في الدولة الاسترالية تجري الانتخابات كل ثلاثة سنوات، في درجات الحكم الثلاث، الفدرالي و الولائي ثم المجالس المحلية، و التصويت إجباري " compulsory vote " يعقاب الشخص الذي لا يذهب لصناديق الاقتراع بغرامة تبدأ 100 دولار تتصاعد كلما كرر الشخص الغياب عن التصويت. و عندما وصلنا إلي ولاية " Queensland" في أستراليا كان يحكمها شخص يسمي "بيتر بيتي" قد فاز ثلاثة مرات متتالية، و كان ناجحا من حيث الانجازات في الولاية لذلك كان محبوبا في الشارع، و في الانتخابات الرابعة فاز أيضا بأصوات مريحة و أيضا حزبه في البرلمان، و بعد أقل من سنة من فوزه فجأ حزبه و منتخبيه بتقديم أستقالته و إفساح المجال لنائبته لكي تكمل المسيرة، و قال إنه مكث كثيرا في السلطة علي حساب أسرته التي تحتاجه الآن أكثر، كما يريد أن يغادر الحكم في فترة نجاحه، و يثبت للأجيال القادمة إن النجاح في السلطة ليس مدعاة للاستمرار في السلطة إن ما الدرس دائما يجب أن تفكر أن هناك أشخاص ربما يكون أكثر نجاحا يجب أن تفسح لهم المجال، و النجاح الحقيقي أن تصنع من التجربة كفاءات غادرة علي مواصة هذا النجاح. 

و التجربة الديمقراطية في استراليا كانت تعاني من إشكالية كبيرة، برفض الأحزاب أن تعتذر للمواطنين الأصليين " البورجيني" للقمع و الإبادة التي تعرضوا لها أثناء قدوم البريطانيين لاستراليا، و قد تم الاعتذار بعد ذلك من حكومة العمال، لكي تكتمل صورة الديمقراطية و تنقي من الشوائب، و لكن تظل الديمقراطية تترسخ ثقافتها من خلال التعاليم التي يقدمها السياسيين يوميا من خلال الممارسة. في الثقافة السودانية تختلف الثقافة، أختلافا كبيرا و متباينا، ربما يكون النجاح إذا حصل يشكل اليقين بالاستمرار في السلطة، كما إن هناك معوقات كثيرة تعوق عملية الحرية و الديمقراطية. و الإرث التاريخي في السودان هو الذي يشكل الحاضر و المستقبل، حيث نرى إن الأرث الثقافي السياسي الموروث من المشيخيات و الدويلات التي كانت قبل عزو محمد علي للسودان عام 1821م هو السائد المستمر في السلوك. و جاء محمد علي و حافظ علي الثقافة و مارس أقصي أعمال العنف و الانتهاكات. و الثقافة الإسلامية في السياسة و نظام الحكم التي رفعت شعاراتها إن كانت في المهدية أو ما بعدها، لم تقدم أجتهادات فكرية في السياسة و نظام الحكم بل لجأت إلي الإستلاف من أفكار لمفكرين خارج الحدود تتعارض أفكارهم مع الحرية و الديمقراطية. و أصبحت قضية الحرية و الديمقراطية في الثقافة السودانية تواجه تحديات كبيرة ليس فقط من القوي السياسية التي تقبض علي مفاصل السلطة حتى القوي السياسية التي تعارض هذه السياسة شعاريا تمارس الشمولية من خلال الواقع.
في 18 أغسطس 2018م عقدت القوي السياسية المنضوية تحت راية " نداء السودان" و أصدرت بيان نشر في عدد من المواقع السودانية يقول عقد نداء السودان اجتماع للمجلس القيادي و التشريعي في باريس و قد قرر مناهضة تعديل الدستور و تصعيد المقاومة و توحيد العمل المعارضو مقاومة ميزانية التجويعو الإفقار، و يكون ذلك عبر التظاهرات و الاعتصام و الإضراب السياسي و العصيان المدني و استنهاض الحركة الجماهيرية للتصدي للإنهيار الاقتصادي . ثم يدعو نداء السودان لعقد مؤتمرات لقوي المعارضة داخل السودان بالتزامن في العاصمة و كافة الولايات بمشاركة كل المنابر المعارضة و القوي الاجتماعية.
الملاحظ في البيان المنقول علي صفحات "المواقع الصحفية الالكترونية السودانية" لم يفرط في أي مصطلح للمقاومة، و تكررت مثل هذه البيانات المليئة بمفردات الإدانة و الاستنكار و تصعيد العمل الجماهيري، ثم تمر الإيام و ننتظر اجتماع آخر لكي يعقد النداء اجتماعه لكي يتحفنا بهذه المفردات التي لا تجد طريقها للواقع، بل هي هتاف علي الورق، و الهتاف علي الورق لا يجد صدى في الشارع لآن المطلوب أن تتلقي الجماهير النداء لكي تبدأ بالهتاف، هناك إشكالية كبيرة في قوي المعارضة إن كانت في نداء السودان أو قوي الإجماع الوطني، إنها لا تريد أن تقرأ الواقع قراءة صحيحة، لكي تدرسه دراس علمية و منطقية، لماذا لا تجد خطاباتها النارية ضد السلطة صدى وسط الجماهير؟ و رغم إكتمال كل عوامل الثورة و الانتفاضة لكن لا تتحرك الجماهير لتنجز ذلك؟ و هي ظاهرة تحتاج إلي وقفة للتفاكر بموضوعية بعيدا عن منهج التبرير الذي درجت عليه كل القوي السياسية السودانية. البلد في حاجة إلي فكر جديد و خطاب سياسي و لغة جديدة مغايرة للغة السابقة، و تحتاج لتغيير أيضا في الآدوات التي صدأت و إلي ذهنية جديدة مبدعة.
قوي نداء السودان و قوي الاجماع الوطني ترفع شعارات الديمقراطية و تناضل من أجل التحول الديمقراطي. و هذا إيجابي للحركة النضالية، لكن هذه النخب التي تقود المعارضة تعلم إن الديمقراطية ليست شعارات فقط، أن ما هي قيم و سلوك و ممارسة في الواقع تتفاعل معها الجماهير و تشارك فيها بفعلية، و كثرة البيانات و الخطابات الحماسية لا تقنع الجماهير و لا تخلق عندهم القناعة، القناعة تأتي من خلال الممارسة و الفعل، و إفساح المجال للأجيال الجديدة، ربما تملك الفكرة و الآدوات و الإبداع الذي يمكنها من تغيير مسار الفعل السياسي لمصلحة المعارضة، لأن السائد الآن إذا كان خطابا سياسيا أو أدوات للإقناع هي آدوات أثبتت فشلها تماما، هي أدوات مستخدمة ثلاثين عاما عمر النظام و لكنها لا تؤثر في الواقع، فالقيادات في المعارضة قد شاخت و نضب خيالها و فقدت القدرة الفاعلية لمعرفة كيف تدير معاركها بجدارة تجعلها تغير ميزان القوة لصالحها.
إذا كانت قيادات نداء السودان بالفعل تريد الحرية و الديمقراطية، أن تمارسها هي أولا لكي تقنع الجماهير، بأنها تناضل بالفعل من أجل شعاراتها المرفوعة أن تتخذ قرارات جادة بدلا من الخطابات الإنشائية التي درجت عليها:-
1- أن تصبح كل القيادات التاريخية في نداء السودان داخل المجلس التشريعي، لكي تتحول إلي قوي استشارية لما تملك من تجربة و معلومات.
2- أن تختار قيادات جديدة للمجلس القيادي أو التنفيذي، أن يكون هؤلاء من الشباب لا يتعدي عمر الشخص 40 عاما، و هؤلاء بالضرورة لديهم القدرة التفاعلية مع الشباب، و سوف يكونون أكثر إقناعا و جذب لقطاعات الشباب.
3- أن يتم الاختيار من خلال انتخابات دورية لكي تتغير فيها القيادة، و يقتنع الشباب الذين لديهم القدرات أن القيادة أفق مفتوح لكل مفكر و مبدع في أن يقدم ما عنده.
4- إذا كانت قيادات المعارضة نفسها تمارس ذات الفعل في احتكارية القيادة، و لا تريد أن تفسح المجال لقيادات جديدة من الشباب، لا تستطيع أن تقنع الجماهير إنها تناضل من أجل التحول الديمقراطي، إن ما هي فقط تريد أن تحرض الجماهير علي الانتفاضة لكي تسقط النظام و تحل محله، و بالتالي يجب عليها أن تثبت إنها مع التغيير المستمر ديمقراطيا.
5- إن القوي السياسية التي تناضل من أجل الديمقراطية يجب أن تعلم النشئ كيف تتم الممارسة الديمقراطية فعليا و ليس نظريا، لأن إنتاج الثقافة الديمقراطية يتأتى من خلال الممارسة.
يجب علي القوي السياسية المعارضة أن تكسر الروتين الذي سارت عليه، و تريد أن تكيف الأجيال الجديدة عليه، في أن تكون القيادة محتكرة لفئة قليلة من الأشخاص و الكل يتحول إلي كمبارس، و أدوات تنفيذية تنفذ ما يطلبه هؤلاء. و إذا كانت سلطة الإنقاذ الحاكمة قد فشلت في الحكم و تحقيق السلام و الاستقرار الاجتماعي و التنمية و توفير حياة كريمة للناس، و إن الناس تعاني من الأزمة الاقتصادية، تكون المعارضة نفسها قد فشلت أن تحقق تغييرا في الساحة السياسية، و مدام هي التي ترفع لواء التغيير عليها أن تعمل من أجل ذلك من داخل تنظيماتها. فهل تقبل قيادات نداء السودان أن تفسح المجال لآجيال جديدة من شباب لكي تقود المرحلة القادمة، أم إن شعاراتها فقط لتحقيق مكاسب شخصية لهذه القيادات. و نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.