من المفترض أن تبدأ محادثات السلام بين الحركات المسلحة و سلطة الفترة الانتقالية يوم الاثنين في عاصمة دولة جنوب السودان " جوبا" إذا لم يكن هناك طارئ يؤدي لتأجيلها. بعد ما كانت هناك فكرة لتأجيلها بسبب تنظيمي لم تحدد فيه مكان المحادثات، إلا أن رئيس دولة جنوب السودان سلفاكير قد حسم ذلك بإرسال دعوات لجميع الأطراف المشاركة في المحادثات، إلي جانب عدد من دول المنطقة و الاتحاد الأوروبي و أمريكا و منظيمة إيقاد و الاتحاد الأفريقي، بحضور الجلسة الافتتاحية لمحادثات السلام بين السلطة الانتقالية في السودان و الحركات المسلحة.
تبدأ محادثات السلام بين سلطة الفترة الانتقالية " مجلس السيادة – مجلس الوزراء" تحت راية مفوضية السلام التي لم يكتمل تشكيلها بصورة متكاملة بعدو الحركات المسلحة بمختلف مكوناتها. و المحادثات لا جديد فيها، لأنها تأخذ ذات المسار الذي كانت قد درجت عليه الإنقاذ، أن يذهب الطرفان في محادثات في غرف مغلقة دون أي أوراق مقدمة من قبل الطرفين تحمل " رؤاهم حول مشروع السلام" كان المتوقع أن تكون الثورة حدا فاصلا بين ثقافتين " الشمولية – الديمقراطية" حيث الشمولية؛ هناك شخص واحد هو الذي يقرر في عملية السلام من جانب الحكومة، و يقدم عروض عبارة عن مشاركة في السلطة للجانب الآخر و يظل الوضع كما كان أو يزيد تعقيدا. و الديمقراطية أن يشارك جميع الشعب السوداني في عملية تحقيق السلام في البلاد. و كان متوقعا من وفد السلطة الانتقالية بعد أن وقع مع الحركات المسلحة في جوبا " وثيقة تفاهمات لبناء الثقة مع الحركات" أن تطلب من هذه الحركات إذا كانت متحالفة مثل " الجبهة الثورية" أو فردية مثل الحركة الشعبية شمال جناح عبد العزيز الحلو و حركة تحرير السودان جناح عبد الواحد محمد نور. أن يقدموا أوراق تبين فيها ماهية جذور المشكلة، و رؤيتهم للسلام. و تطرح هذه الأوراق في الصحف جميعها ورقية و الكترونية لكي تتم قراءتها من قبل الناس و يبدون ملاحظتهم عليها. و أيضا تقدم السلطة الانتقالية رؤيتها للسلام. و حتى القوى السياسية و المدنية و الآكاديمية يقدموا رؤيتهم للسلام. لكي يتم خلق الرآي العام الداعم لعملية السلام. أن نشر أوراق السلام هي التي تخلق الأرضية الثقافية لعملية السلام في المجتمع. لكن الذهنية السياسية ماتزال حتى هذه الحظة مستلبة لمصلحة الثقافة الشمولية البائدة، أن تغلق كل النوافذ التي تجلب خبر محادثات السلام في وجه الشعب حتى لا يعلم عنها شيئا، و يبنى الاتفاق كما كان من قبل.
أن طرح أوراق المشاركين في محادثات السلام علي الشعب قبل شهر من بدأ محادثات السلام، تجعل الشعب السوداني هو المؤتمن علي ما يصل إليه الناس من أتفاقات، كما أن معرفة رؤية كل طرف تمنع أن تكون هناك أجندة خفية من قبل الأطراف المختلفة، و أيضا تضعف أن يكون هناك وجود للمصالح الخاصة، و التي يمكن أن تشكل عقبة أمام الوصول لحلول، و أيضا تجعل الكل يعمل من أجل أن تكون مصلحة الوطن مقدمة علي ما عداها، لكن المحادثات المغلقة تعتبر الحاضنة للأجندة الخاصة، و فرصة لتدخل النفوذ الأجنبي بقوة. و هناك بعض الحركات و حتى الأفراد الوفود المشاركة يعتقدون أن محادثات السلام ما هي إلا جلسة الهدف منها توزيع الغنائم " محاصصات" و هناك عقليات داخل وفد السلطة الانتقالية ما تزال ذهنياتهم معلقة بثقافة الإنقاذ في حواراتها مع الحركات.
في تصريح لياسر عرمان القيادي بالجبهة الثورية لجريدة " سودان تربيون" يقول فيه " أنهم علي استعداد لتحقيق السلام الشامل و إنهاء الحرب في السودان بحلول العام 2020م ، لمصلحة النازحين و الاجئين" و أضاف أيضا قائلا " أن التغيير الحقيقي سيتم ببناء نظام جديد لمصلحة كل السودانيين، و لذلك نحن في الجبهة الثورية علي كامل الاستعداد للوصول إلي سلام و نعتقد أن لدينا شركاء الآن لتحقيق ذلك و الثورة في الخرطوم وفرت لنا شركاء من آجل السلام" و السيد ياسر يعلم أكثر من غيره، أن النظام الجديد الذي يتحدث عنه يحتاج إلي ذهنية جديدة مستوعبة لمطلوباته، ذهنية تتجاوز الثقافة التي خلفها النظام السابق، ذهنية تنطلق من أن السلام لا يتحقق عندما يكون هناك نفرا محدودا هم الذين يفكرون و يتخذون قراراتهم لكي يفرضوها علي الأغلبية. بل يتححق عندما يجعل الأغلبية هي جزءا من القرار، لكي تشكل له الحماية المطلوبة، و تمنع الاتفاق من الانتكاسة. لكن للأسف الأغلبية تدخل محادثات السلام و هي ليس في جعبتها شيئا جديدا يمكن أن تقدمه غير مخالفات النظام السابق، و هو الذي تنتظهره الأغلبية في الحركات المسلحة، و أيضا عند بعض وفد الفترة الانتقالية، باعتبار أنهم أنجزو شيئا من مطلوبات الثورة. فالجديد لا تخلقه إلا الآرضيات الفكرية الجديدة، التي تتجاوز كل المخلفات السابقة، و طريقة التفكير السابقة.
يقول الصادق المهدي زعيم حزب الأمة القومي في خطبة الجمعة بمسجد الهجرة "ندرك أن المناورات حول السلام، ومؤامرات السدنة والتدخلات الخارجية الانتهازية، والصعوبات الموضوعية قد تدخل النظام الانتقالي في طريق مسدود) يشير المهدي أن بعض القوى تحاول أن تناور بمسألة السلام. و ربطها بالتدخلات الخارجية. و معلوم كان هناك رئيا وسط بعض قيادات الحركات، أن تكون المحادثات في عاصة دول الأمارات العربية المتحدة، و لا يخف على الشعب السوداني هناك دول في المنطقة تريد أن تجر السودان إلي خلافات المحاور في المنطقة، و هناك قيادات إن كانت وسط الحركات أو حتى في وفد السلطة الانتقالية متورطين في ذلك، الأمر الذي يؤكد أن الأجندة الخفية ما تزال موضوعة في حقائب البعض. فالمحاور هي محاولة لجر السودان لآزمات جديدة تشكل عقبة في المستقبل لعملية الديمقراطية.
أن حديث السلام في السودان بعد الثورة، يمثل رؤية إستراتيجية لها الأولوية لأنها تعتبر عن القاعدة التي يتأسس عليها النظام الديمقراطية و التنمية في البلاد، و هذه تحتاج إلي عقليات جديدة، تحمل رؤى جديدة، تنطلق من قاعدة أساسية، أن أي تفكير في سلطة يجب أن يرتبط بصناديق الاقتراع، و ليس هناك من يجادل أو يغالط، أن الحركات المسلحة قد لعبت دورا كبيرا في إضعاف النظام، و خلخلت القواعد التي يرتكز عليها، كما أيضا لعبت القوى السياسية دورا كبيرا في التوعية السياسية في محاصرة النظام داخليا و خارجيا، لكن الجماهير هي التي صنعت ثورتها خارج تلك البناءات، و طرحت شعارات الثورة ممثلة في " حرية – سلام – عدالة" لكن تظل هذه الثورة مهددة بتدخل الإنوف الخارجية التي تحاول أن تخلق لها نفوذا داخل السودان من خلال " القوى السياسية – الحركات المسلحة – و مليشيات عسكرية" و هي التي سوف تشكل خطرا علي السلام و عملية التحول الديمقراطي في البلاد.
الغريب في الآمر أن أغلبية الدول التي تمت دعوتها لحضور هذه المحادثات، و خاصة التي هي من دول المنطقة، تعاني من تفشي الحروب الآهلية، و غير الآهلية، و حتى الدول المضيفة، كما أغلبيتها تتبني الشمولية نظاما للحكم، و بالتالي لا تستطيع أن تقدم المشورة المفيدة للمشاركين في المحادثات، و لا تكون ضامنا موثوق فيه علي مخرجات المحادثات، و هي واحدة أيضا من المعضلات التي تعاني منها العقلية السياسية في عملية الأختيار. أن السلام و الديمقراطية في السودان مرتبطتان ربطا جدليا لا ينفك أبدا، و بالتالي أي خطوة يجب أن تعبر عن هذا الرابط، في مسألة الإعداد و التنظيم. و في ختام المقال نرجع مرة آخرى لياسر عرمان، كيف يستطيع أن يثبت أنهم سوف يحضروا إلي المحادثات بأجندة جديدة تنقل المحادثات إلي مربعات متقدمة، و تخيب ظن الذين يعتقدون أن الحركات مقبلة علي المحادثات و ليس في جعبتها غير لغة المحاصصات. و هل عرمان و رفاقه يخيبون ظن هذه التوقعات، و بالفعل سوف يحضرون بذهنية جديدة حاملة تصورات جديدة للسلام، أم يحضرون بذات العقلية التي كانوا يتحاورون بها مع الإنقاذ؟ أننا ننتظر الجديد. و نسأل الله حسن البصيرة. 

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.