قال الدكتور أمين مكي مدني في محاضرة بعنوان " الإصلاح في الأحزاب السودانية" كان قد أقامها " منتدى الحوار الوطني الديمقراطي" في القاهرة عام 1994م بالقاهرة. و كانت المحاضرة مبرمج لها أن تكون واحدة من عدد من المحاضرات، تتحدث فيها قيادات القوي السياسية للأحزاب، و تحدث في هذه المحاضرة القطبين الاتحاديين " أحمد السيد حمد و محمد الحسن عبد الله يسن" و من حزب الأمة الدكتور التجاني السيسي و مهدي داؤود" ثم أعطيت الفرصة لمداخلة للدكتور أمين مكي مدني قال "إن قضية الإصلاح داخل الأحزاب السياسية جميعها، تمثل إشكالية محورية في عملية التطور السياسي في السودان، و إن القيادات التاريخية المتحكمة علي مفاصل هذه الأحزاب، لا تستطيع أن تنفذ أي عملية إصلاحية، و إذا كانت هذه القيادات لديها التصور لعملية الإصلاح و التحديث أو بمعنى أصح هي مؤمنة بالإصلاح و تحديث الأحزاب و تطورها، ما ترددت عبر مسيرتها التاريخية من فعل التحديث و التطوير، و لكن الفكرة ليست في أجندتها، و من مصلحتها الخاصة أن تستمر الأوضاع كما هي، و أي تغيير سوف يؤثر علي مواقعها.

ثم أضاف الدكتور مدني قائلا " أن الإصلاح هو مطلب القوي الحديثة في المجتمع، القوي التي تعتقد إنها علي هامش الفعل السياسي، و الإصلاح محاولة لفتح أبواب الأحزاب علي أسس إجرائية تتيح عملية التفاعل الفكري بين الأجيال، و تسمح للأجيال الجديدة أن تصعد لقمة هرم الأحزاب. و إن العملية الإصلاحية في مصلحة القوي الحديثة. و انتهت الندوة و اتفقنا علي أن تكون المحاضرة القادمة عن القوي الحديثة يتحدث فيها كل من الدكتور أمين مكي مدني و الدكتور فاروق محمد إبراهيم.
و في مقدمة المحاضرة قال الدكتور أمين مكي " إن القوي الحديثة في المجتمع لن تكون مؤثرة و قادرة علي إحداث تغييرات جوهرية في العمل السياسي، إذا لم تكن هي نفسها قوى منظمة، و مستوعبة لدورها التاريخي، و مدركة لحاجات مجتمعها، و القوي الحديثة التي أعنيها هي القوي التي استطاعت أن تحرر نفسها من الموروث الثقافي السياسي التقليدي، و عصبية الحزبية. و قال إن العمل من أجل خدمة الديمقراطية، لا يتم فقط من خلال الانتماء للأحزاب، و أيضا من خلال الانخراط في عمل منظمات المجتمع المدني التي تتيح مساحة واسعة لحرية الرآى، و الممارسة الديمقراطية من خلال الانتخابات الدورية لهذ المنظمات. و تعزيز قيم الديمقراطية و تجذيرها في المجتمع تتطلب وعي جماهيري.
تعرفت علي الدكتور أمين مكي مدني عن قرب من خلال فترة التسعينات عندما كانت القاهرة بؤرة متقدة و فاعلة لقيادات المعارضة. في ذلك الوقت كان الدكتور أمين يتخذ من مكتب الدكتور المصري يحي الجمل مكتبا له، و قد زرته عدد من المرات، وكان المكتب بجوار أحد مقرات أمن الدولة المصري، و كان يأتي صراخ الأشخاص الذين يتعرضون لأنواع من التعذيب بصورة مزعجة تقشعر لها الأبدان. و كنت أقول للدكتور مدني أنت و الدكتور يحي الجمل دعاة لحماية حقوق الإنسان كيف تستطيعون تحمل هذا الصراخ دون أن تفعلوا شيئا. قال الدكتور أمين مشكلة الوطني العربي دائما يظل الشخص ضعيفا أمام الانتهاكات و الحقوق الضائعة للمواطنيين، و إن الآنظمة الديكتاتورية تعتقد إن الانتهاكات التي تمارسها تعتبر تخويفا للناس، و هي بهذه الممارسة تقتل فيهم كل القيم النبيلة التي تدفع للتطرف و العنف في البلاد. و بعد مغادرتي إلي القاهرة في أكتوبر عام 2000م لم ألتق بالدكتور أمين إلا بعد تسع سنوات، في زيارة قمت بها للسودان عام 2012م، و ذهبت لشارع الجمهورية أبحث عن "كافتيريا" لدي فيها موعد مع أحد الأصدقاء، و إذا بي التقي بالدكتور أمين مكي وجها لوجه في برندات شارع الجمهورية، و أصر علي أن أذهب معه للمكتب، و أعتذرت لموعد مسبق مع صديق، و قال لي فقط لكي تتعرف علي المكتب و تحضر إليه في وقت أخر.
يعود الفضل للدكتور أمين مكي و الدكتور فاوق محمد إبراهيم في إدخال القوي الحديثة في قاموس العمل السياسي السوداني، باعتبارها القوي التي يقع علي عاتقها عملية التغيير في البلاد و التحول الديمقراطي، و هي القوي التي سوف تسهم بفاعلية في عملية تطوير و تحديث الأحزاب السودانية التي شاخت.
رحم الله المناضل الذي ترجل عن صهوة جواده الدكتور أمين مكي مدني الذي خلف إرثا نضاليا مشرفا. و مواقف وطنية من أجل إزالة العنف و العنصرية و إقامة العدل، في وطن يئن من وجع أفعال إبنائه، له الرحمة و المغفرة و نسأل الله أن يجعله مع الصديقين و الشهداء و أحسن اؤلئك رفيقا، و العزاء لأسرته و كل رفاق دربه في مجال السياسة و المحاماة و العمل المدني. و نسأل الله الصبر و المغفرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////