zainsalih abdelrahman [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
يحمل خطاب الرئيس عمر البشير رئيس الجمهورية و رئيس المؤتمر الوطني في اجتماع مجلس شورى حزب المؤتمر الوطني العديد من الإشارات السياسية و خاصة في ما يتعلق بقضية الوفاق الوطني و الدستور الدائم للبلاد و قضية الاقتصاد بعد انفصال الجنوب و غيرها من القضايا المتعلقة بقضية الاستقرار و السلام الاجتماعي في السودان و سوف أتناول بعض القضايا المطروحة في الخطاب علي منهج نقدي بهدف تسليط الضوء عليها و الجوانب الأخرى المتعلقة بها " profile of problems " و السيد رئيس الجمهورية دائما يتعرض في خطاباته لعديد من القضايا التي تعتبر حجر الزاوية في المشكلة السودانية دون أخذ الاعتبار للجوانب الأخرى و قد تكرر ذلك عدة مرات فأصبح الخطاب ثابتا لا يتجاوز محطاته و باتت القضايا مكان الاختلاف تتعمق أكثر دون انفراج يحدث فيها و هذا يؤكد أن هناك هواة كبيرة بين المؤتمر الوطني و القوي السياسية الأخرى مما يعزز قولنا المتكرر ليس هناك أية أرضية مشتركة بين خطاب المؤتمر الوطني و القوي السياسية رغم العديد من تصريحات قيادات المؤتمر الوطني هناك تقارب قد حدث في الحوار مع حزبي الأمة القومي و الاتحادي الديمقراطي و في قول الرئيس البشير الخبر اليقين.
لقد تابعت في أجهزة الإعلام السودانية و الأجنبية خطاب السيد رئيس الجمهورية رئيس المؤتمر الوطني في مجلس الشورى لحزب المؤتمر الوطني و كنت قبل النظر في محتويات الخطاب أيضا ابحث عن تبعية مجلس الشورى هل هو تابع للمؤتمر الوطني أم للحركة الإسلامية باعتبار أن الكنية الثقافية هي كنية إسلامية و لكن في كل و سائل الإعلام قد أكدت أنه تابع للمؤتمر الوطني و هنا يتأكد أن حزب المؤتمر الوطني أخذ منحي بعيدا عن تشابك العلاقة قبل عام 1999 و يتأكد أن المؤتمر الوطني ربما يحاول البحث عن له عن هوية تبعده عن المنشقين و لكن في نفس الوقت تجعله متعلق بأهداب الدائرة الإسلامية لذلك تستدعي بعض الشعارات الإسلامية عندما يتعرض النظام لبعض المطبات الهوائية.
فلنرجع لخطاب السيد رئيس الجمهورية رئيس المؤتمر الوطني حيث يقول " هذه المرحلة تتمثل في ضرورة استمرار الحوار مع كل مكونات المجتمع السوداني السياسية و الاجتماعية و الأهلية من أجل الخروج بإستراتيجية للخمس أعوام المقبلة تقوم علي قدر كبير من التوافق و المشاركة للقوي و الاجتماعية و الأهلية في الساحة السودانية" هذه المقولة للسيد الرئيس لم ترتبط بمرحلة من المراحل و قد وردت في أغلبية خطاباته أن كان علي منير رئاسة الجمهورية أو علي منبر المؤتمر الوطني رغم أن السيد الرئيس دائما يخلط المنابر و هي تعد في حد ذاتها إشكالية تريد علاج و لكن هذه المقولة المشار إليها لم تجد الطريق للتطبيق السليم  لكي تخلق هذا التوافق الوطني  لعدة أسباب تتعلق بطريقة التفكير ليس في المؤتمر الوطني و لكن في ذهنية القيادات المتحكمة في مسار سلوكيات المؤتمر الوطني و هي تتركز في الأتي:-
أولا – أن حزب المؤتمر الوطني نفسه يحتاج لتوافق داخلي يحسم قضية الهوية داخل المؤتمر الوطني هل هو حزب يستمد تاريخه السياسي من ورثة الحركة الإسلامية أم هو حزب كتبت شهادة ميلاده بعد الانشقاق الذي حدث في الإنقاذ و أدي لخروج الدكتور الترابي و جماعته و بالتالي يعد حسم الهوية مسألة مهمة جدا لكي يحدث التوافق الداخلي لأن هناك مجموعات دخلت المؤتمر الوطني تعتقد أنها جزءا من الحركة الإسلامية و من تاريخها و هناك الأعضاء المنبتين الذين يعتقدون أن الإنقاذ لم تعد تلك الحركة الإسلامية أنما هي أصبحت خليط لمجموعات وافدة  " multipolitics " تحمل مرجعيات بعيدة عن المرجعيات الإسلامية و التي تشكل الهوية الجديدة للحزب الحاكم و هناك البعض الذي يعتقد أن المؤتمر الوطني أصبح يزحف لمنطقة الوسط السياسي في السودان بعيدا عن أرث الحركة الإسلامية و يبحث له عن هوية جديدة تعبر عن منطقة الوسط فهي إشكاليات أن كانت لم تبرز بشكل قوي للسطح و لكنها تنخر في عظم الإنقاذ و تشكل أداة ضعف و عدم ثقة بالمستقبل و الدخول بقوة في قضية التوافق الوطني مع القوي السياسية الأخرى.
ثانيا – أن السيد رئيس الجمهورية يعتقد أن التوافق الوطني يمكن أن يحدث دون تقديم أية تنازلات من قبل المؤتمر الوطني في اعتقاد أن القوي السياسية تبحث فقط للمشاركة في السلطة التنفيذية و المؤتمر الوطني يتيح لها هذه المشاركة و هي مشاركة أيضا مرهونة بقبول شروط المؤتمر الوطني باعتبار أن المؤتمر الوطني سوف يسيطر علي السلطة التشريعية متمثلة في البرلمان و في السياسة الخارجية و في المشاركة لحل كل التحديات و المشاكل الداخلية و قضية التحول الديمقراطي  و هذه تمثل حق الفيتو في كل القضايا و هو بيد رئاسة الجمهورية إذن تبقي مشاركة القوي السياسية مشاركة صورية و لا اعتقد أن هناك حزب يحترم نفسه يقبل مثل هذه المشاركة مما يعيق عملية التوافق الوطني.
ثالثا – يعتقد السيد الرئيس و بعض القيادات القريبة منه أن المؤتمر الوطني في سيطرته المباشرة علي القوي العسكرية في الدولة قادر علي حسم أية إشكاليات تحدث تهدد النظام و أيضا يعتقدون أن المشاركة الفاعلة من قبل القوي السياسية ربما تؤثر علي تغيير القناعات داخل تلك المؤسسات و بالتالي يجب أن تكون مشاركة القوي السياسية رمزية فقط داخل السلطة التنفيذية علي أن تبقي الأغلبية في يد المؤتمر الوطني و هذا الفهم يجعل هناك عقبات أمام الوصول لتوافق وطني علي أسس مقبولة.
رابعا – أن قضية المحكمة الجنائية الدولية تمثل عقبة أيضا في قضية التوافق الوطني باعتبار أن هناك قوي سياسية خاصة حزب الأمة القومي  و المؤتمر الشعبي و الحزب الشيوعي جميعهم يؤيدون إجراءات المحكمة باعتبار أنها الكرت القوي الذي تستخدمه المعارضة ضد المؤتمر الوطني و هي تمثل كعب أخيل في قضية التوافق الوطني.
إذن قضية التوافق الوطني ألتي تكررت في حديث السيد رئيس الجمهورية رئيس المؤتمر الوطني تحتاج حقيقة إلي اختراقات كبيرة جدا تحدث في الذهنية السودانية السياسية في الجانبين الحكومة متمثلة في حزبها المؤتمر الوطني و في القوي السياسية المعارضة لكي يحدث التوافق الوطني و إلا سوف تصبح قضية التوافق الوطني إشارات داخل الخطابات السياسية ليس لها فاعلية في الواقع السياسي.
يقول السيد رئيس الجمهورية رئيس المؤتمر الوطني " العمل في هذه المرحلة علي وضع دستور جديد للسودان بمشاركة واسعة و تشكيل لجنة قومية موسعة تمثل كل الطيف السياسي و الاجتماعي و المهني و غيره تعرض ما تعده من وثيقة علي الهيئة التشريعية القومية ثم بعد إجازتها ستعرض علي استفتاء عام لتأخذ قوتها و إجازتها من الشعب السوداني"  هذه المقولة تحمل بين طياتها العديد من الدلالات السياسية المبطنة و لا اعتقد إنها خافية علي القوي السياسية و أن السيد رئيس الجمهورية بعد ما يذهب خطوة متقدمة لكي يحدث التوافق حول قضية مهمة في عملية الاستقرار السياسي و السلام الاجتماعي بوضع دستور تشارك فيه كل القوي السياسية يضطر لكي يرجع خطوتين لكي يوقف هو نفسه المسيرة التي يريدها أن تتحرك. أن السيد رئيس الجمهورية بعد ما تحدث عن تشكيل لجنة قومية موسعة تمثل كل أنواع الطيف السياسي لكي تضع دستورا جديد للسودان يضع شرطا ينسف ما تقدم عندما يؤكد أن أعمال اللجنة سوف تعرض علي البرلمان و هو يريد أن ينتزع اعترافا من القوي السياسية بشرعية الانتخابات التي شككت فيها و بموجبها تكون البرلمان و لا اعتقد أن القوي السياسية تقبل ذلك لآن اعترافها بشرعية الانتخابات تكون قد حكمت علي نفسها بالإهمال من قبل السلطة الحاكمة و عدم أحقيتها في المشاركة في أية عمل إلا إذا تفضل عليها المؤتمر الوطني صاحب الشرعية و رفض القوي السياسية المشاركة في حكومة عريضة و الدولة لحكومة انتقالية المقصود منها هو عدم الاعتراف بشرعية نتائج الانتخابات و ما تتمخض عنه فكيف تقبل أن ترجع كل العمل الذي توافقت عليه أن يصححه المؤتمر الوطني و يعدل فيه ما يشاء من خلال برلمانه الذي يمتلك فيه 99% هل القوي السياسية بهذا الجهل السياسي؟.
القضية الأتي يجب أن تدركها قيادات المؤتمر الوطني و السيد رئيس الجمهورية هي إذا كان المؤتمر الوطني يعتقد أن الانتخابات صحيحة و نزيهة و مقبولة من قبل القوي السياسية و المجتمع الدولي يبقي مهمة البرلمان الذي جاءت به هذه الانتخابات هو وضع دستور جديد للبلاد و دون الذهاب للقوي السياسية لآن الشعب السوداني فوض أعضاء البرلمان بهذه المهمة و هي مجال اختصاص البرلمان أما إذا يعتقد السيد رئيس الجمهورية أن هناك موقفا واضحا من قبل القوي السياسية بعدم اعترافها بنتائج الانتخابات و ما ترتبت عليه لذلك جاء الاتجاه لتشكيل لجنة قومية لكي تضع الدستور إذن لا داعي الرجوع للبرلمان إذا اتفقت القوي السياسي في وضع دستور جديد لأنها لا تعترف بشرعية البرلمان و بالتالي يجب أن تذهب مخرجات اللجنة مباشرة للاستفتاء من قبل الشعب السوداني لكي تسهل عملية قبول مشاركة القوي السياسية في اللجنة التي تضع الدستور  و ممكن أن يتجاوز المؤتمر الوطني القوي السياسية و يعتمد علي أحزاب التوالي التي صنعها لوضع الدستور و الذهاب إلي البرلمان و جازته ثم عرضه للشعب و يخرج نتيجة الاستفتاء التي يريدها و لكن سيظل هو دستور المؤتمر الوطني و ليس السودان و عدم اعتراف القوي السياسية بالدستور الجديد يعني تظل المشاكل السياسية تواجه السلطة الحاكمة.
و لكن السيد الرئيس يرجع مرة أخرى لكي يتحدث عن قضية التوافق الوطني عبر السلطة التنفيذية و لكن بأفق أفضل عن ما كان يتحدث عنه في السابق عندما يقول " يلتزم حزب المؤتمر الوطني بتشكيل حكومة عريضة بإشراك كل القوي السياسية إلا من آبي في أطار برنامج مشترك متفق عليه" أعتقد هذه الإشارة موجهة لحزبي الأمة القومي و الاتحادي الديمقراطي باعتبار أن الحزبين يدخلان الآن في حوار مع المؤتمر الوطني و قد أكدت العديد من قيادات المؤتمر الوطني خاصة السيدان الدكتور مندور المهدي أمين أمانة الإعلام و الدكتور حاج يوسف أدم أمين الأمانة السياسية أن حوار حزبهم مع القوي السياسية قد قطع شوطا واسعا للمشاركة عقب انفصال الجنوب في 9 يوليو 2011 باعتبار أن حزب المؤتمر الوطني يرغب في مشاركة الحزبين الاتحادي و الأمة مباشرة في التعديل الوزاري الذي سوف يتم بعد انفصال الجنوب ولا أعتقد أن الحزبين سوف يشاركان في هذه الفترة الحرجة حيث يعتقدان أن المؤتمر الوطني سوف يواجه مشاكل اقتصادية كبيرة تعجل بعملية التغيير السياسي إضافة إلي أن المؤتمر الوطني بدخوله في أبيي سوف يدخل في صراع مع المجتمع الدولي و هناك تحديات كبيرة داخلية و خارجية سوف تواجه المؤتمر الوطني وهم لا يريدون أن يكونوا في معركة هم ليس جزءا منها و هي تعد عقبة في تشكيل الحكومة ذات القاعدة العريضة و لكن هناك إيجابية أوردها السيد رئيس الجمهورية و هي أن تكون الحكومة العريضة في أطار برنامج مشترك متفق عليه و لكن إلي أية مدي يستطيع أن يقدم المؤتمر الوطني تنازلات بهدف وضع هذا البرنامج المشترك و لماذا يقبل أن تشارك القوي السياسية في وضع البرنامج دون شروط ثم يقدم اشتراطات في مكان أخر رغم أن السيد رئيس الجمهورية و قيادات المؤتمر الوطني الأخرى تعتقد أن الحركة الجماهيرية الواعية تقف معها في خندق واحد و من يعتمد علي الحراك الجماهيري و تأييده لا اعتقد يضع شروطا في عمليات الحوار و مشاركة كل القوي السياسية لأنه يستطيع حسم الأمر ديمقراطيا أما إذا كانت هناك توهمات في الموضوع هي التي تضع الشروط التعجيزية.
و في القضية التي تحدثنا عنها كثيرا ارتباط الحزب بالدولة حيث لم تصبح هناك حدودا فاصلة بين الدولة و الحزب يقول السيد رئيس الجمهورية في حديثه " أننا عازمون في المؤتمر الوطني علي تشكيل لجنة برئاسة نائب رئيس المؤتمر الوطني لشئون الحزب الدكتور نافع علي نافع مختصة بالطواف علي كل الوزارات و المؤسسات و الهيئات الحكومية و اتخاذ إجراءات صارمة جدا لتعزيز الشفافية و الرقابة"  كنت أفهم أن الحزب يوجه عضويته في الحكومة و رئاسة الجمهورية بتشكيل لجنة ثم يصدر السيد عمر البشير بصفته رئيس الجمهورية قرارا بتشكيل لجنة برئاسة الدكتور نافع علي نافع باعتباره مساعد رئيس الجمهورية و هنا تكون الإجراءات سليمة دستورا و قانونا ولكن كيف يكلف السيد رئيس حزب نائبه بتشكيل لجنة لكي تطوف علي مؤسسات حكومية ما هي العلاقة الدستورية و القانونية بين الحزب و مؤسسات الدولة و كيف يفهم السيد رئيس المؤتمر الوطني هذه العلاقة و هو بصفته رئيس الجمهورية و الرقيب علي الدستور و تطبيق القانون كان يجب أن لا يفوت عليه هذا الاختلاط و لكنه الفهم الخاطئ في عملية التماهي و الاندماج بين الحزب و الدولة و هي العلاقة الخطأ التي لا يسندها دستور أو قانون و تؤكد ديكتاتورية النظام الحاكم لآن مثل هذه العلاقة لا تكون إلا في الدول التي تحكم بنظام الحزب الواحد و الدول غير الديمقراطية و الغريب في الأمر أن كل قيادات المؤتمر الوطني في خطاباتها و في سلوكها تؤكد عملية التماهي بين الحزب و الدولة.
إذن يحمل خطاب الرئيس في مجلس شورى المؤتمر الوطني العديد من الإشارات السياسية و لكن تحتاج لترابط بينها لكي تتسق مع بعضها البعض حيث أن السيد رئيس المؤتمر الوطني يبحث عن الوفاق الوطني و مشاركة القوي السياسية ليس من واقع التحديات و المشاكل التي تواجه السودان و التي كان من المفترض أن تجبر الكل أن يتنازلوا و يخلعوا قمصان الحزبية و يتدثرون بلحاف القومية و لكن هناك هواجس تسبب إشكاليات أساسية لمنع الحوار الوطني علي أفق مفتوح و واحدة من أهم المعضلات هي ثقافتنا السودانية التي تسبب حرجا شديدا في إجتراح الموضوعات مثلا قضية المحكمة الجنائية و هي واحدة من المعوقات لقضية الوفاق الوطني و لكن تتحرج منها قيادات المؤتمر الوطني و حتى السيد رئيس الجمهورية في التحاور بشأنها مع القوي السياسية باعتبار أنها تمثل تحديا لبعض قيادات في السلطة و يجب التعامل معها كجزء من المشكلة و لكي تكون هناك ضمانة في التعامل معها بشكل قومي و في ذات الوقت تلوح بها القوي السياسية في وجه المؤتمر الوطني باعتبار إنها أصبحت أحد أدوات الضغط في يد المعارضة و في ذات الوقت تجعل المؤتمر الوطني يتردد كثيرا في التعامل مع الحوار الوطني ببعده الوطني المفتوح و لكن في ظل الأزمات الشديدة تصبح هناك مخارج لا تقدرها المعارضة و السلطة الحاكمة لآن المجتمعات عندما تعجز قياداتها في إيجاد الحلول الناجعة تبدأ تبحث عن حلول بعيدا عن الأطر السياسية المعروفة و بعيدا عن القيادات السياسية المطروحة و هو ما حصل في كل من مصر و تونس و أن المجتمع السوداني لا يمثل استثناء لأنه أيضا يبحث منذ الاستقلال و حتى اليوم عن حلول لمشاكله و لم ينعم بالاستقرار و السلام والله الموفق.