معروف إن لعبة الروليت هي إبتكار فرنسي للعب الميسر، فيها الربح و الخسارة للاعبين و ليس للشركة، و اللعبة عبارة عن عجلة فيها العديد من الأرقام و بألوان مختلفة و تدور العجلة و ترسوا علي رقم واحد، و عند دوران العجلة كل واحد يعتقد أن العجلة سوف ترسو علي الرقم الذي قد أختاره، و أيضا التحالف الذي قام بين بعض من دول الخليج و الرئيس البشير شبيه بهذه اللعبة، لا تعرف إلي أي جانب ترسو العجلة، و لكن هناك كاسب واحد هو صاحب الروليت.
أن تصريح الأمين السياسي للمؤتمر الوطني د. عمر باسان عن رفض رئيس الجمهورية، المشير عمر البشير عرضاً مالياً من إحدى دول الجوار يكفل حل كافة المشاكل الاقتصادية بسبب اشتراطات فيها ملامح انقلاب على منظومة الكيان الإسلامي. و كرر ذات الحديث عثمان يوسف كبر نائب رئيس هيئة الشورى للمؤتمر الوطني في حديثه لبرنامج الميدان الشرقي في قناة "أمدرمان" بأن الرئيس البشير رفض عرضا من دولة مجاورة لحل مشاكل السودان مع اشتراطات أن يتخلي الرئيس عن منظومته الإسلامية. و المتحدثان بأسم الحزب الحاكم قد أكدا إن الرئيس البشير هو الذي رفض و ليست الحكومة أو الحزب الحاكم، مما يؤكد أن المتحكم في هذه الدولة شخص واحد هو الذي يقبل و يرفض حسب تصوره للقضية المطروحة أمامه، و البقية مجموعة من الكمبارس، مهمته ترويج دون فهم و دون رؤية، قيادات سياسية رضيت أن تعطل عقلها و تحافظ فقط علي مواقعها في السلطة و مصالحها الخاصة.
هذا الحديث إذا تم مقارنته بسعي الرئيس البشير لكي يكون جزء من تحالف " السعودية و الأمارات" هناك مفارقات كثيرة، تقود لطرح أسئلة عديدة. في فبراير 2015م صرح الرئيس البشير لجريدة الاتحاد الأمارتية بأن التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين يهدد استقرار الدول العربية. هذا التصريح يؤكد إن وراءه دافع قوي هو طمأنت الأمارات بأن نظامه بعيد عن الإخوان، بهدف أن تقدم الأمارات و السعودية مساعدات مالية لانظامه الشمولي. و كل الإجراءات التي كانت قد أتخذت في تلك الفترة، إغلاق المركز الثقافي الإيراني و كل الحسينيات التابعة للمركز، ثم قطع العلاقة مع إيران، كانت ترضيات لكي تفتح أمامه الأبواب لدي المسؤولين في السعودية و الأمارات. و قد سعى الرئيس سعيا حثيثا لكي يتلقى مساعدات مالية من السعودية و الأمارات، و خاصة السعودية التي تكررت زيارته لها من خلال العمرة و الحج لكي يلتقي بالمسؤولين فيها. و كانت الدولتان تتعاملان معه بنوع من الإهمال و عدم التقدير المتعارف عليه بروتكوليا، و كان ذلك واضحا عند استقبال الرئيس في الدولتان حيث كان يستقبل من قبل شخصيات أقل "بروتكوليا " رغم إن الدولتان فيما بعد اتضح إنهما كانتا قد أخترقتا مكتب الرئيس من قبل اللواء طه عثمان و أيضا جهاز الأمن، باعتبار إن طه كان ينتسب إليه و كان أحد قياداته، و كانت هناك مجموعة قيادية من الجهاز تلتف حول اللواء طه عثمان، و خاصة عبد الغفار الشريف رئيس القطاع السياسي في الجهاز. فكانت الدولتان علي دراية كاملة بكل التفاصيل التي تحصل علي مستوي القيادة السياسية في السودان، و مدى ارتباط الرئيس بالأخوان، و علاقة الإخوان بالنظام و مشاركتها في صناعة قرارات الدولة. و بعد أن قررت الدولتان شن حرب علي الحوثيين في اليمن حتى تصبح اليمن خاضعة كحديقة خلفية للسعودية، في هذه الفترة قررتا كيفية الاستفادة من السودان و مشاركته في الحرب دون أن تتعامل معه معاملة سخية كما تعاملت مع دول أخرى لم تشارك بطلقة واحدة، و بالفعل كان وافق الرئيس في أول مفاتحة له عن مشروع المشاركة دون أن يعطي لنفسه فرصة للتفكير و استشارة من لهم دراية بالقضايا الاستراتيجية داخل البلد، و هلل إعلام السلطة إن السودان ذاهب ليدافع عن أرض الحرمين رغم إن السعودية لم تقل إن دولتها مهددة بل قالت إنها تريد إعادة الشرعية في اليمن. كل ذلك تم و كان الشعب السوداني كله يعلم إن قبول المشاركة في حرب اليمن، كان بسبب أن الإنظام يعاني من أزمة أقتصادية يبحث عن حل لها، و خاصة دعم مالي من السعودية و الأمارات، و أرسل السودان جنوده و لكن تقاعست الدولتان عن المساعدة، هناك من عزاها إن السودان قد أتخذ موقفا حياديا في الأزمة بين قطر و الدول الأربعة التي أعلنت مقاطعتها " السعودية – الأمارات – مصر – البحرين" و معروف أن السعودية و الأمارات و مصر أعلنوا مقاطعة قطر لأنها تدعم حركة الأخوان المسلمين، و معلوم كان "لقناة الجزيرة" دور كبير و مؤثر في التعبئة الجماهيرية في الدول التي حدثت فيها ثورات، و إن الرئيس كان يعلم بهذه الحقائق، و رفض الرئيس أن يسحب الجنود السودانيين من اليمن رغم إن أغلبية الشعب السوداني رافض لإرسال جنود لحرب ليس له فيها "ناقة و لا جمل" و كان الأمل يحدو القيادة السياسية أن تدفع كل من السعودية و الأمارات بسخا شديد لكي تحل مشاكل السودان الاقتصادية، و لكن لم يحدث شيء ذلك. بل في عز الأزمة التي يعيشها السودان زار ولي العهد الأماراتي الشيخ محمد بن زايد أديس أبابا و قدم لها وديعة 2مليار دولار، لكي يؤكد أنهم لا يريدون أن يقدموا دعما أو قروضا للنظام في السودان مع سبق الإصرار.
إذاً ما هو السبب الذي جعل الأمين السياسي للمؤتمر الوطني يعلن إن الرئيس رفض عرضا من دولة مجاورة؟ هل حديث الرئيس في اجتماع مجلس الشورى الذي أعلن فيه إنه حركة إسلامية كامل الدسم؟ أم هي اتفاقية الجنوب التي سوف تؤدي لأستئناف تصدير البترول و يتحصل السودان رسوم التكرير و العبور؟ ثم ما هي الخطوة القادمة بعد هذا التصريح؟ هل هو التهديد الصريح بسحب الجنود السودانيين من اليمن؟ ثم إعادة العلاقات مع إيران؟ كلها أسئلة تتواتر إلي الذهن، في ظل التكتيكات التي يحاول النظام ممارستها. و الإشكالية التي تواجه السودان إن الرئيس البشير يتعامل مع القضايا الاستراتيجية دون مشورة و يعرض البلاد لمخاطر، و الدولة تعاني من قرارات رئيس يعتقد إنه يمتلك الحق وحده في اتخاذ قرارات مصيرة.
عندما أتخذت السعودية قرارا أن يشارك السودان في حرب اليمن و إرسال جنود كانت تعلم إن السودان يحكم بتنظيم الإسلام السياسي، و لكنها قد وجدت ممانعة من كل الدول في إرسال جنود، لذلك لجاءت للسودان و عندما سارع الرئيس بالقبول الوقتي، إنها قررت عدم الدفع، إلا بالشيء الذي تحدده هي و ليس الذي يطلبه الرئيس، فلا اعتقد الذي يوافق بهذه السرعة، يكون لديه الجرأة في رفض عرض مقدم له، و هو أصلا ذهب في حوجة للمال. نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.