خلافا لسابق مسار التاريخ الذي كان عليه الميرغني، يبدأ خطوته بمفرده في كسر حاجز الصمت و يعلن عن التحدي، و يبدأ خطوته الأولي بندوة سياسية في مدينة بارا، في السابقات التاريخية؛ كان الميرغني لا يظهر في الساحة بعد سقوط النظام الشمولي، الذي كان بيت الميرغني مشاركا فيه، يتوارى الميرغني من شعارات الثورة المطالبة بمحاكمة سدنة النظام الشمولي، و ينتظر الخلافات تدب داخل المنظومة الاتحادية، حيث يضطر جناح فيها فتح الباب للميرغني لكي يلج للساحة السياسية بغرض دعمه علي الآخرين، كما حدث بعد ثورة إبريل 1985م، حيث دب الخلاف بين القيادات الاتحادية، و ذهبت مجموعة تستدعي الميرغني من منفاه الاختياري في سنكات، و استطاع بعد فترة قصيرة أن يسيطر علي الحزب سيطرة كاملة. الآن لم ينتظر الميرغني أن يدب الخلاف بين المجموعات الاتحادية، و تقدم له تأشيرة الدخول لدعم مجموعة علي حساب المجموعات الآخرى. بل أستطاع أن يكسر حاجز الصمت لوحده و يعلن عن تحركه في المساحات التي يعتقد إنها تستطيع أن تخرجه من عزلته. و كانت الندوة بمثابة إعلان و لا تحمل مضمونا سياسيا يبين كيف تتم هذه الحركة في ساحة مليئة بشعارات تدين النظام السابق و كل من كان مشاركا فيه. 

تختلف الآراء حول لماذا أختار الحزب الاتحادي الأصل أن تكون بداية الإنطلاقة من مدينة بارا، و هل كانت الفكرة من بنات أفكار البيت الميرغني، أم إنها جاءت من خارج الدائرة، كما كان الاتفاق الذي وقع في القاهرة للتنسيق في الانتخابات القادمة بين الاتحادي الأصل و الحركة الشعبية شمال " جناح عبد العزيز الحلو" حيث كانت الفكرة مخدومة خارجيا، ليس للبيت الميرغني مساهمة في ترتيبها غير التوقيع علي مسودة الاتفاق. الاتفاق كان للتذكير أن الاتحادي الأصل قادر علي أن يفك قيود التقييد التي فرضتها عليه شعارات الثورة. لكن الشروط السياسية التي فرضتها ثورة ديسمبر تشكل تحدي علي الحزب الاتحادي الأصل إذا أراد أن يدير الحزب بذات العقلية التقليدية، و خاصة بيت الميرغني، باعتبار أن شروط الديمقراطية تتعارض مع البناءات السياسية المغلقة، و التي تعلي من دور الكارزمة دون المؤسسية. و هذا يقاس بالمرجعية التي يختارها الاتحادي الأصل. الاتحادي الأصل في ظل سيطرة الطائفة ليس له علاقة لا بالقضايا الفكرية و لا بالقضايا التنظيمية، هناك فرد واحد هو الذي يقرر و يوجه و يبعد و يحاكم، و الكل يعمل شراحا للمتون إذا كانت هناك متون تحتاج للشرح.
كانت المرجعية الفكرية "للوطني الاتحادي" من قبل واضحة، حيث أعتبرت الليبرالية في جانبها السياسي هي المرجعية الفكرية، التي تتمحور في الحرية و عقد اجتماعي يصبح هو الدستور الذي يجعل الحرية القاعدة الأصلية للتأصيل. لكن في مراحل تاريخية لمسيرة الوطني الاتحادي حصل تغيير أن كان في الطبقة الوسطى التي يعبر عن حاجاته الحزب، حيث فقد الحزب مجهودات الاستنارة، أو من خلال الاندماج الذي حصل مع حزب الشعب الديمقراطي عام 1967م حيث جاءت الطائفية مرة أخرى بثقافة " الشيخ و الحوار" الأمر الذي فرض قيودا علي الحرية داخل التنظيم، و أيضا تبنى الحزب الدعوة للتحول من النظام البرلماني إلي النظام الجمهوري. هذه التغييرات المتوالية في برنامج الحزب تحاتج إلي مجهودات فكرية تدعمها، أو تبرر هذا التغييرات، لكن لم يستطيع الحزب الاتحادي الديمقراطي أن يقدم أي أجتهادا فكريا في تلك الفترة التاريخية، كانت شخصية الأزهرى طاغية، و غاب دور المؤسسة، و أيضا لا ننسى المسرحية التي كان قد حبكتها الحركة الإسلامية في معهد المعلمين، و تجاوب معها الأزهري، و التي أدت لحل الحزب الشيوعي و طرد نوابه من البرلمان، الأمر الذي جعل الحزب الاتحادي يتبنى شعارات الحركة الإسلامية، تستوجب طرح العديد من الأسئلة علي الاتحاديين.
هل الاندماج بين الحزبين " الوطني الاتحادي – الشعب الديمقراطي" قد أدي لتغيير في المرجعية الفكرية " الليبرالية" دون إعلان ذلك بشكل مباشر؟ ما هي المرجعية الفكرية للحزب الاتحادي الديمقراطي هل هي الإسلام الذي يقول الميرغني لا يفرضه علي أحد أم هي الليبرالية التي تجهلها أغلبية القاعدة الاتحادية و حتى أغلبية قياداته؟ لماذا تحاول النخبة الاتحادية أن تغلب فكرة الكارزمة في البناء التنظيمي علي المؤسسية؟ و في الوضع السياسي الراهن أيضا تطرح العديد من الأسئلة. من أين تتخذ المجموعات الاتحادية شرعيتها؟ ما هي مرجعية كل مجموعة؟ و هل هناك أرضية فكرية موحدة ينطلق منها الجميع أم لكل مجموعة مرجعيتها الفكرية؟ هل تقبل المجموعات الاتحادية مشروع المؤتمر العام الموحد و تقبل بنتائجه؟ أم كل مجموعة تري أن تقييم مؤتمرها ثم تدعو للوحدة مع المجموعات الآخرى؟
هناك بعض القيادات الاتحادية تعتقد أن تحالفها مع قوى سياسية آخرى في ظل المتغييرات في الوطن سوف تمنحها الشرعية التي تؤهلها أن تكون هي التيار الرئيس للاتحاديين، و هذا فهم خاطيء؛ لآن التحالف لا يمنح القوى السياسية شرعية، أنما الشرعية تمنحها عضوية الحزب، لذلك تتطلب العملية أقناع قطاع عريض من العضوية الاتحادية وفق مشروع سياسي تلتف حوله الجماهير، و تؤيده و تتمسك به. فالهيكل التنظيمي ليس هو فقط تراتب وظيفي من القاعدة للقمة، بل هو مسؤوليات مفصلة لكل موقع وظيفي تحكمه اللوائح التي يجب أن يلتزم بها الجميع و يحترمونها، حتى لا يتم التعدي عليه من الأفراد الذين تحكمهم ثقافتهم الشمولية أو ثقافة الشيخ و الحوار. و منذ اندماج الحزبين أصبح هناك أختلال تنظيمي و فكري للاتحاديين، و كل يحاول أن يقدم اجتهادا تفرضه الأحداث، لذلك الأغلبية اعتمدت علي تقديم العديد من الشعارات لكي تسد بها الفراغات التي خلفها الغياب الفكري. الأمر الذي جعل حتى شعار الوحدة تتحكم فيه الأحداث و تطوراتها، خاصة الأحداث التي يكون الاتحاديون جزءا منها.
لكن هناك إضاءات بدأت تظهر داخل الساحة الاتحادية و أخص بها " كتابات " محمد زين العابدين عبد القادر بعنوان " المرتكزات الفكرية للحركة الاتحادية" التي بلغت حتى الآن اربعين حلقة، و يتناول فيها تاريخ الحركة الاتحادية عبر مسارها التاريخي و صرعاتها مع القوى السياسية الأخرى، و كيف استطاعت أن تتغلب علي التحديات التي كانت تفرض عليها، و مراحل قوة الحركة و ضعفها، و هي تشكل أرضية لوحدة التاريخ عند كل المجموعات الاتحادية، و تفتح نوافذ عديدة للحوار في جوانبها التاريخية، و الفكرية و التنظيمية، رغم أن الساحة الاتحادية أصبحت قفرا من المناظرات الفكرية و الحوارات الثقافية، التي تخلق الروابط بين المجموعات المختلفة. و ذالك يوضح أن القيادات الاتحادية غير مهتمة بالقضايا الفكرية، في أعتقاد أن الحراك السياسي و مجريات الأحداث لا تجعل الفكر في دائرة تفكيرها، هذه ليست مشكلة فرضتها الأحداث، بل أن الاتحاديين منذ النصف الثاني لعقد الستينات في القرن الماضي توقفت هذه الاجتهادات الفكرية، و أن كان الشريف حسين استطاع أن يقدم أجتهاداته بعد سقوط النظام الديمقراطي و انقطعت برحيله.
إذا أن الندوة التي أقامها الحزب الاتحادي الأصل هي بدأية لتدشين حراك سياسي، و كان علي الاتحادي الأصل أن يقدم نقدا ذاتيا لمشاركته نظاما شموليا حتى السقوط، و التصعيد الذي تم بين الجماهير و النظام و أمتدت خمس شهور، كان الاتحادي الأصل يقف في الجانب الخطأ، بل معاضدا للنظام الشمولي ضد حركة التغيير. و كان البيت الميرغني مصرا أن يعيد مواقفه السابقة، حيث كان داعما لنظام عبود و نميري حتى السقوط. و هذه المواقف تؤكد تماما أن هذا البيت ليس له علاقة بعملية التحول الديمقراطي، بل يحاول أن يضمن حماية لمصالح البيت، لذلك يقف مع الذي هو في السلطة، إذا كان ديمقراطيا أو شموليا. مما يؤكد أن هذه المواقف تفرضها عليه قوى خارجية الكل يعرف مصدرها. نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.