باطنية السياسة مصطلح مآخوذ من الفلم المصري " الباطنية" الذي كانت بطلته نادية الجندي و يحكي عن صراع تجار المخدرات في " منطقة الباطنية" في القاهرة، ثم تحول إلي مسلسل بطولة صلاح السعدني، و هي منطقة مدمرة للمجتمع المصري، باعتبارها المنطقة المتحكمة في توزيع المخدرات، و بالضرورة تكون قد اخترقت المؤسسات الأمنية المصرية لكي تحمي نفسها و تجارتها. و في السودان تحولت منطقة العمارات في الخرطوم ألي مسرح تحاك فيه مؤامرات السياسة، و هي المنطقة التي يوجد فيها مقر " حزب المؤتمر الوطني" المواجه لمدخل مطار الخرطوم. و حزب المؤتمر الوطني حزب لا يعبر عن طبقة اجتماعية في المجتمع، إن ما هو حزب يعتمد أعتمادا كليا علي الدولة و ثرواتها في أنشطتته و أستمراره في السلطة، و لذلك يصبح صراع المصالح بين عضوية الحزب صراعا مستمرا، و يأخذ أشكالا متنوعة تعبر عن مصالح مراكز القوي داخل الحزب، و مصالح الأفراد.

في الأيام القليلة الماضية و حتى الآن ظهر الصراع بصورة سافرة جدا، و تحول إلي تحديات و أقوال في منابر عديدة، دأخل المؤسسة الحزبية و البرلمان و المؤسسة الإسلامية، كان أبرزها خطاب الرئيس في البرلمان قبل يومين حيث كان الخطاب قصيرا جدا، ليس كما عود البشير عضوية البرلمان بخطاباته المطولة، و الخطاب لم يأتي بجديد، و حاول أن يؤكد فيه أنهم ساعين لحل المشكل الاقتصادي في البلاد لإزالة معاناة الناس، من خلال المشروعات الاستثمارية، و وجوب الاستمرار في الحرب علي الفساد، رغم إن الرئيس يعلم تماما إنه فشل تماما في إيجاد تمويل لهذه المشروعات، و أيضا فشل في السيطرة علي إيرادات الذهب رغم حربه المعلنة علي الفساد، و الأمل الوحيد الذي يراهن عليه هو تصدير بترول الجنوب. في ذات الخطاب قال الرئيس إن البلاد تتعرض لمؤامرات داخلية و خارجية و لم يوضح طبيعة المؤامرات و العناصر المشاركة فيها، بل أكتفي بإشارته للنواب أنتم تعلمونها تماما، و لكن الشعب لا يعلمها. الرئيس يعلم أن الصراع داخل حزبه أصبح صراعا واضحا و معلنا، و تتحكم فيه مصالح مختلفة، الغائب في هذا الصراع مصلحة الشعب.
التركيز علي حرب الفساد، عبارة عن تلويح بالعصى للمجموعة التي تشكل تحديا للرئيس و ترفض إعادة أنتخابه، و معلوم أن الفساد في نظام الإنقاذ كان في بداية المشوار السياسي عندما حصلت المفاصلة بين الإسلاميين عام 1999م، كان أداة للإستقطاب، خاصة للعناصر الضعيفة إن كان بين الإسلاميين أو القوي السياسية الأخرى في المعارضة، لذلك كان الرئيس و كل حاشيته يضجرون عند سماع كلمة الفساد، و انتشر الفساد في كل مفاصل الدولة و خاصة الوزارات الاقتصادية و الخدمية، و أصبح المشاركة في الفساد لأسر لها أفراد في السلطة، كما بدأت العناصر تتسلل من المؤتمر الشعبي إلي المؤتمر الوطني كل لغايته التي تبحث عن مصالح ذاتية. و عندما سئل الدكتور الترابي لماذا بدأت عناصر من المؤتمر الشعبي تهاجر للمؤتمر الوطني، قال ضاقت بهم المعائش. و عندما بدأت عناصر تتطلع إلي قمة الهرم، و هو طموح يجب أن يكون مشروعا في العمل السياسي، لكن الرئيس يرفض مثل هذا الطموح الذي يريد مضايقته في موقعه. فبدأت قضية الفساد تتحول إلي كرت ضغط، و عصى يلوح بها علي المجموعة التي تتحدي الرئيس. و لذلك أعترف الرئيس بالفساد و أطلق عليهم "القطط السمان" حسب تعبير الروائي المصري نجيب محفوظ. و الرئيس لا يستطيع أن يحارب الفساد كما ينبغي أن يحارب، لأسباب معلوم إن محاكمة الفاسدين، سوف تجر عناصر عديدة تطال حتى حاشية الرئيس، فهي لا تذهب أكثر من أنها كرت ضغط علي الآخرين، و أقصي ما تصل إليه تسويات ليس بغرض العدالة و لكن لتخويف الآخرين.
الملاحظة المهمة في خطاب الرئيس؛ إنه أعلن في خطابه إنه سوف يشكل اللجنة القومية للدستور، و عليها أن تتصل بكل الذين يجب أن يساهموا في صناعة الدستور حسب منصت عليه توصية الحوار الوطني، و هي توصية غير مرغوبة عند العناصر الإسلامية، و التي تعتقد أن فتح الباب لصناعة الدستور سوف يجردها من امتيازاتها، و هي تريد أن يكون تشكيل اللجنة بعد إجراء انتخابات 2020م، لاعتقاد أن المعارضة سوف تقاطع و لن تشارك في اللجنة، و تكون الانتخابات قاصرة فقط علي الإسلاميين و بعض عناصر من أحزاب التوالي لتجميل الصورة، و هي تعلم هؤلاء كما يقول المثل المصري " لا يهشو و لا ينشو"، مما يقع علي الإسلاميين وحدهم عبء صناعة الدستور، و الذي سوف يجيزه في ذاك الوقت برلمان منتخب أغلبيته من الإسلاميين. و الرئيس غير مطمئن للإسلاميين. و يقودنا ذلك للكلمة التي كان قد ألقاها الدكتور نافع علي نافع في ربك قبل أيام قليلة علي منبر الحركة الإسلامية، و قال "إن هناك مؤامرة تحاك ضد الإسلام من قبل العلمانيين" و هي رسالة في اتجاهين الأولي إلي الدكتور غازي صلاح الدين الذي أعلن رغبته للترشح لرئاسة الجمهورية، و قال إن هناك تحالف كبير بين قوي سياسية شاركت في الحوار و آخرى لم تشارك لخوض الانتخابات بقوائم موحدة، و الرسالة الثانية موجهة إلي اتباع الرئيس، إن اعلان الدكتور غازي الترشح للرئاسة، يعني انقسام في صف الإسلاميين، و يشكل تحدي ليس للرئيس فقط، بل للمجموعة التي يقودها الدكتور نافع، و سوف تجعله يغير كل حساباته، لذلك أعلن إنهم مع ترشيح الرئيس البشير، و يجب علي الإسلاميين أن يتفقوا علي أن يكون الرئيس البشير مرشحهم الوحيد. لتفويت الفرصة علي الدكتور غازي.
في قانون الانتخابات الذي أودع منضدة البرلمان، انتقدت بعض القوي التي كانت مشاركة في الحوار، و خاصة القوي التي تسمى قوي التغيير في البرلمان، المؤتمر الوطني بإنه استخدم مجلس الوزراء لكي يمرر من خلاله أجندته، و منها قانون الانتخابات دون مشورة القوي الآخرى، لكن أتضح إن عضوية المؤتمر الوطني ليست مجمعة علي القانون، و هناك الذين يعتقدون أن ولاة الولايات يجب أن يتم انتخابهم في الولايات، و أيضا مرشحي الحزب يتم ترشيحهم من مناطقهم، و هي الإستراتيجية التي تراهن عليها مجموعة الدكتور نافع أن يتم انتخاب كل عناصرهم في الولايات، و كذلك عضوية مجالس الولايات، و أيضا عضوية البرلمان الاتحادي، و بالتالي يتم لهم السيطرة الكاملة علي المؤسسات البرلمانية و حكام الولايات، و يصبح الرئيس محاط بجميع عناصرهم، و ليس أمام الرئيس غير رفع الراية البيضاء و الانصياع لهذه المجموعة، بعد أن تكون مجموعة نافع قد أنتصرت علي كل مراكز القوي داخل الحزب. و هذا الذي يقلق الرئيس و الذي أطلق عليه المؤامرة الداخلية. الغريب في الأمر إن صراع المجموعات داخل السلطة لا يضع أى أعتبار لقوي المعارضة، و يعتقدون قوى ضعيفة ليس لها قدرة علي التحدي غير البيانات، و الحرب من خلال وسائل الاتصال الاجتماعي، و لكن الصراع الحقيقي علي السلطة داخل بيت ما يسمى بحركة الإسلام السياسي.
في الجانب الآخر للساحة داخل السلطة، تعتقد قيادات أحزاب التوالي، و هي قوي سياسية صنعت بمواصفات محددة تحت أشراف المؤتمر الوطني، هؤلاء يعتقدون أن ذهاب الرئيس من السلطة، يفتح الباب علي مصرعيه لتحكم الإسلاميين علي السلطة، و هذا يعني نهايتهم، و لذلك هم يؤيدون انتخاب الرئيس في انتخابات 2020م، و هم مع تعديل الدستور، حتى لا يكون مصيرهم مرهون برضى الإسلاميين عنهم، و يعتقد أغلبية الإسلاميين إن الأحزاب التي جاء بها المؤتمر الوطني هؤلاء فائض عمالة، و استنزاف للأموال، و يجب التخلص منهم عندما يسمح الظرف بذلك، و هذا يخلق هلعا داخل أحزاب التوالي.
و قضية حاتم حسن بخيت لا تخرج من هذه الدائرة، معرفتي بالأخ حاتم و حقيقة أنا لا أعرف حاتم فقط أعرف حتى أسرته، و قد تمت معرفتي بحاتم و كمال حسن بخيت في بغداد، كنا طلبة في بغداد، حاتم في كلية القانون و العلوم السياسية، و أنا في الإعلام، و كان كمال و الشاعر الراحل عثمان خالد يعملون بالصحافة، حاتم مستقل لم ينتمي لحزب سياسي حتى هذه الحظة. و طوال معرفتي بحاتم ليس له علاقة بمثل هذه القضايا، لكن لا استطيع أن أجزم أن الحادث حدث أو مؤامرة، لكن في كلا الحالتين الحادث مقصود به الرئيس، و رسالة من قبل المجموعة التي فعلت ذلك، إننا قادرين علي تصفية حسابات حتى في رئاسة الجمهورية، و الرسالة بالفعل قد أغلقت الرئيس، و لماذا هي رسالة للرئيس لأنها بدأت قبل وقوعها عند الترشيح للحكومة.
في الترشيح للوزارة بعد أختيار معتز لرئاسة الوزراء، تم ترشيح الدكتور فضل عبد الله فضل وزير رئاسة الجمهورية لكي ينقل من رئاسة الجمهورية لمجلس الوزراء، رفض الرئيس تماما نقل فضل، باعتبار إن فضل يمثل حجر الزاوية لرئاسة الجمهورية، و وافق علي نقل حاتم لمجلس الوزراء، و وافق الرئيس علي نقل حاتم، باعتبار إن حاتم كان يعمل قبل نقله لمكتب الرئيس في مجلس الوزراءقرابة 35 عاما، و كان يشغل مدير إدارة الإعلام في مجلس الوزراء قبل نقله لمكتب رئيس الجمهورية، و يستطيع معتز أن يعتمد علي حاتم الذي بني خبرته جلها في مجلس الوزراء، و في ذات الوقت يضمن الرئيس أن مجلس الوزراء لا يستطيع الخروج عن طوعه، باعتبار إنه يتحكم علي رئيس الوزراء من أقربائه و حاتم أيضا من أقربائه، و هذه النظرة لم تكن تروق لآخرين، و لذلك أرادوا توجيه رسالة للرئيس تقول نحن قادرين حتى لضرب عناصر خاصة في حاشيتك.
الصراع أصبح علي أشده داخل الحزب الحاكم، و أيضا بين الحزب الحاكم و المجموعات الإسلامية التي تشارك في الحكم، و التي تريد أن تكون بديلا للعناصر القيادية في المؤتمر الوطني، و هذا الذي يجعل الدكتور نافع يستغل منابر الحركة الإسلامية و يقول إن الإسلام يواجه تحدي في البلاد من قبل العلمانيين، باعتبار أن تخطيطه مع مجموعته يتعرض لتحدى كبير ليس من داخل المؤتمر الوطني و لكن من خارج المؤتمر الوطني و أصبحت ساحة الإسلاميين موزعة بين تيارات مختلفة. و هناك الذين يعتقدون ليس هناك مانع أن يكون البشير رئيسا للجمهورية لكن مع تقليص صلاحياته، و إعطاء سلطة أكبر للبرلمان لمحاسبة السلطة التنفيذية و إقالة الوزراء، و في ذات الوقت تكون هناك صلاحيات لرئيس مجلس الوزراء مستمدة من الدستور، و تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية تجعل الموقع سيادي دون صلاحيات تؤثر علي العمل السياسي و السلطة التنفيذية و التشريعية، و أيضا أن لا تغيب معالم الدولة الإسلامية في نصوص الدستورية. كل هذا التفكير يدور داخل دائرة الإسلاميين بعيدا عن تصورات القوى الآخرى. و عندما تناقش الصراع الدائرة داخل دوائر الإسلاميين مع بعض القيادات المعارضة، يقولون كل الذي يحصل داخل الإسلاميين لا يهمنا ةو لسنا مشغولين به، هذا الحديث الغريب في السياسة هو الذي جعل الإنقاذ تستمر في السلطة ثلاثة عقود، و ماتزال تواصل البحث عن استمراريتها. و من أهم مهام العمل المعارض أن تعرف كيف تفكر قيادات السلطة، و ما هو مشروعها المستقبلي، و لكن المعارضة لم تخرج من حالة التناوش فيما بينها. و نسأل الله حسن البصيرة.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////