يعتبر المفكر السوداني محمد بشير المعروف بأسم "عبد العزيز حسين الصاوي" وأحدا من المهمومين بقضايا " الديمقراطية – الاستنارة – النهضة" و قد كتب العديد من الكتب و المقالات التي تتناول هذه القضايا، و آخرها دراسته المنشورة في "مجلة كتابات سودانية" التي يصدرها مركز الدراسات السودانية. بعنوان " تأملات في مستقبل الانتفاضة الثالثة" و الدراسة تتناول؛ ثورة – انتفاضة ديسمبر 2019م حيث يحاول التعريف المصطلحي إذا كان هي ثورة أو انتفاضة من خلال المقارنة بين ثورة أكتوبر 1964م و إبريل انتفاضة 1985م، و مشيرا إلي العوامل المؤثرة في كل واحدة. و المقال سوف يتناول بعض جوانب الدراسة، و هي قضايا تتباين فيها الآراء و لكنها تخلق حوارا فكريا بناء لأنه يطرح العديد من التساؤلات.

يقول الصاوي في مستهل الدراسة " ثورة/ انتفاضة 2019 مهددة بمصير انتفاضتي 64 و85 لان استراتيجية المعارضة الحزبية وغير الحزبية للدكتاتوريات فصلت بين إسقاط النظام وتنمية الوعي الديموقراطي، مما أضاف بعدا جديدا لازمة الديموقراطية في واقعنا غير الاوروبي" ما يشير إليه الصاوي حول الفصل بين عملية أسقاط النظام و الوعي الديمقراطي كنت قد أشرت إليها في عدد من المقالات حيث ذكرت أن القوى السياسية فشلت في إدارة الأزمة بعد عزل "رأس النظام" في أن تطرح فكرة الديمقراطية بديلا لفكرة السلطة، لآن فكرة السلطة تقود مباشرة للمساومة السياسية، و تؤدي إلي تسوية سياسية تفرضها مسألة توازن القوى. و هذه راجعة للضعف الذي تعاني منه القوى السياسية، و فكرة الديمقراطية لا مساومة فيها لآن الديمقراطية لها شروطها التي تؤسس عليها، أولها رجوع القوات المسلحة و الأجهزة الآخرى ذات الطابع العسكري لسكناتها. ثانيا التصفية الكاملة للنظام الشمولي السابق. لكن ضعف القوى السياسية قادها لفكرة السلطة لأنها قد تفاجأت،بالسقوط السريع و كانت تريد أن تتأكد من ذلك بشروط التسوية، و الفكرة راجعة للضعف في المؤسسات الحزبية. و يعتقد الصاوى أن شروط الوعي الديمقراطي لم تتكامل مع عملية الإسقاط. و ذلك راجعا للضعف الفكري داخل المؤسسات الحزبية، التي لم تستطيع أن تخلق هذا الترابط قبل عملية السقوط.
يقول الصاوي " المصطلح السائد لوصف الحراك الشعبي الديسمبري ب"ثوره " ضروري تعبوياً ولكنه معّرض للتحفظ وفق التعريف المجمع عليه لهذا المصطلح وهو " التغيير الجذري "، والذي يحيل الى الحصيله النهائية أكثر من الطريق اليها. لهذا السبب، ولأن هذه المساهمة تنطلق من مقارنة بين تجربتي اكتوبر64 و ابريل 85 المشابهتين في جوانب أساسية، فأنها ستستخدم مصطلح "الانتفاضه"، بداية بالسؤال التالي :هل يُقّدر لمسيرة انتفاضة ديسمبر أن تخالف القاعدة التي أرستها التجربتان السابقتان لأنهما شكلتا ،في واقع الامر، جسر انتقال من شمولية الى اخري اكثر توفراً علي خصائصها؟ ليس من معني آخر لتكرار التجربة في 85 سوي أن الفكر السياسي السوداني فشل في استخلاص الدرس الصحيح من تجربة اكتوبر 64 ، ومن هنا السؤال : هل توفر هذا الشرط الان بما يمنع تكراراً ثالثا للتجربه؟" أسئلة الصاوي توجه للعناصر التي تشتغل بالفكر داخل المؤسسات الحزبية، و أيضا النخب السياسية و المثقفين، ما هو الفارق بين " الثورات – الانتفاضات – الثلاثة" حيث هناك عوامل مشتركة كثيرة بين الثلاث ثورات – انتفاضات. أولها أن دور القوات المسلحة كانت عاملا مشتركا في الثلاثة. و في إبريل و ديسمبر أن الحراك الجماهيري ضد النظام كانت القوى المؤثرة فيه هي من خارج المؤسسات الحزبية، ثالثا غياب المشروعات السياسية لما بعد سقوط النظام. لكن الفارق في ديسمبر أن وعي الشارع في قطاع الشباب و المرأة كان أكبر، الأمر الذي يمكن أن يشكل أرضية صلبة لعملية البناء الديمقراطي في المستقبل إذا توفرت متطلباتها، رغم أن إدارة الصراع مع المجلس العسكري لم تكن بالتحدي الصلب الذي كان سائدا في الشارع, و هذه ما كنت قد أرجعتها أن الفكرة السائدة عند المفاوض هي " فكرة السلطة" لكن الصاوي يأخذها من جانب أخر؛ بأنها تعود للضعف في القوى السياسية، و حتى قصور الفكرة عند الحركات المسلحة، حيث يقول "ظروف ولادة مكوني المعارضة السياسية الرئيسيين "قوي الاجماع الوطني" و"نداء السودان" هو الدالة الكبري علي الضعف النوعي لحركة المعارضة ضد نظام الانقاذ وماقبله، لانه كان نتيجة انشقاق ظل الطرفان يتراشاقان بعده اتهامات متمحورة حول تهمة الهبوط الناعم لم تتوقف إلا بعد بداية الانتفاضة. وفي الظهور التدريجي للخلاف، رغم تعاظم الحاجة لوحدة قوي الانتفاضه تأميناً لمستقبلها في وجه قوي الانتفاضة المضاده، تأكيد لاتخطئه العين لذلك، علما بأن الوحدات الحزبية التي يتشكل منها كل طرف منقسمة بدورها داخليا مما يعني إنها واقعة ضمن ظاهرة التفتت المَرَضي التي تشهدها الساحة السياسية منذ فتره وليست انقسامات تطويرية .وهو ماينطبق ايضاً علي أطراف العمل السياسي المسلح التي يبدو انها، الى جانب ذلك، استقرت علي وجهة ابتعاد عن ماتسميه معارضة الوسط النيلي،مما يشير الى مدي عمق واتساع تلك الظاهره" ويبين الصاوى أن حالة السجال السياسي و ليس الفكري بين مكونات المعارضة كانت علي أشدها، و هي التي أحدثت عائقا يمنع أي تواصل بين تحالفات المعارضة القائمة، و حتى كان التشكيك في بعضهما البعض يحدث أثرا سالبا لتكامل الأدوار ضد النظام. و حتى الحركات المسلحة كان جزءا من عملية التشكيك و الاتهامات، التي جعلتهم جميعا ينظرون لمسألة "وحدة قوى المعارضة" بأنها ذات أثر في أجندة هذا الحراك المعارض، حتى فاجأتها الجماهير بثورتها – انتفاضتها، لتنقلها لمربع جديد لم تكن هي مستعدة له، و دلالة علي ذلك غياب المشاريع السياسية لما بعد سقوط النظام.
ينتقل بنا الصاوي إلي محطة أكثر وضوحا، هي أن فكرة الديمقراطية و شروطها لم تكن واضحة في أجندة الأحزاب السياسية المعارضة، لذلك في معارضاتها للنظم السياسية الشمولية الثلاث " عبود – نميرى – الإنقاذ" كان الهدف هو إسقاط النظام و تشكيل السلطة البديلة، دون أن تكون الديمقراطية ذات أكثرا فاعلا في أجندتها، و أيضا أن الأحزاب لم تستفيد من الدروس التي جاءت بالنظم الشمولية الثلاث، و هي ضعف الثقافة الديمقراطية، أي أن هذه الأحزاب كانت ضعيفة الإنتاج الثقافي الديمقراطي، الذي يشكل حماية قوية للنظام الديمقراطي حيث يقول الصاوي"في تقدير هذه المساهمة إن مصدر تصدعات المعارضه ضد الانظمة الشمولية الثلاثة علي هذا النحو لاعلاقة رئيسية له بمستوي الأداء المعارض للقيادات الذي يستجر رد فعل رائج يشطب عليها جميعا بجرة قلم بما يشوش علي مصدرها الحقيقي، وإنما هو ناتج خلل بنيوي في تكوينها مرده ان استراتيجية المعارضة لم تستهدف حقيقة إستعادة الديموقراطية بقدر مااستهدفت إسقاط الدكتاتوريات الثلاثة ، مما يؤول الى عدم استهداف أسباب قيام الانظمة الانقلابية المتجذر في ازمة الديموقراطية في السياق السوداني. يعني ذلك إن الاختلافات في صفوف المعارضه، و بين عموم المعارضين حزبيين وغير حزبيين، تدور حول المحور الخطأ، في الملعب الخطأ، لذلك فهو خلاف عقيم لايساعد علي تطوير فعالية المعارضه ويظل قائماً يراوح في مكانه بلا نهايه." و يصبح السؤال هل القوى السياسية استطاعت أن تدرك أخطائها السابقة لكي تتجاوز بها العوامل التي تؤدي إلي ضياع الديمقراطية، أم ما تزال تعاني من قصور النظر، خاصة حول قضية التحول الديمقراطي؟ الملاحظ أن الخلافات بين قوى الحرية و التغيير هي ذات الخلافات التي كانت سائدة في التحالفات السابقة " نداء السودان – اجماع القوى – الحركات المسلحة" الغائب عن الأجندة هو رؤى و تصورات القوى السياسية لعملية التحول الديمقراطي. في أعتقادي الشخصي أن المسألة ترجع إلي الضعف الفكري داخل المؤسسات الحزبية دون استثناء، حيث طول سنين المعارضة و البيئة غير الديمقراطية أدت إلي أبتعاد العناصر التي تشتغل بالفكر عن العمل السياسي، الأمر الذي فتح الباب لصعود قيادات تنفيذية، و يظهر ذلك بوضح أن أغلبية القوى السياسية أهتمت بالشعارات المتعددة لكي تملأ بها الفراغات التي شكلها غياب الفكر، الذي جعل هذه المؤسسات تعجز أن تقدم مشروعات سياسية مقبولة للشارع، أو حتى أن تطرح أسئلة جديدة في الساحة تغير بها طريقة التفكير السائدة في المجتمع، حتى انفجرت التظاهرات و انتشرت في أغلبية أقاليم السودان، لكي تقوم هذه التظاهرات بطرح الأسئلة و تغير طريقة التفكير السائدة، و تطرح شعاراتها لكي تتجاوز كل شعارات القوى السياسية السابقة، الأمر الذي خلق واقعا جديدا في المجتمع، بل في البلاد.
و يوضح الصاوى متطلبات الديمقراطية التي كان يجب علي القوى السياسية أن تنظر لها منذ الاستقلال. حيث يقول " في السودان حيث لا طبقة وسطي ولاإصلاح ديني ولا تراث فلسفي- فكري تنويري، استهداف تأسيس المشروع الديموقراطي كتوجه لابديل له كان ضروريا لتحقيقه بما يتطلبه ذلك من اكتساب المعرفة بكيفية شق طريق سوداني نحو التنوير نظراً لعدم توفر مقومات الشرط الجوهري اللازم لذلك عبر الطريق الاوروبي" . هنا يبين الصاوي أن غياب الشروط التي تؤدي للديمقراطية، كما حدثت في أوروبا، كان يجب أن تقوم القوى الحزبية بالاستنارة في المجتمع، هذه الاستنارة سوف تخلق البيئة المعرفية التي تطلع بدور الإصلاح داخل هذه المؤسسات، و أيضا تقوم بالمراجعات الفكرية، و مراجعة و دراسة التراث بمنهج نقدي، هي العوامل التي تشكل أرضية الوعي في المجتمع.
يحاول الصاوي؛ أن ينقل التفكير من الدائرة السياسية في دراسة الحدث اليومي، و التعامل السياسي بجدل السياسي اليومي، إلي الجدل الفكري الذي يحاول دراسة الظاهرة من خلال منهج نقدي، و يتتبعها حتى الوصول للنتائج، و الطور الدراسي هو الذي يجعل المفكر ليس فقط دارسة الظاهرة، بل فحص كل الآدوات التي عجزت عن المعالجة، و أيضا استهداف الأجيال الجديدة أن تغير طبيعة تفكيرها من تفكير لحظي للظواهر، إلي تفكير أكثر عمقا لدراسة الظاهرة و هو الذي يشكل عملية الاستنارة. تحياتنا للأستاذ الصاوي. و نسأل الله لنا و للجميع حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.