بدأت تتطاير بيانات المجموعتين المختلفتين في الجبهة العريضة للمعارضة و كل مجموعة قدمت الأسباب التي دفعتها لكي تتخذ قرارات تعتقد كل منها إنها قرارات بهدف تصحيح مسار الجبهة حيث أصبح جزء من هذه القيادات تشكل إعاقة حقيقية لمسيرة الجبهة و حاولت كل مجموعة أن تلمي اللوم علي ألأخرى و البيانات نفسها تؤكد أن المساحة الديمقراطية في التنظيم تكاد تكون معدومة تماما و هذا الانشقاق يؤكد أن الحوار الداخلي للتنظيم لم يجد القبول من البعض و بالتالي لم يبقي سوي اتخاذ القرارات المصيرية في عزل كل مجموعة للأخرى.
عندما كانت الجبهة فكرة يسعي القائمون عليها أن تكون واقعا فعالا يؤدي دوره السياسي من أجل تحقيق طموحات الشعب السوداني كان الجميع يعتقدون أن الجبهة سوف تغدوا التنظيم الذي يلتف حوله كل السودانيين و خاصة النخب التي تقف علي السياج و ربما الحلم يقودهم أن يكونوا بديلا للجميع  بعدما استوطنت الأزمة في مفاصل البلد و أبت أن تغادره بعد أن  فشل الحزب الحاكم أن يحقق شروط الاستقرار الوطني و السلام و يحقق المصالحة الوطنية و معارضة ظلت تمسك بأذيال الحركة الشعبية و هي كانت تعرف تماما أنها تستخدمها من اجل تحقيق مصالح نخبة كفرة بالوحدة و كل دعاتها  و رغم أن المعارضة كانت تسير في طريق تعرف نهايته إلا أنها فضلت أن تتمسك به لأنها لا تملك خيارا أخر  أو حتى مبادرة تستطيع أن تجمع عليها الناس في هذا الجو  خلقت فكرة الجبهة العريضة و كان التحضير للعرس أفضل من العرس نفسه.
هناك العديد من الأسباب هتي التي أدت لانتحار الجبهة ديمقراطيا لم تفطن لها النخبة التي دعت من أجل تأسيس الجبهة ثم في بداية المسيرة اصطدمت بتلك الأسباب و التي تتمثل في الأتي :-
أولا – أن النخبة التي شرعت في عملية تأسيس الجبهة هي نخب جاءت من مدارس فكرية مختلفة و متباينة و العديد منهم كانوا في تنظيمات سياسية تعاني من ضيق مواعين الديمقراطية فكان من الأفضل إعطاء أنفسهم وقت كاف لصياغة برنامج سياسي يمثل الحد الأدنى ثم يطرح لحوار حيث المجموعات السودانية بهدف تجويد البرنامج و حدث شيء من التقارب حول القضايا المطروحة و لكن النخبة كانت مستعجلة يسبقها الإفراط  في الطموح  و الحلم يغلب عليه الخيال من الواقع.
ثانيا – كانت النخبة تدرك أن الجبهة حاولت أن تركز في بداية مشوارها الإعلاني علي الكارزما بعيدا عن المؤسسية و حاولت الاستفادة من الرمز الكارزمي لطرح نفسها ثم اصطدمت بشروط الكارزما  و مادام هي قبلت بالدور الكارزمي فيجب عليها أن تقبل بشروطه لأن الكارزما في السودان تعني الاستغناء تماما عن المؤسسة.
ثالثا – أن كل تنظيم سياسي أو غيره يريد لأن يقدم نفسه لقيادة المعارضة يجب عليه تحديد الوسائل التي يريد بها ممارسة عمله من أجل إسقاط النظام القائم أو في أدني الاحتمالات إجباره علي قبول مبدأ التفاوض و لكن الجبهة كانت غير واضحة في تلك الوسائل القضية الأخرى.
رابعا – عندما أعلن القائمون علي الجبهة عن اكتمال ترتيباتهم من أجل قيام مؤتمر الجبهة العريضة  كانت ردت فعل المؤتمر الوطني فيها شيء من العنف حيث صدرت تصريحات لكل من الدكتور مصطفي عثمان إسماعيل أمين العلاقات الخارجية في المؤتمر ثم حاج سوار أمين التعبئة باعتبار أن الجبهة هي تأمر أجني جديد علي السودان اعتقدت النخبة أن تلك التصريحات تعني أن الجبهة قد هزت فرائص نخبة المؤتمر و بدأت تشكل له تحدي كبير و بعد قيام المؤتمر كف المؤتمر الوطني عن نقد الجبهة أو حتى الإشارة إليها رغم البيانات العديدة التي صدرت من الجبهة و الغريب جدا أن قيادات الجبهة لم تسأل نفسها لماذا المؤتمر الوطني تجاهل الجبهة ليس فقط بعدم نقد تصريحاتها فقط بل حتى الذين ذهبوا إلي مؤتمر الجبهة و عادوا للبلاد لم يتعرضوا إلي المسألة من قبل جهاز الأمن و حتى بعض قيادات الجبهة و التي تحمل وثائق سفر أجنبية و جاءت لزيارة للسودان لم تتعرض للتحقيق أو مضايقة من قبل جهاز الأمن لماذا كل هذا التجاهل من قبل جهاز الأمن و من المؤتمر الوطني و أعتقد أن أية من نخبة الجبهة العريضة لم يسأل نفسه لماذا؟ و السبب بسيط جدا أن المؤتمر الوطني كان يعتقد أن الجبهة العريضة للمعارضة سوف تولد بأسنانها لآن هناك دول مؤثرة جدا في العلاقات الدولية وراء هذه الجبهة و هي التي تشكل لها السند القوي و الدعم و أن الجبهة سوق تكون الأداة التي سوف تستخدم بعد عملية الاستفتاء لضرب نظام الإنقاذ هذا الاعتقاد هو الذي دفع بعض قيادات المؤتمر الوطني تصرح و تنتقد الجبهة و بعد ما تأكد لها أن الجبهة ليس لديها أية علاقات خارجية تشكل لها دعما فضلت تجاهلها تماما و حتى مسألة المشاركين في اجتماعاتها لكي لا ترويج لها إذا اعتقلت أحد أفرادها لذلك تجاهلتهم تماما.
خامسا – كنت أعتقد أن هناك نخبة من ضمن قيادات الجبهة متمرسة علي العمل السياسي و خاصة في جانب العمل الإعلامي و الدعائي تستفيد من ألاعتقاد الذي كان سائدا عند قيادات الإنقاذ و تلعب عليه ليس التأكيد علي أنها قد رهنت نفسها للخارج ولكن أن تخلق من العمل الذي يؤكد للإنقاذ أن تصورها صحيحا أي بعد انتهاء المؤتمر تعمل لقاءات علاقات عامة مع عددا من المسئولين في الدول الأوروبية و الولايات المتحدة الأمريكية ثم المنظمات العالمية علي فناجين قهوة و شاي فقط للتعارف, كانت مثل هذه اللقاءات سوف تخلق واقعا كبيرا جدا للجبهة و تجعل السلطة تعمل لها ألف حساب و لكن للآسف مالت الجبهة للمناكفات الصغيرة و الرد علي بعض تصريحات المسئولين بدون روية أنما كان الرد فقط بسبب ترضية الرمز  و في ذات الوقت وضحت البعد السياسي عند تلك النخبة و كيف تفكر و كيف تدير معاركها السياسية و ما هي حدود إدراكها للقضية المطروحة و كيف تطرحها في المجتمع و كيف تختار و سائلها   حيث وضح للجميع معارضة و حكومة الأفق الذي تعمل فيه الجبهة و  مدي  إدراكها لما يدار حولها ثم أخيرا  وافقت النخب و برضاها أن يدق بينهم عطر منشمي  فترقت الخالات.
سادسا – أتضح أن الجبهة ليست جسما واحدا إنما هي عدة أجسام تباعد بينها الفكرة و كيفية تحقيقها لآن كل مجموعة لها أجندتها الخاصة التي تريد تحقيقها دون رضي عن المجموعة الأخرى ففضلت الانتحار ديمقراطيا حيث أتضح أن هامش الديمقراطية المتاح ليس أفضل من ديمقراطية الخصم رغم أن الخصم له مؤسسات تحت سيطرته و إمكانيات يسخرها من اجل البقاء إذن ما هو الذي تملكه الجبهة لكي يساعدها في معركتها ليس ضد النظام ولكن لكي يعيد لحمة تماسكها  أرجوا أن لا تقولوا " نملك الشعب السوداني" الذي أصبح مملوك لكل من يرفع شعارا سياسيا بأن الشعب معه.
سابعا – أن الثقافة السودانية و التربية السودانية و التعليم السوداني و كل ما ينتج في المجتمع السوداني بضاعة مضروبة لا تؤسس لديمقراطية إطلاقا فالكل رافع شعارات الديمقراطية و يحاربها سرا و جهرا و فرديا و جماعيا  حتى المجموعات السودانية التي ذهبت للغرب حيث الديمقراطية الغربية التي تمارس بينهم هم ليس لهم علاقة بها غير أنهم يذهبون إلي صناديق الاقتراع لكي يدلوا بأصواتهم فقط و هم جاءوا التي تلك الدول بكل أمراضهم الاجتماعية و السياسية و متخندقين حولها و كل يعتقد أنه يملك الحقيقية و الآخرين بعيدين عنها يحتاجون للتوعية لذلك نقلوا معهم مبدأ الوصاية الذي يعد حجر الزاوية في ثقافة السودانية.
ثامنا – كنت أعتقد أن قيادات الجبهة متمرسين علي العمل السياسي عندما تطرح قضية فصل الدين عن الدولة أو فصل الدين عن السياسة  بدون أدني تفكير حتى لا يعطون للمؤتمر الوطني حجة أو قضية يحاول بها تأليب الشارع العادي ضدهم أن يؤكدوا أنهم مع اتفاق نيروبي حول قضية الدين و الدولة الذي شاركت فيه كل القوي السياسية ما عدا المؤتمر الوطني و يستطيعون جر الأحزاب لمعركتهم لأن اتفاقية نيروبي تمثل العمود الفقري لبرنامج القوي السياسية التي كانت تنضوي تحت لواء التجمع الوطني الديمقراطي و ليس السياسي فقط أنما الفكري الذي تقاربوا عليه و بالتالي تصبح القضية لها إجماع سياسي عريض و لكنها الغفلة السياسية التي كشفت ما ورائها.
تاسعا – بعد حالة المناكفة و الصراع  بين المجموعتين و البيانات التي خرجت من المجموعتين خسرت المجموعتان و لا تستطيع أية مجموعة تعيد ما دمر من قبل الجميع حتى إذا حاولت المجموعتان ترميم ما حدث بينهما لأن الدمار أصاب الجذر.
أن أغلبية النخب التي اجتمعت و كونت الجبهة العريضة للمعارضة هي نخب تعيش في الدول الديمقراطية و قد فشلت في تعريف و إعلام الشعب السوداني ما تعلمته و اكتسبته من تلك الشعوب الديمقراطية فقط في مجال الممارسة الديمقراطية و بالتالي يجب علينا انتظار الأجيال الجديدة التي تعلمت الديمقراطية منذ نعومة أظافرها عن طرق التعليم و التربية و أيضا أنها غير مصابة بأنفلونزا الديكتاتوريات المصاب بها أبائهم و حتى يأتي ذلك اليوم علينا أن نلتف حول القوي السياسية في الداخل التي تسعي من اجل إحداث تغييرات جوهرية في عملية التحول الديمقراطي و يبقي التفكير الجاد في الدعم المالي لتلك الأحزاب و الله الموفق.                    
zainsalih abdelrahman [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]