مجموعة من النخب السودانية ذات مرجعيات مختلفة تنشط في تكوين تيارا للوسط، و معلوم إن تيار الوسط ليس موقعا اجتماعيا، تتنادى إليه مجموعة تنتمي لطبقة بعينها، أنما هو تيار يعبر عن موقف فكري، و بالتحديد يعبر عن آمال و تصورات الطبقة الوسطى في المجتمع، باعتبارها الطبقة التي تخلق التوازن في المجتمع، و أيضا الطبقة التي تقوم بدور الاستنارة. و إذا استطاع تيار الوسط أن يجمع قواه و يطرح مشروعه السياسي سوف يستطيع أن يستقطب قاعدة واسعة من الطبقة الوسطى، و العناصر المنادية بالحرية و الديمقراطية. و إن كان البعض يعزي عدم فاعلية الطبقة الوسطى خاصة سياسيا بسبب ضعفها الناتج عن الأزمات الاقتصادية التي تتعرض لها البلاد، نتيجة للسياسات الخاطئة للإنقاذ، حيث جعلت 60% من الطبقة الوسطى تنحدر إلي الطبقات الدنيا، الأمر الذي شل قدراتها الذهنية حيث كرست جل وقتها للإهتمام بكيفية سد الفجوة في حجاتها اليومية المعيشية الأساسية. و أي نشاط سياسي و ثقافي يحاول أن يعيد للطبقة دورها الذي من المفترض أن تؤديه أجتماعيا، تكون خطوة صحيحة في طريق حل الآزمات في البلاد. باعتبار إن هذه الطبقة فيها من يكرس ذاته للعمل الفكري الذي يستطيع أن يغير طريقة التفكير السائدة التي فشلت في حل الآزمات.

في آواخر عقد الاربعينيات كان هناك سجالا محتدما داخل "الحركة السودانية للتحرر الوطني" بين أمينها العام عبد الوهاب زين العابدين و عبد الخالق محجوب حول الدور المستقبلي للحركة أن تتحول و تصبح حزب شيوعي أم تكون جزءا من تيار الوسط. كانت رؤية عبد الوهاب زين العابدين أن تكون الحركة جزءا من التيار الاتحادي الذي كان يعبر عن الطبقة الوسطى في البلاد، و يتمدد في المدن و وسط المثقفين، و تصبح عضوية الحركة السودانية للتحرر الوطني قوي منتجة للفكر لهذا التيار، و يستطيعيوا أن يقدموا أطروحاتهم الفكرية لتعضيد تيار الوسط في المجتمع، و في نفس الوقت إكسابه فاعلية تعزز شعاراته في المجتمع، و لكن استطاع عبد الخالق أن يقنع تيارا داخل الحركة بعملية تحول الحركة للحزب الشيوعي، و تم إبعاد عبد الوهاب زين العابدين و جاء عوض عبد الرازق الذي أيضا كان مقتنعا برؤية عبد الوهاب زين العابدين و تم إبعاده لتتحول الحركة للحزب الشيوعي، و فقدت البلاد فكرة كانت تكون ضامنة قوية لشعارات الوسط في الديمقراطية و الحرية.
في بحثي عن المجموعة التي تنشط لتأسيس تيار الوسط أستطعت أن أتحصل، علي ثلاث مسودات لتيار الوسط للتغيير، و تبدا بالرؤية الوطنية، و مسودة الوثيقة التأسيس، و مسودة مشروع الوثيقة التنظيمية و هي مسودات مطروحة للحوار، و تجولت في الثلاث مسودات لم أجد تعريفا للتيار ، و كان من المفترض أن تبدأ الديباجة بتعريف ما هو تيار الوسط للتغيير، و قد أهمل الذين صاغوا الوثائق تعريف التيار، و ربما يريدون أن يكون التعريف مهمة المؤتمر التأسيسي. و كل وثيقة تحتوي علي مقدمة و الموضوعات التي تتناولها الوثيقة، فمثلا الرؤية الوطنية تحتوي علي " ملامح من حضارة القرن و الفكر الحر المستقل و الهوية الوطنية و الدولة الحديثة" و لكل موضوع تعريف عنه باعتبارها تعد مداخلا للحوار. و مشروع الوثيقة التأسيسية تحتوي علي مدخل و أربعة عشر موضوعا أهمها " الاستقلالية و المرجعية الفكرية و الحرية و الديمقراطية و الهوية إلي جانب النظام السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي و الإعلامي و البيئي و علاقة الدين بالدولة و السياسة و الوحدة الوطنية و تقرير المصير " و الوثيقة كما عرفت إنها مسودة مطروحة للنقاش بهدف تطويرها، و هناك فقرات مكررة يمكن أن تدمج مع بعضها البعض. و الوثيقة التنظيمية تناقش القضايا التنظيمية تبدأ بالمؤتمر الذي يمثل أعلي سلطة في التيار و المؤتمرات القاعدية و اللوائح و غيرها.
يصبح السؤال هل تيار الوسط هو مشروع حزب جديد، أم هو تيار تحالفي جامع مهمته الأساسية أن يقدم أطروحات فكرية تعبر عن الوسط في قضايا الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية؟
في الخبر الذي كان قد أورده زهير عثمان حمد في صحيفة " سودانيزأون لين" تعريفا بالتيار قال فيه "ابتكار كيان جامع ليس علي نسق الجبهات والتحالفات ذات الأهداف المرحلية بل هو اصطفاف استراتيجي يعني بالتغيير الجوهري الذي ينتظم كافة مناحي الحياة فكريا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا من خلال برنامج تم إعداده في وثيقة (السودان الذي نريد) كواحدة من المخرجات الفكرية للتيار" التعريف في الخبر لم يوضح ماهية " تيار الوسط للتغيير" إذا كان ليس هو بحزب و ليس بتحالف بين مكونات سياسية مختلفة، ماهية نوعية الاصطفاف الإستراتيجي، و كيف يؤدي دوره في عملية التغيير و الإنتاج المعرفي، و لكن من داخل الوثائق التأسيسية هو أقرب إلي تحالف و لكنه منضبط تنظيميا، و الضبط التنظيمي في مراحل آخرى سوف يبعده عن التصور التحالفي إلي حزب سياسي يعبر عن قوي تابعة للطبقة الوسطى تبحث عن حلول للآزمات التي تعيشها البلاد،.
من خلال الشخصيات المكونة لتيار الوسط و هي تضم عناصر مرجعياتها ليبرالية تتبع لتيار وسطي، و تجمع عناصر من الحركة الاتحادية و المؤتمر السوداني و الطلاب المستقلين و أيضا يساريين ديمقراطيين، و هي مجموعة تنتمي للطبقة الوسطى لكنها متباينة في أفكارها، و يقول المثل " أحترس من الباب الذي له مفاتيح كثيرة" رغم أن تباين الأفكار و أختلافها يمكن أن يكون هو أحد أسباب نجاح التيار في المستقبل، باعتباره يهيء الجميع لحوار فكري مفتوح يتطلب صدور واسعة و أذهان مفتوحة متقيد بالضوابط الديمقراطية، رغم إن إشكالية النخبة السودانية جميعها لديها نوع من الحردان السياسي، إذا كان قد تم نقد لأطروحتها الفكرية، أو لم يؤخذ بأقوالها لأنها غير مكتملة الشروط العلمية و تتجاوز المنطق، هذا الحردان هو دليل علي سيطرة الثقافة الأحادية التي لا تعترف بالآخر، و تأثيرات النظم الشمولية، فيجب أن تتعلم النخب السياسية من التجارب، و أن تعيد تقييم هذه التجارب و معرفة الأسباب التي أدت إلي إخفاق الأحزاب و النخب السياسية. فالقوي التي تنسب إلي الطبقة الوسطي هي المناط بها أن تقوم بالمجهودات النقدية للتجارب السابقة، لأنها تمثل الآداة الأولي في عملية الاستنارة.
كتب الدكتور وجيه عفرو علي في "مجلة تكريت للعلوم السياسية" بحثا بعنوان " الطبقة الوسطى و دورها في عملية التحول الديمقراطي" يقول في أحدى فقرات البحث عن هذا الدور " أن الطبقة الوسطى الفاعلة و المؤثرة تعد من المستلزمات الأساسية التي يجب توافرها في أي مجتمع لنجاح الديمقراطية فيه. إذ إنها تمارس دور أساسي و فعال في تحقيق التحول الديمقراطي بمعنى إن نشوء الديمقراطية في أوروبا أرتبط بنشوء الطبقة الوسطى و تطورها، و يقال أن الديمقراطية لا يمكن أن تنشأ و تنمو إلا بوجود هياكل و بنى أجتماعية ضمن بناء طبقي تلعب فيه الشرئح الوسطى دورا كبيرا، بمعنى آخر إذا كانت هذه الطبقة قوية و فعالة يكون هناك إمكانية أوسع لتحقيق الديمقراطية. إذا كانت ضعيفة و هشة أو منقسمة سيكون تحقيق الديمقراطية أمرا صعبا" إن الإشكالية في السودان إن الطبقة الوسطى ضعيفة، و هذا الضعف هو الذي أثر في الضعف البائين في الأحزاب إن كانت في السلطة الحاكمة أو في المعارضة، من الناحيتين الفكرية و التنظيمية، و أيضا في الإنتاج المعرفي و الفكري، باعتبار إن اغلبية الطبقة الوسطة تدهورت و نزلت للطبقة الدنيا.
أن الآزمات في البلاد تجعل النخب تبحث عن مخارج و حلول، و واحدة من هذه الخيارات الدعوة لتأسيس "تيار الوسط للتغيير" و لكي يكون تيارا فاعلا من الناحيتين الفكرية و التنظيمية يبحث عن الوسائل التي تساعده علي تجميع الذين يقفون علي السياج و يصبحوا قوي فاعلة في التيار، و هي الأغلبية العظمى، و لكن نجاج التيار يعتمد علي الفكرة التي يطرحها، و كل ما كانت الفكرة واضحة و جلية دون ضباب فيها تكون أكثر جذبا، و دون تعدد الشعارات التي تكون مدعاة للخلافات و تباين وجهات النظر، فمثلا أن تكون القضية الإستراتيجية التي يتم علي ضوئها الاستقطاب " التحول الديمقراطي و الدولة المدنية" عبر نضال سياسي واسع. بعيدا عن تطويل الخطابات و الموضوعات،. و فكرة خلق تيار وسط للتغيير هي فكرة تحتاج إلي حوار مفتوح. و نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.