد آن الأوان الذي يلزم فيه أن يحدد الحزب أغراضه و أن يتم ذلك قبل تقرير المصير" " كتاب الأزهري و عصره ص 217" كما أن المرحوم الشريف زين العابدين الهندي كان يعتقد أن الحركة الاتحادية هي في طور التخلق و جاء تقرير المصير الذي فاز فيه الاتحاديون بأغلبية ثم جاء الاستقلال و لم يحدث شيئا فيما تحدث عنه الأزهري بل إن الحزب قد شهد انقساما أدي إلي بروز حزب الشعب الديمقراطي ثم عاد و التحم الحزب مرة أخرى و لكن دون برنامج سياسي واضح يلتزم الأعضاء به أنما أعتمد الحزب علي قوة الكارزما أن كانت متجسدة في الزعيم الأزهري و من بعده الشريف حسين الهندي ثم أخيرا في السيد محمد عثمان الميرغني الأمر الذي أدي لتراجع دور المؤسسة و نضب الحزب من العناصر الفكرية التي كان من المفترض أن تنتج الثقافة و الفكر و تحول الحزب لمجموعة من التنفيذيين.
في هذا المبحث لا أريد  مناقشة الآراء الاتحادية أنما أحاول أن أناقش القضية من الناحية الفكرية و قبل أن ألج إلي ذلك أكد في مقدمة المبحث أن أية وحدة للحركة الاتحادية بعيدا عن السيد محمد عثمان الميرغني لا تنجح و أن أية دعوة لتشكيل حزب جديد بعيدا أيضا عن السيد محمد عثمان الميرغني في هذا الظرف التاريخي الخطير الذي يمر به السودان و القوي السياسية يعد ضربا من ضروب الجنوب و إن أصحابه لا يقرءون التحولات التي تحدث في المجتمع السوداني قراءة صحيحة باعتبار أن الحركة الاتحادية إذا رضي الناس أو أبو أنها تتكون من عنصرين الاتحاديين و الطائفة الختمية و هما يمثلان اجتماع نقيضين فلتجاوز هذا التناقض في الظرف الحالي يجب الالتفاف حول السيد الميرغني للخروج من شرنقة الأزمة السياسية و أقول ذلك رغم أنني أختلف اختلافا جوهريا مع السيد محمد عثمان الميرغني في فكره و طريقة إدارته للحزب و تصوره حتى للعمل السياسي.
السؤال الجوهري الذي يناقشه المبحث لماذا تتشقق الحركة الاتحادية و لا تتوحد رغم ما بذل من عمل و جهد لوحدتها؟
في كتابي الذي صدر عام 2009 " دور الحزب الشيوعي في انشقاقات الحركة الاتحادية" ذكرت أن الدعوة التي كان قد قدمها الأمين العام للجبهة الوطنية المعادية للاستعمار عبد الوهاب زين العابدين عام 1947في أن اليسار يجب أن ينخرط في الحركة الاتحادية و باعتبار أن اليسار يمتلك الفكر و أن الحركة الاتحادية تمتلك الجماهير و خاصة الطبقة الوسطي و يصبح اليسار هو العقل المدبر لها و المنتج للثقافة و الفكر داخلها سوف يساعد علي ديمومة أية نظام ديمقراطي مستقبلا و يعتقد زين العابدين إن هذا التلاحم سوف يحافظ علي ترابط هذه الطبقة و يجعلها الضامن للنظام الديمقراطي في المستقبل و لكن هذه الفكرة قد اصطدمت مع طموحات عبد الخالق محجوب الذي أقصي عبد الوهاب زين العابدين من موقعه" فحديث زين العابدين يؤكد أن الفكر هو الذي كان غائبا عن الحركة الاتحادية رغم إن جل قيادات الأحزاب الاتحادية كانت عناصر مثقفة و جاءت من خلفيات ثقافية عالية إن كانت الروابط الأدبية أو أنها كانت ذات معارف واسعة بحركة الفكر الخارجي أن كانوا فابيين أو ماركسيين أو وجوديين و غيرها من الأفكار.
معروف أن الحركة الاتحادية قد اعتمدت اجتماعيا علي الطبقة الوسطي و كانت جماهيرها هي جماهير المدن و الطبقة الوسطي أو ما يسمي بالبرجوازية الصغيرة هي التي استطاعت أن تقود عملية التنوير في أوروبا و تقوض النظام الإقطاعي و لآن الطبقة الوسطي هي طبقة متذبذبة في أفكارها و مضطربة في مواقفها بحكم موقعها الاجتماعي و لكنها أيضا هي الطبقة التي تحفظ التوازن الاجتماعي و تقوم بعملية التنوير و هي التي تحدث التغيير في أية مجتمع و رغم اعتماده  الحزب الاتحادي علي هذه الطبقة إلا أنه لم يستطيع أن يحافظ علي النظام الديمقراطي و لم يستطيع أن يبني حزبا متماسكا بل أن الحزب قد شهد انقسامات عديدة و أصبح مجموعات إن كان ذلك في عهد الديمقراطية الثالثة أو في عهد الإنقاذ باعتبار إن الحزب لم يستطيع حتى الآن أن يخلق الأسباب التي تتوحد علي ضوئها الحركة الاتحادية نجد في أوروبا و في ظل التحولات الاجتماعية من مجتمع الإقطاع إلي المجتمع البرجوازي و الذي نفذته الطبقة البرجوازية و إن الطبقة الوسطي هي التي قامت بعملية التنوير و هي طبقة مضطربة  لذلك جاءت دعوات من داخل الطبقة الوسطي تدعو لعقد اجتماعي و دستور يحتكم الناس إليه و يتراضون عنه  و سعت لتكوين  المجتمع المدني للمساعدة في ترسيخ الديمقراطية و الحرية  في المجتمع كل تلك الإسهامات قد خلقت استقرارا في المجتمع و عالجت الصراعات و النزاعات بأدوات سلمية توافق عليها ما أدي إلي السلام و الاستقرار الاجتماعي و لكن نجد إن الحزب الاتحادي رغم أنه يعتمد علي الطبقة الوسطي إلا أنه من أفقر القوي السياسية إنتاجا فكريا و نخبه انخرطت في العمل السياسي و فارقت العمل الفكري الذي يوحد قاعدتها ثم اعتمدت علي الكرزما دون المؤسسة و بالتالي ألغت الكارزما دور المؤسسة مما ضيق المواعين الديمقراطية في المؤسسة الحزبية هذا المنهج ظل سائدا حتى مجيء السيد الميرغني لقمة الهرم و ظل الرجل أيضا يعتمد علي كرزمته دون المؤسسة في العمل السياسي هذا المنهج جعل العديد من قاعدة الحزب تبحث عن متنفس خارج دائرة الحزب.
جاء انقلاب عبود من عناصر تمثل الطبقة الوسطي و جاء من بعده النظام الديمقراطي و  لم تتعظ القيادات الاتحادية و سارت علي ذات المنهج القديم بل هي ساعدت علي تقويض الديمقراطية الثانية بدورها في حل الحزب الشيوعي و طرد نوابه من البرلمان وغيرها من المواقف غير الديمقراطية فكانت ممارساتها تسير عكس تيار الديمقراطية فعندما حدث انقلاب جعفر محمد نميري شارك فيه عدد من القيادات الاتحادية و كانت تعتقد بمشاركتها أنها لا تقف ضد مبادئها باعتبار إن المؤسسة العسكرية نفسها هي تمثل الطبقة الوسطي و كانت تبرر مشاركتها أن الحزب الذي تنتمي له ليس لديه مبادئ فكرية موحدة متفق عليها و لآن عناصر الطبقة هم عناصر طامحة للسلطة ساندوا المؤسسة العسكرية بهدف انجاز البرنامج الذي لم يستطيعوا تنفيذه في ظل النظام الديمقراطي و كل هذا التبرير باعتبار إن الحركة الاتحادية أخفقت في تشييد بناءها السياسي و الفكري وظلت حتى الآن دون أنتاجا فكريا يلتف حوله الناس أو مؤسسة سياسية ديمقراطية تكون جاذبة لعناصر الطبقة الوسطي الأمر الذي جعل دورها يضعف في المجتمع.
أن التحدي الذي واجهته الحركة الاتحادية في أنها لم تستطيع أن تعمق أطروحاتها الفكرية في المجتمع و توسع من دائرة المؤسسات المدنية لكي تدعم البناء الديمقراطي أدي إلي ظهور قوي جديدة في المجتمع تعتمد علي الطبقة الوسطي و تصارع من أجل استقطابها و لكن بقيم جديدة ليس لها علاقة بقضية الحرية و الديمقراطية  في الوقت الذي كان يشهد فيه الحزب الاتحادي تراجعا كبيرا نتيجة لضعف في قيادته و غياب الديمقراطية  عن مؤسسته و الغريب إن كل الذين سعوا من أجل تمييز  أنفسهم عن المجري العام للحزب باعتبار أنهم دعاة الحرية و الديمقراطية كانوا في الواقع أكثر غلوا في ممارسة الديكتاتورية و خير مثال الانشقاق الذي حدث في الحزب الاتحادي المسجل الذي أنشق في أوائل التسعينيات عن التيار العام للحزب الذي يقوده السيد الميرغني هذا التيار كان يعتقد أن الديمقراطية و الطائفية خطابان سياسيان لا يمكن أن يلتقيا  و لكن في النهاية أصبح التيار المنشق يبحث طريقا للعودة و الارتماء في أحضان الطائفية هذا يؤكد أن الفكرة الاتحادية لم تتبلور بعد لكي تصبح برنامجا سياسيا يلتقي عنده الجميع و ستظل الفكرة غائبة للضعف الذي حدث في بنية الطبقة الوسطي التي تعتمد عليها الحركة الاتحادية و عندما قال الشريف زين العابدين إن الحركة الاتحادية في طور التخلق كان يقصد أنها تحتاج لحوار عميق داخل الطبقة الوسطي لكي تستطيع أن تنتج فكرها الذي تلتف حول القاعدة و بدون وجود هذه الفكرة تغدو الوحدة الاتحادية سرابا لا طائل منه.
عندما جاء انقلاب الإنقاذ لم يكن انقلابا للمؤسسة العسكرية أنما كان انقلاب حزب سياسي و كان قارئا للساحة السياسية قراءة عميقة و يعرف تركيبة المجتمع والماكنزمات المؤثرة فيه لذلك أسس وزارة التخطيط الاجتماعي لكي يحدث نقلة نوعية داخل المجتمع و غير التركيبة فيه و أول ما بدأ بها هي الطبقة الوسطي حيث أعمل معاول الهدم فيها لإعادة تركيبها من جديد بما يتلاءم مع الواقع الجديد فالتغيير الذي حدث في بنية الطبقة الوسطي من جراء التدهور الذي حدث في الاقتصاد أبرز في البداية الطبقة الطفيلية و هي طبقة تنتج وعيا زائفا و ترتبط ارتباطا قويا بالسلطة القائمة غض النظر عن مبادئ السلطة و ليس حبا في خطابها السياسي و لكن لآن السلطة تشكل لها الحماية و تسهل لها عملية المضاربات الاقتصادية كان لابد أن تلتف هذه الطبقة الطفيلية حول السلطة هذا التحول في المجتمع كان له أثرين علي الحركة الاتحادية الأول أنه جعل الطائفة تنفرد بالحزب و هي طائفة لا تملك فكرا و لا أدوات التغيير و التحديث بحكم وضعها الاجتماعي و في ذات الوقت أن الطائفة لكي تحافظ علي موقعها في قمة الهرم جاءت بعناصر لا تملك القدرة علي الصراع و ضعيفة من الناحيتين الفكرية و التنظيمية هذا الضعف لا يؤهلها أن تقدم أية نوع من المبادرات تحدث بها تغييرا سياسيا أو تنظيميا في الحركة الاتحادي هذا الدور السلبي للقيادة جعل الحزب الاتحادي الديمقراطي خارج دائرة الأحداث و بعيد عن المبادرات و المثال علي ذلك إن الحزب الاتحادي كان يقود التجمع الوطني الديمقراطي في المعارضة و لكن ما هي النتيجة و المحصلة النهائية إن الحزب كان خارج دائرة الأحداث الفعلية بل كان مراقبا لكل المحادثات التي كانت تجري بعيدا عنه و هذا يعود لفشل في قيادة العمل السياسي السبب الثاني إن العناصر الفاعلة و المؤهلة سياسيا كانت خارج دائرة الفعل الحزبي الأمر الذي انعكس سلبا علي دور الحزب الاتحادي الديمقراطي.
السؤال لماذا هذه النهضة الجديدة وسط التيارات الاتحادية و الدعوة من أجل التوحد؟
كما ذكرت سابقا أن ضعف الطبقة الوسطي أثر سلبا علي الاتحادي الديمقراطي و لكن بعد النهضة الاقتصادية و زيادة معدلات النمو الذي حدثت في الاقتصاد السوداني بسبب عائدات النفط أحدث بدوره انتعاشا قليلا في الطبقة الوسطي و زيادة في رقعتها ثم التوسع في التعليم أفقيا ورأسيا أيضا كان عاملا مساعدا لنهضة هذه الطبقة مما دفعها لكي تعيد مكانتها السياسية مرة أخري خاصة بعد فشل برنامج الإنقاذ السياسي فما كان أمامها إلا الرجوع لمؤسستها التاريخية و لكن دون أن تقدم أية إنتاجا فكريا و تنويرا يعيد بناء المؤسسة علي أسس ديمقراطية جديدة و تبدأ الصراع ليس من خارج المؤسسة كما تفعل الآن بل من داخل المؤسسة لكي تهزم التيارات الرافضة و هي تيارات سوف تقاتل بشراسة باعتبار أنها تقاتل من أجل مصالحها الذاتية و ليس لمصلحة المؤسسة و هذه التيارات سوف تلتف حول السيد الميرغني و تحاول أن تقدم شتي المسوغات في إن التيارات الداعية إلي الإصلاح هي تيارات دخيلة علي الحزب و غير اتحادية كأنما الحزب قد قفل أبوابه أمام حركة الاستقطاب الجماهيري و هذا الصراع يجب أن يكون صراعا فكريا و تنظيميا لكي ينتج وعيا حقيقيا و قيادة مؤهلة و قوية و متمرسة فأن البعد من السيد الميرغني ليس في مصلحة الوحدة و تطوير و تحديث الحركة الاتحادية أنما الالتفاف حوله و العمل من أجل التصحيح و الإصلاح تحت قيادته هو الذي يخلق المؤسسة المطلوبة خاصة أن الحركة الإسلامية و قوي اليسار تشهد تراجعا كبيرا جماهيريا بحكم الخطاب الطاغي في الساحة الإقليمية و الدولية و لكن السعي من خلال الشعارات و الدعوات الاجتماعية و الشللية أو إعادة إنتاج الماضي علي قوالب جديدة لا يحقق وحدة باعتبار أن السيد إسماعيل الأزهري و الدور العظيم الوطني الذي قام به أصبح دورا تاريخيا و كذلك السيدين حسين و زين العابدين الهندي و أن الأجيال سوف تتعرف عليهم تاريخيا و لكن الواقع السياسي يحتاج لقيادات جديدة علي فكر جديد و هو الذي يخلق البيئة الصالحة للوحدة و الله الموفق.  
zainsalih abdelrahman [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]