أصدر عدد من القوي السياسية بيانات توضح فيها موقفها من الأحداث الجارية في البلاد، و إن كانت البيانات أغلبيتها خرجت من القوي السياسية المعارضة للنظام، و أكتفت القوي المؤيدة للنظام بمؤتمرات صحفية تعليقا علي مواقف بعض القوي السياسية و تجنبت خوض الحديث في الأحداث الجارية. فالبيانات تبين كيف قرأت القوي السياسية الأحداث، و رؤىتها في كيفي تسير الأحداث لكي تحقق مقاصدها، خاصة أن خروج الجماهير للشارع رغم إنه كان خروجا غير منظم من قبل جهة سياسية لكنه بالفعل قد غير في المعادلة السياسية و توازن القوي، الأمر الذي سوف يؤثر علي مجريات العمل السياسي مستقبلا، خاصة إن الحزب الحاكم كان لديه أعتقاد إنه هو الذي يتحكم في مسار العمل الجماهيري في البلاد، لذلك كان دائما يتراجع عن الاتفاقيات التي كان يعقدها مع القوي السياسية، و أخرها الحوار الوطني الذي بدأ ينفذ مخرجاته بالصورة التي تتوافق مع رغبات قيادته و ليس بما يخدم قضية الوفاق الوطني.

كان حزب الأمة القومي بقيادة السيد الصادق المهدي قد أصدر بيانا يؤيد التظاهرات قال فيه " إننا في حزب الأمة القومي ندعم هذه الاحتجاجات، و ندعو كل عضويتنا بجميع أنحاء البلاد للمشاركة و الاحتجاجات بكل الطرق السلمية، و نؤكد أن حق التظاهر السلمي كفلته كل المواثيق و الأديان و الأعراف، و نناشد كل قطاعات الشعب السوداني بالتعبير الحركي و الرفض الواسع للنظام و سياسلته الخرقاء المستهدفة لقمة العيش و حق الحياة " الملاحظ إن بيان حزب الأمة كان مختصرا علي تأييد التظاهرات دون الخوض في قضايا آخرى، باعتبار إن الحزب يقود تحالف قوى " نداء السودان" و ترك التفاصيل الآخرى لكي تخرج بأسم التحالف، و طرح تصورهم لكيفية التعاطي مع القوي الآخرى، و تحقيق المقاصد النهائية من الحراك الشعبي. و سار حزب المؤتمر السوداني في ذات الاتجاه، حيث أصدر عدد من البيانات و التوجيهات منذ تظاهرة عطبرة الأولي حاسا الجماهير بالخروج للشارع، تاركا التفاصيل الآخرى أن تخرج من قوي التحالف مجتمعة.
في الجانب الآخر من المعارضة " قوي الاجماع الوطني" التي أصدرت بيانات تعبر عن مكوناتها و ليس عن التحالف. حيث أصدرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني بيانا عن الأحداث الجارية في البلاد، جاء البيان بعيدا عن التشنج و هادئا و موضوعيا، فيه قدر عالي من الحكمة السياسية المطلوبة في ظل هذه الظروف التي تمر بها البلاد، يفتح البيان أفاقا رحبة للحوار مع القوي السياسية الداعية للتحول الديمقراطي، و كما يحمل رؤية الحزب الشيوعي لتصور الفعل المستقبلي، هذه الحكمة لابد أن تهيئ البيئة لحوار مسؤول يؤدي للخروج بتوافق علي مشروع سياسي. يقول الحزب في بيانه " أتسعت المظاهرات و تصاعدت لتشمل كافة المدن و الأرياف و شاركت فيها قوى الشعب السوداني المتضررة من النظام و سياساته و بدأت الخلافات بين أطرافه قادت إلي انسلاخ الجبهة الوطنية للتغييرو حزب الأمة "جناح مبارك الفاضل" و هي خطوة تصب في مصلحة الحركة الجماهيرية و في تفكيك النظام، غير إن هذه القوى أعلنت البرنامج البديل المعتمد علي مخرجات الحوار الوطني" هذا المعنى كنت قد أشرت إليه في عدد من المقالات، أن تجريد النظام من القوي التي كانت تقف معه مسألة واجبة و ضرورية لمصلحة التحول الديمقراطية، و في ظل الدولة العميقة التي أسستها الإنقاذ في فترة الثلاث عقود. و ليس هناك غضاضة أن تتبنى الجبهة الوطنية للتغيير مخرجات الحوار الوطني حتى لا تخسر عضويتها و في نفس الوقت أن تجذب إلي صفها كل المترددين عن الخروج، و قناعتها بمخرجات الحوار يجب أن يصب في مجرى القضية الإستراتيجية و هي " التحول الديمقراطي و تفكيك دولة الحزب الواحد" كما إن المشروع الوطني الذي يـسس عليه دستور البلاد يجب أن يتم التوافق عليه عبر حوار دستوري جامع، و أيضا بعملية إحلال للثقافة الديمقراطية مكان الثقافة الشمولية في البلاد، و التي هي معركة فكرية كبيرة قادمة لا محال.
و يقول الحزب الشيوعي أيضا في بيانه " أدت حركة الجماهير إلي توسيع المعارضة التي انتظمت في منسقية دعم الثورةالسودانية و التي ضمت ( قوى الاجماع، نداء السودان، تجمع المهنيين، تيار الانتفاضة، تيار الوسط، تجمع الاتحاديين المعارض و الحزب الجمهوري) و كلما تقدم نضال شعبنا و اتسع كلما توحدت كلمة المعارضة و قواها و تعمقت أزمة النظام و يلجأ مع بعض الأطراف في محاولات بائسة لتفتيت وحدة المعارضة المسنودة بالمجتمع الدولي الساعي لتنفيذ مخطط الهبوط الناعم" الآن الإشكالية ليست في القوي الدولية التي تسعي للهبوط الناعم، بل في القوى الإقليمية جميعها الرافضة لأي تحول ديمقراطي يحدث في المنطقة، و هي تملك القوي المالية من أجل إجهاض أي تطلع للجماهير نحو الديمقراطية، لذلك يتوخى الحذر في كيفية الاستفادة من الحراك الجماهير لعملية التغيير. و هي تحتاج لإستيعاب التحولات الجارية في المنطقة، و التحالفات الجديدة التي بدأت تظهر علي مستويات مختلفة، و لكنها جميعا ضد قيام أي نظام ديمقراطي في المنطقة يمكن أن يؤثر علي أنظمتها مستقبلا، فهي لا تتردد في دعم النظام و إجهاض الثورة إذا شعرت إنها تسير عكس رغباتها.
و إذا دققنا النظر في بيان حزب البعث " جناح علي السنهوري" يبدأ بنفس حار يميل إلي الريديكالية التي دائما تغيب عنه الحكمة السياسية الواجبة في ظل صراع استقطابي حاد، و أيضا يتطلب طمأنة العديد من القطاعات الجماهيرية، الخائفة من التغيير و المترددة في المشاركة، لكي تصبح رصيدا للثورة و ليست خصما عليها، يقول البيان في مقدمته " في الوقت الذي تدخل فيه ثورة شعب السودان مرحلة متقدمة علي طريق تحقيق هدفها المركزي، بإسقاط نظام القهر و الفساد و إجتثاثه من جذوره، و بدت ملامح سقوطه الحتمى تدفع بالكثيرين للقفز من المركب الغارقة، و الاستمرار في عزل النظام و تجريده من أي سند، و تكتسب مسيرة انتفاضة الحسم و الظفر زخما جديدا من قوى اجتماعية متعددة، تشكل إضافة نوعية لقوى الثورة، فإن سارقي الثورات، من هنا و هناك، بدأوا ينشطون، لإختطاف الثورة و تجيير جهد شعب السودان لمصالحهم الخاصة و المشبوهة فأننا في حزب البعث العربي الاشتراكي نحذر بشكل خاص من المؤامرات التي تحركها بعض أطراف النظام من أجل إنقاذه من المصير المحتوم الذي ينتظره" إذا كان الجميع يتطلع مبدئيا لتحول ديمقراطي، يجب أن يظهر ذلك في استخدامهم للمفردات و المصطلحات الدالة علي ذلك، و أن يغادروا الثقافة الموروثة من نظم شمولية، إلي خطاب سياسي ديمقراطي بعيدا عن أدوات التخوين و المؤامرة. أما كشف ألاعيب النظام و مناوراته بهدف تفريغ ثورة الجماهير من مضونها، و محاولة إعادة إنتاج النظام الشمولي بصورة أو أخرى يرجع ذلك لحنكة القيادة التي تدير الأزمة، و قدرتها علي التبصر دون أن تكون المطالب الأساسية لعملية التحول الديمقراطي مجال مساومة سياسية. بقدر المطلوب من القوي السياسية الحذر أيضا مطلوب منها الحكمة.
إن الصراع الدائر بين الجماهير و قواها السياسية في مواجهة القوي الشمولية هي معركة ليست بالسهلة، باعتبار إن نظام الإنقاذ ليس هو نظام عبود و لا نميري إنما نظام أعتمد علي تنظيم عقائدي له أمتداداته الخارجية، و أيضا متقلقل في كل مؤسسات الدولة، و خاصة المؤسسات القمعية، و أيضا هناك مجموعات كانت مسلحة أرتبطت الآن مصالحها بالنظام، و كل هؤلاء يحتاجون لطمأنة من قوي التغيير، حتى يتحولوا لجانب الثورة و يكونوا رصيدا للتغيير، و هذا لا يمنع من محاسبة الذين أفسدوا و مارسوا انتهاكات لحقوق الإنسان أو القتل، باعتبار إن القضاء و العدل هو الآليات التي تتم من خلالها المحاسبة. و مبدأ الوصاية التي تحاول أن تمارسه بعض القوي علي الآخرين لا يخدم قضية التحول الديمقراطي.
إن كل قوي سياسية لديها مشروعها السياسي و أيضا كل تحالف لديه مشروعه السياسي، و كلها مشاريع تحتاج إلي دراسة و حوار، باعتبار أن محاولة فرض شعارات لقوي سياسية علي الناس تعتبر عاملا مدمرا للثورة و الانتفاضة، حسب ما تريد كل قوي أن تسميها، فكل هذه المشاريع المطروحة من القوي السياسية أو التحالفات لابد أن يخرج منها مشروعا توافقيا مقبولا من كل القوي السياسي، و يؤسس لقواعد الديمقراطية في البلاد، كما أن جذوة الاحتجاجات إذا أنطفأت الآن، سوف تعطي النظام فسحة للتنفس و الخروج من دائرة الدفاع لممارسة الهجوم بطرق شتي، و خاصة أن الإقليم المحيط بالسودان في مصلحته، و ليس في مصلحة قوى التحول الديمقراطي، لذلك الحكمة مطلوبة في إدارة المعركة و عملية التغيير.
الملاحظ إن الحزب الحاكم قد غاب عن الساحة السياسية، و لم يصدر بيانا، و أكتفي بتصريح رئيس الجمهورية رئيس الحزب في عدد من منابر المؤسسات القمعية و تحاد النقابات التابع للسلطة، و كان الهدف منها أن الرئيس يريد أن يتلمس مدي تأثير التظاهرات علي هذه المؤسسات، و مثل هذه اللقاءات لا تعكي حقيقة القناعات داخل المؤسسات أنما تعكس رغبة الأشخاص علي قمة الأجهزة. و أيضا عقد رئيس القطاع السياسي في الحزب الحاكم عبد الرحمن الخضر مؤتمر صحفي لكي يرد فقط علي قوي " الجبهة الوطنية للتغيير" التي خرجت من مؤسسات النظام، مما يؤكد أزمة الحزب الحاكم و تجريده من الجماهير في المجتمع. نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////