أعلن السيد نائب رئيس الجمهورية  علي عثمان محمد طه في المؤتمر الصحافي الذي عقده مؤخر "عن تعديلات في آليات الحكم, وتغيرات في القيادة و الأشخاص في فترة الجمهورية الثانية بعد التاسع من يوليو عقب انفصال الجنوب لكنه شدد علي ألا مجال لانتخابات جديدة أو تفكيك المؤسسات القائمة ودعا الأحزاب إلي الحوار أولا علي بناء دولة جديدة متحضرة و قال أن الحكومة ليس لديها ما تخشاه مشيرا إلي رجوع الحكومة للمواطن في كل ما يتصل بالحياة العامة من انتخابات و ما يتصل بمعاشه و أشار إلي أنه لا بقاء للنظام الذي لا يحترم الحريات و يمارس الكبت"
أن الدعوة لحوار حول قضايا الحكم يعني هناك مشكلة يجب البحث فيها باعتبار أن الحوار يعني الاقتناع بأن هناك رؤى مختلف حول قضية الحكم المطروحة أذن هو يعني البحث في كل القضايا التي تتسبب في عدم الاستقرار السياسي و في الوقت الذي يؤكد السيد نائب رئيس الجمهورية علي الحوار ليشمل تعديلات في آليات الحكم يتراجع في ذات حديثه و يضع شروطا للحوار باعتبار أن الحوار يجب أن لا يطالب بانتخابات جديدة أو يدعو لتفكيك المؤسسات القائمة أذن ما هو فائدة الحوار إذا لم يمس جوهر القضايا التي تؤثر بشكل مباشر في عملية السلام الاجتماعي و الاستقرار السياسي أن أهم قضية في الحوار أن المعارضة لم تعترف بالمؤسسات القامة باعتبار أنها تطعن في الانتخابات التي جرت في إبريل 2010 لذلك قاطعت الأحزاب السياسية ما عدا الاتحادي الديمقراطي و هو أيضا لم يرض بنتيجة الانتخابات و الغريب في الأمر أن قيادات المؤتمر الوطني تقول أنها تقبل بالحوار السياسي و لكن دون وضع شروط للحوار ثم تضع هي العديد من الشروط بهدف تعقيد الحوار و هو نوع جديد لرفض الحوار و هو ذات الطريق الذي يسير عليه السيد نائب رئيس الجمهورية.
يقول السيد نائب رئيس الجمهورية "لا بقاء للنظام الذي لا يحترم الحريات و يمارس الكبت" و السيد نائب رئيس الجمهورية يعلم يقينا أن الإنقاذ ليس لها علاقة وطيدة بقضايا الديمقراطية و الحرية لآن هامش الحرية المتوفر في البلاد لم يكن نتيجة لقناعة الإنقاذ بقضية الحرية و الديمقراطية أنما هي جاءت محمولة عليه حملا و بالتالي هي تضع العراقيل تلو العراقيل و تحاول أن تكيفها بالصورة التي تريدها بها و دلالة علي ذلك الرقابة القبلية علي الصحف ترفعها ثم تعيدها و التعطيل المستمر في تلك الصناعة استخدام الإعلان كسلاح لمحاربة صناعة الصحافة الرفض التام لإعادة النظر في القوانين المقيدة للحريات الرفض الكامل لعدم التصديق للمسيرات الجماهيرية لقوي المعارضة و للطلاب و خير دليل القمع الذي واجهت به الشرطة لمظاهرات الشباب و الطلاب يوم الأحد الماضي 30/1/2011كل تلك الأحداث و القضايا تؤكد أن السيد نائب رئيس الجهورية يحاول أن يقرأ الأحداث بالصورة التي ترضيه و ليس قراءة للواقع القائم.
دعا السيد نائب رئيس الجمهورية "القوي السياسية و منظمات المجتمع المدني و مراكز البحوث و الدراسات إلي حوار حول شكل الدولة المقبلة و رغم تأكيده بالتزام الحكومة و هو شخصيا بالحكم الرئاسي الفدرالي" أعتقد أن الجملة الأخيرة استدراك للرجل للابتعاد عن جدل داخلي مع قيادات حزبه  و لكنها جملة توضح ما هو مطبق ليس له توافق في حزب الرجل مما يوضح مراكز القوة داخل المؤتمر الوطني أما الدعوة للحوار بمشاركة المؤسسات الأهلية و مراكز الدراسات و البحوث حول قضية الدولة المقبلة بعد ما وضع السيد نائب رئيس الجمهورية شروطا للحوار بعدم المساس بالمؤسسات القائمة أو المطالبة بانتخابات جديدة يؤكد أن الحوار سوف يكون لا طائل منه و جدلا بيزنطيا لا يرجو منه نتائج لآن الحوار يجب أن يصل فيه المتحاورون علي تقارب حول القضايا المطروحة و الاتفاق علي كيفية بناء الدولة الجديدة العصرية و الاتفاق يمثل عقدا اجتماعيا يضع المبادئ الأساسية للدستور الذي يتحاكم عليه الناس و الاتفاق السياسي يجب أن يكون  بين القوي السياسية و منظمات المجتمع المدني و المنظمات المتخصصة في القضايا المطروحة ثم يعرض علي استفتاء للشعب و لكن دعوة السيد نائب رئيس الجمهورية يريد أن يتحاور الناس فيما يفكر فيه فقط المؤتمر الوطني و معروف تماما أن الحرية لا تعطي أنما تنتزع انتزاعا و هو الطريق الذي يبشر به السيد نائب رئيس الجمهورية و هو نفس الطريق الذي يدعو له مساعد رئيس حزب المؤتمر الوطني للشئون السياسية " الدكتور نافع علي نافع" و هو طريق لا يوصل للدولة العصرية التي يتراضي عليها الناس.
أن السيد نائب رئيس الجمهورية لم يتحدث عن الحكومة العريضة التي كان قد تحث عنها السيد رئيس الجمهورية و من المعروف أن السيد علي عثمان محمد طه لا يقتنع بجدوى الحكومة العريضة باعتبار أن الرجل ليس من دعاة المشاركة الواسعة للقوي السياسية في الحكومة و يعتبر أن للإنقاذ خطا أيديولوجيا وسياسيا يجب أن يسود بعيدا عن القوي السياسية و إذا كان لابد من ذلك يجب أن تكون المشاركة رمزية ولكن للرجل فكرة أن يغرق القوي السياسية في ما يسمى بجدل السلطة و الحكم و هو جدل لا يسمن و لا يغني عن جوع أنما يستنزف طاقات القوي السياسية بعيدا عن أدوات الحكم و هي فكرة تستوعبها المعارضة كما تستوعب خط سير السيد نائب رئيس الجمهورية و مراكز القوة داخل المؤتمر الوطني لذلك هي تميل للرد علي ما يجيء في تصريحات السيد رئيس الجمهورية و تتعامل معه رغم الاختلاف في وجهات النظر و لكنه دائما يلتصق بالقضايا الجوهرية و إذا قدر له النجاح سوف يجد طريقه للتطبيق بعيدا عن ممارسة التكتيك التي لا تصب في مجري الهدف.
القضية الأخرى التي اعتقدت أن السيد نائب رئيس الجمهورية سوف يتناولها في مؤتمره الصحفي و هي قضية إستراتيجية مهمة جدا إلا أنه لم يتطرق لها مطلقا و هي موقف الولايات المتحدة الأمريكية من الأحداث في مصر باعتبار أنما يجري في مصر سوف يلقي بظلاله علي السودان تماما خاصة إذا رحل الرئيس محمد حسني مبارك و نظامه فذلك سوف يغير التركيبة الإستراتيجية تماما في منطقة الشرق الأوسط حيث أن الرئيس مبارك كان الحليف الإستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة بعد إسرائيل و في ظل الثورة الشعبية المصرية وقعت الولايات المتحدة في حيرة  تخشي أن تدافع عن النظام فتخسر الشعب كما حدث في إيران و تدافع عن الشعب فتخسر قوي الاعتدال التي ترغب في التحالف مع الولايات المتحدة  و لكنها لا تريد  ما تريده حليفتها إسرائيل بالوقوف للمساندة الكاملة لنظام حسني مبارك لأنه يمثل الضمانة لاتفاقية السلام بين البلدين لذلك تريد الولايات المتحدة تغييرا سياسيا و لكن لا يشمل جوهر النظام القائم و يعطي هامش حرية و لكن في ذات الوقت هناك جماعات في الولايات المتحدة تضغط علي الإدارة لكي تقف مع الشارع المصري حتى لا تتكرر قضية إيران إذن ما علاقة ذلك بالوضع في السودان و الدولة العصرية التي يتحدث عنها السيد نائب رئيس الجمهورية و ضرورة قراءة الوضع السياسي الإقليمي جيدا حتى يكون الحوار ضرورة وطنية مطلوبة بهدف الاستقرار و تماسك الجبهة الداخلية و ليس ملهاة وعملية تكتيكية لكسب الوقت نرجع و نقول علاقة ذلك بالوضع في السودان تتمثل في الأتي:
أولا – أن القيادات السياسية المطروحة إذا رحل مبارك و نظامه هي قيادات ليبرالية لن تكون علي وفاق مع نظام الحكم في السودان حتى و لو كان الأخوان المسلمين جزءا مؤثرا في الحكم المقبل و بالتالي تكون الإنقاذ خسرت محطة مهمة جدا في المنطقة باعتبار أنه  لا يمكن لقيادات جاءت بشعارات ديمقراطية و تنادي بالحرية تقف ضد التيار الديمقراطي خاصة في دولة مهمة لها مثل السودان حيث أن الدولة ذات الحزب الواحد و القرار المركزي مفيد للنظام الحاكم في السودان و لكن أية تحول ديمقراطي مهما كان هامش الحرية و الديمقراطية فيه فهو ليس في مصلحة الإنقاذ.
ثانيا – أن الإدارة الأمريكية إذا رحل الرئيس حسنى مبارك و نظامه سوف تحتاج لوقت من أجل معرفة القادم الجديد و في ذات الوقت هي سوف تضع لأول مرة أمام تحدي للشعارات التي ترفعا لقضية الديمقراطية و الحرية و مطالبة في هذا الوقت أن تقف مع التيارات الليبرالية مهما صغر حجمها حتى لا تفقد مصالحها في المنطقة و بالتالي أن الإنقاذ سوف لن تشهد انفراجة مع واشنطن خاصة أن هناك العديد منهم في الإدارة الأمريكية غير راضين للتقارب أو رفع العقوبات عن السودان  و مهما طرحه مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية جيمس ستاليس مع رجال الإنقاذ الذين التقي بهم و جاءت تصريحات الدكتور نافع أن الولايات المتحدة سوف تنفذ ما وعدت به و هو الحلم الذي استعصم به المؤتمر الوطني و اعتبره شريان الحياة لمستقبله بعد انفصال الجنوب و إذا حدث سوف تتراجع عنه لأوهى الأسباب و دلالة علي ذلك عندما سأل السكرتير العام للأمم المتحدة  بان كي مون عما إذا كان يؤيد تخفيف العقوبات بعد إجراء الاستفتاء بشكل سلمي ففضل أن يركز علي القضايا التي لم تحسم في البلاد و  بان كي مون ليس ببعيد عن سوزان رايس مندوبة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة و هذا التعقيد في صالح المعارضة و ليس الحكومة مهما كانت الوعود التي قدمتها الولايات المتحدة أضف لذلك أن النخب السودانية في الخارج أكثر تأثيرا من الدبلوماسية السودانية لأنها أقرب لتلك المجتمعات و تعرف مداخلها و كيفية التأثير في القرارات.
ثالثا – في هذه الفترة التي تشهد فيها منطقة الشرق الأوسط تحولات كبيرة جدا و تحركات شعبية حتى لا تخسر الولايات المتحدة تحالفات في منطقة لها مصالح كبيرة جدا و إنها سوف تكون قريبة للتيارات الشعبية التي تنادي بالديمقراطية و الحرية من أنظمة الحكم المتهمة أو التي تمارس سيادة الحزب الواحد و أيضا هذه سوف تجعل الولايات المتحدة تتردد كثيرا في تنفيذ الوعود التي كانت قد قدمتها لحكومة الإنقاذ قبل استفتاء الجنوب أليست هذه واحدة من العوامل المهمة التي يجب أن تعجل بالحوار الوطني الذي يجب أن يطال كل شيء و كل المؤسسات و عندما يفضي الحوار لنتائج مقبولة يجب أن تعقبها انتخابات شاملة أم أن السيد نائب رئيس الجمهورية ما يزال حتى الآن في محطة وزارة التخطيط  الاجتماعي.
رابعا -  أن الولايات المتحدة بعد التحولات التي سوف تحدث في مصر سلبا أو ايجابا سوف تفتح أذانها لكي تسمع من الجميع في المنطقة و أعتقد أن السودانيين في الخارج هم أقرب إلي نفس المعارض من الحكومة بحكم تواجدهم في تلك الدولة و الدول الغربية و بالتالي فلا يستطيع أن يتنبأ أحد بنتائج تلك الحوارات و لكنها لن تكون في مصلحة الإنقاذ.
خامسا – ربما أيضا يكون التحول الجديد في مصلحة الإنقاذ إذا وصلت القوي الإسلامية للسلطة عن طريق الانتخابات باعتبار أنها هي القوي المهيأة في الشارع و لكن مثل هذا التحالف سوف يكون ضرره علي الإنقاذ أكثر من منفعته لأنها سوف تجد معارضة من الولايات المتحدة و الغرب و خاصة أن الإنقاذ تسعي لإيجاد علاقة مع أمريكا و الغرب حيث قال وزير الخارجية علي كرتي لوكالة الأنباء رويتر علي هامش قمة للاتحاد الإفريقي في أثيوبيا " أن الخرطوم أوفت بما وعدت و هي تطالب الآن برفع كل العقوبات لان السودان يريد استثمارات أكبر و تعزيز التجارة و تعزيز التعاون في كل المجالات" فهذه الرغبة لن تجد طريقها للواقع إذا لم تجد الديمقراطية و الحرية أيضا طريقها لواقع السودان و هي معادلة أصبحت في قمة أية أجندة تبحث في قضايا الحكم و الحوار خاصة في الثلاثة سنين القادمة.
سادسا – أن الأحداث الجديدة في المنطقة سوف تصعد قضايا حقوق الإنسان و التعذيب و التنكيل بالجماهير و بالتالي سوف تصعد قضية دارفور في القمة و كل الانتهاكات التي حدثت في الإقليم و هي سوف تكون عائقا للدول الغربية و الولايات المتحدة أن تفي بالوعود التي قطعتها للإنقاذ و ترجع عمليات الضغط و العقوبات من جديد بالنسبة لرجال النظام.
سابعا – أن القنوات الفضائية أصبحت تشكل ركنا أساسيا في عمليات التعبئة الجماهيرية و حركة المتظاهرين و قد وضح ذلك تماما في المظاهرات المصرية و عندما أقدمت السلطات المصرية علي قطع الاتصالات و تعطيل الانترنيت و الفيسبوك فقد كانت المحطات الفضائية وسيلة للتواصل بالنسبة للمتظاهرين و حركتهم و بالتالي أن النظم الديكتاتورية التي تحاول أن تعطل وسائل لاتصال لا تستطيع أن تفرض ذلك لفترة طويلة.
و أخيرا يجب الإشارة إلي اللغة التي تحدث بها السيد نائب رئيس الجمهورية هي لغة بعيدة جدا عن لغة الحوار لآن فيها قدر علي من التعالي الذي لا يتوافق مع مبدأ الحوار و هي لغة تميل للتحدي و الصدام من إنها لغة تدفع نحو مائدة الحوار و التفاكر حول الدولة العصرية التي ينشدها و أعتقد أن الدولة التي كانت تبشر بها الإنقاذ قد ضاعت معالمها تماما و تحولت الإيديولوجية إلي قبضة علي السلطة بهدف السلطة و أية تفكير جاد لبناء دولة عصرية دون مشاركة كل القوي السياسية و يبحث في جوهر القضايا يعتبر زمن ضايع فالحل يتطلب تنازلات من الجميع ليس لمصلحة مكاسب حزبية و شخصية ضيقة أنما من اجل الاستقرار و السلام الاجتماعي و التنافس السلمي للسلطة و فك الارتباط بين مؤسسات الدولة التي من المفترض أن تكون مؤسسات قومية و بين الحزب الحاكم كما هو معمول به في كل الدول الديمقراطية.  
فالسيد نائب رئيس الجمهورية يجب عليه أن يعيد قراءة الأجندة المطروحة الآن في المنطقة بعد قيام ثورتي تونس و مصر  ليس لقيام المظاهرات و لكن لتفكيك الإستراتيجيات التي كانت سائدة في المنطقة و أثرها علي السودان بشكل مباشر و الشروط التي وضعتها في المنطقة لآن الحديث عن حوار فقط للتسلية دون أن يفضي إلي واقع جديد ليس في مصلحة أحد أنما سوف ينعكس سلبيا للجهة التي تحتاج للانفتاح و تسويق بضاعتها و لا أعتقد أن بضاعة الإنقاذ مطلوبة في سوق الديمقراطية و الحرية الذي أصبح رائجا الآن في المنطقة و الله الموفق.    
                  
 
zainsalih abdelrahman [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]