واحدة من إشكاليات النخب السياسية السودانية، إنها تريد أن تتعامل مع قضية التغيير التي حدثت في البلاد بذات العقلية التي كانت تتعامل بها مع النظام الديكتاتوري السابق، و أنها أغفلت درجة الوعي في الشارع السوداني، و أن الجيل الذي قدم أروع و أعظم درجات التضحية، يريد تغييرا شاملا يدك كل معاقل الفشل و الثقافة الديكتاتورية في البلاد، و يريد أيضا تصورات جديدة و مشاريع سياسية جديدة يكون الوطن مقدم علي كل مصلحة من المصالح التي تحملها النخب في أذهانها أو حتى تختزنها في ألا شعور. التغيير الذي حدث ليس انقلاب قامت به مؤسسة من مؤسسات الدولة القمعية، و لا تغييرا أحدثته القوى السياسية و تجاوب الشارع معها، و لا حتى انتصار حققته الحركات المسلحة، أن التغيير حدث خارج كل هذه الأسوار و التنميطات المختلفة. تغييرا أحدثه الجيل الجديد شبابا و شابات، من الشوارع، و أزقة الأحياء، و الروكيب، و بيوت الجالوص، و الذين يتخذون من الخيران سكن لهم، و أيضا من الأحياء و البيوت الراقية، و أحياء لها تاريخ في المدن. جيل جديد خرج من كل مدن السودان دون استثناء لذلك كان تحديهم أكبر و استطاعوا أن يستمروا شهورا متواصلة يقدمون التضحيات، و رغم القمع و القتل الذي حصل لهم، إلا أنهم لم ينكسروا، و لم يلين عمودهم، فصمودوا، فكان و إصرارهم عزيمتهم و قوة شكيمتهم هي التي قادتهم للإنتصار. 

فالذي يريد أن يتعامل مع الثورة و أهدافها يجب أن يضع كل هذه التضحيات التي قدمها هذا الجيل في مخيلته، و التغيير يتطلب عقلية جديدة، تسقط كل الرواثب من مخلفات النظام السابق. معلوم لكل صاحب بصيرة أن الولاءات القديمة لن تختفي، و حتى الانتماءات السياسية لا تغيب عن البال، و هذه الولاءات ذات أثر سالب في ترسيخ قيم الديمقراطية، خاصة في مجال الإعلام و الصحافة لأن الشخص يقيم المواد المعروضة عليه من خلال قربها و بعدها من قناعاته الخاصة أحتراما لهذه الولاءات و الانتماءات، رغم أن الديمقراطية تتطور و تترسخ في المجتمع من خلال حوار الأفكار و القناعات المتباينة، و أحترام للرآى الآخر، فالقصور في درجات الوعي السياسي لابد أن تتفاوت، و حتى التقييم للأحداث، لكن البعض يريد أن يتعامل بالذهنية التي تعرضت لضغط متواصل ثلاثين عاما لكي تغذي الساحة السياسية بالثقافة الشمولية.
هذه المقدمة كانت ضرورية، خاصة المقال يريد أن يتحاور مع ذهنيات رافضة للتغيير، و تريد أن تستمر بذات عقلية ما قبل الثورة، فالدخول مع هؤلاء بالفعل هو دخول في عش الدبابير، و سوف أتحمل الدغات لكشف الأجندة الخفية التي تحملها هذه االعقليات. عندما قرر رئيس الوزراء عبد الله حمدوك الذهاب لباريس و مقابلة رئيس حركة تحرير السودان عبد الواحد محمد نور باعتباره رئيسا لوزراء الحكومة الانتقالية، لذلك قبلت وزارة الخارجية أن تنظم له لقاءا مع عبد الواحد محمد نور. في اللقاء رفض عبد الواحد محمد نور مقابلة الرجل باعتباره رئيس وزراء، أنما يكون اللقاء شخصيا. و قبل رئيس الوزراء أن يكون اللقاء بهذه الصفة. و أصدر الناطق الرسمي محمد عبد الرحمن الناير لحركة تحرير السودان " جناح عبد الواحد محمد نور" بيانا عن المقابلة قال فيه "لقاء غير رسمي" بين حمدوك وعبد الواحد، بالتنسيق مع وزارة الخارجية الفرنسية"وأضاف "أنهما تبادلا الرؤى حول أسباب الصراع في السودان، وجميع القضايا السودانية، وكيفية مخاطبة جذور الأزمة، لا سيما قضايا التغيير والحرب والسلام واستكمال الثورة وبناء الدولة" هذا الحديث يقود لطرح عدة أسئلة: كان حمدوك قبل أن يكون رئيسا للوزراء موجودا خارج السودان سنين عددا، لماذا لم يتم لقاء بين الاثنين و حصل اللقاء بعد أن أصبح حمدوك رئيسا للوزراء؟ ما هي جذور المشكلة التي أصبحت ماركة مسجلة في كل خطابات قيادات الحركات المسلحة؟ لماذا لا تتقدم الحركات المسلحة و منها حركة عبد الواحد محمد نور بورقة معدة للتعريف بجذور المشكلة التي أصبحت مقدمة في أجندتها؟ هل كل الحركات موحدة في تعريف هذا المصطلح؟
يرفض عبد الواحد محمد نور أن يلتقي برئيس الوزراء، و المطالب بالوثيقة الدستورية، و أيضا مطالب من قبل كل القوى السياسية، و الذين قاموا بالثورة، بفتح حوار مع الحركات و الوصول لحلول مع الحركات، مع من يريد عبد الواحد محمد نور أن يلتقي لكي يتخاطب معه حول جذور المشكلة، ثم الوصول لحل؟ فحمدوك إذا تنازل أو لم يتنازل من موقعه الدستوري في هذا اللقاء، هو قد التقى مع عبد الواحد بهذه الصفة، و لو لا هذه الصفة مكان لهذا اللقاء أن يتم، و ليس لحمدوك و قراراته و لقاءاته وقع علي الساحة السياسية و الوطن لولا هذه الصفة الدستورية. و مصطلح جذور المشكلة الذي فرضته الحركات المسلحة منذ الحركة الشعبية في حوارها مع الإنقاذ لم يتم تعريفه سياسيا، لكن أخذ جانب الاستهبال السياسي، عندما تكون الحوافز مرضية للقيادات في حوار الحركات مع الإنقاذ تسكت عن ترديد هذا المصطلح، و عندما يكون الاتفاق لم ينال الرضى، تخرج القيادات و تقول أن التفاوض لم يتناول جذور المشكل. الآن وجب أن تتغير طبيعة الحوار، أن تتقدم الحركات بشرح و تعريف جذور المشكلة حتى تكون معروفة لكل الشعب، و هذا التعريف يسهل عملية الوصول لحل. فالحوار مع الحركات سوف يبدأ بعد أيام قليلة، و يجب علي مجلس الوزراء و المجلس السيادي عدم الدخول في هذا الحوار؛ إلا بعد أن تقدم هذه الحركات ورقة تشرح فيها ما هية جذور المشكلة التي أصبحت هي البند الأهم و الغامض في أجندتها.
كان من المتوقع بعد أنتصار الثورة و إقالة الديكتاتور، أن تحضر جميع قيادات الحركات و تشارك في عملية نقل السلطة، باعتبارها من القوى السياسية التي قدمت تضحيات كبيرة من أجل التغيير، و تكون في حماية الثوار، و كان سوف يكون لذلك وقعا طيبا في نفوس الناس، لآن مشاركتها سوف تكون إضافة نوعية في عملية نقل السلطة لقوى مدنية، لكن الحركات المسلحة جميعها "فقط استثناء عبد العزيز الحلو الذي قال سوف يتفاوض مع الحكومة بعد تشكيلها" فضلت الحركات التواجد بالخارج و تقديم طلباتها لتحالف " قوى الحرية و التغيير" أو " للسلطة الانتقالية" لكي تضمن في الوثائق، و تفرد لها وظائف دستورية في هياكل السلطة المختلفة، و فضلت التجوال بأجندتها علي العديد من العواصم في دول الإقليم دون أن تكون لعاصمة الثورة حظوة في ذلك. و خرجت العديد من الإعلانات التي تحمل أسم عواصم الدول " إعلان أديس أبابا – إعلان جوبا – إعلان منتجع العين السخنة و البقية سوف تأتي" و قالت الجبهة الثورية إنها سوف ترسل وفدا للخرطوم عال المستوى لتعزيز الثقة و توسيع المشاركة. السؤال: المشاركة مع من؟ لماذا تحاول الحركات أن تصور للآخرين أنها تمثل جبهة تتعامل مع القوى الآخرى و حتى الجماهير من برج عاجي؟
قالت الجبهة الثورية في بيان أصدرته عقب أنتهاء أجتماعاتها في منتجع العين السخنة بمصر قالت فيه "بعد نقاش مستفيض وتقييم وافي لتجربتي نداء السودان والحرية والتغيير، وآخذين في الإعتبار الأوضاع الحرجة والإنتقالية التي تمر بها بلادنا، وحاجتها الماسة لأكبر قدر من الإجماع الوطني، وتوحيد إرادة السودانيين نحو بناء بلد جديد، فإن الجبهة الثورية قد قررت الاستمرار في تطوير نداء السودان وقوي الحرية والتغيير، بحيث تعكس هذه التحالفات المصالح الوطنية وتوحد السودانيين لإجتياز الفترة الإنتقالية في شراكة منتجة مع كل قوي التغيير وأطراف الحكم الإنتقالي" صياغة البيان في هذه الفقرة يظهر أن الجبهة تنشد التعالي، و هي التي تقرر عملية الاستمرار لتطوير التحالفات، و كان أفضل الميل لخطاب فيه قدرا من التواضع مثل " ترى أن يتم تطوير للتحالفات من خلال الحوار مع أعضاء هذه التحالفات" إذا كانت الجبهة الثورية تعد نفسها جزءا فاعلا في هذه التحالفات. و لماذا لم ترسل ممثليها من الوهلة الأولى لكي تشارك في كل الحوارات مع قيادات " قحت"، بدلا أن تأخذ دور المتفرج، ثم بعد ذلك تقرر أن تعزل نفسها من هذه التحالفات و تطالب إنها تريد أن تناقش مع السلطة الانتقالية حقوقها بنفسها بعيدا عن القوى السياسية " المحاصصة" في كل هياكل السلطة الثلاث.
و في فقرة أخرى إيجابية من البيان تقول الجبهة "مدركين للمناخ الجديد الذي صنعته الثورة، والهدف الإستراتيجي للجبهة الثورية في الإنتقال من الحرب إلى السلام، والمساهمة الفاعلة في بناء النظام الجديد، وتحول الجبهة الثورية إلى كتلة قادرة على المنافسة الإنتخابية وتأتي برضى الناس، فإن الجبهة الثورية قد قررت إرسال وفد عالي المستوي للخرطوم لتعزيز الثقة، وإعطاء أكبر قدر من المشاركة الجماهيرية والتفاعل مع الجماهير في عملية صنع السلام الذي يخاطب مصالحها الفعلية" الإدراك يجب أن يتحول إلي فعل إيجابي يعزز قيم الثورة، و قبل ذلك؛ أن يثبت قواعدها علي الأرض، لكي تكون علي أرض صلبة، و هي تواجه تحديات الثورة المضادة، و لكن أن نجعل ظهرها مكشوفا، و يصبح دعاة الثورة لا يهمهم من التغيير غير الغنائم، يؤكد أن العقليات لم تغادر محطة الإنقاذ و ثقافتها، فالجبهة الثورية تختزن أشياء وراء الأكمة. و هي لا تخف مطالبها أن تكون جزءا في كل هياكل السلطة، هذه حقيقة ثابته مهما حاولت أن تنفيها، و مطالبتها أن لا يتم البت في عملية اختيار عضوية المجلس التشريعي و تعين الولاة، تؤكد ذلك، فالمتصور أن اجتماع الجبهة الثورية في مصر يتجاوز بيانات ما بعد الاجتماعات المتعود عليها، و الخروج بمشروع سياسي للجبهة، يستند علي أسس فكرية، تبين فيه الجبهة أنها قوى سياسية بمواصفات جديدة، تتماشى مع عملية التغيير التي تتحدث عنها في بيانها، و تنقل عملية التفكير النخبوي إلي مربع جديد، تشتغل فيه بتقديم تصورات حول النهضة في البلاد، لكن فضلت البيانات الإنشائية التي تعودت عليها دون تغيير في طبيعة التفكير. و حول الانتخابات القادمة أيضا تقدم تصورها لما بعد الفترة الانتقالية، هل سوف تتحول إلي حزب سياسي، أم كل فرد يحدد موقفه السياسي و ينضم إلي القوى السياسية التي يعتقد إنها سوف تحقق رغباته، و تغير الصورة التي انطبعت عن الحركات، بأنها تريد الوصول لحقائب دستورية من خلال البندقية، و ليس من خلال صناديق الاقتراع. و هي تؤكد في بيانها أنها تريد خوض الانتخابات القادمة كقوى موحدة، و ننتظر مشروعها السياسي، لكي يحصل التقييم الحقيقي لها، و ليس الإكتفاء ببيانات. و نسأل الله حسن البصيرة.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.