معروف تاريخيا إن المهاجرين المسلمين الأوائل الذين جاءوا للسودان لم يكونوا ذوي زخيرة علمية وافرة، و لا فقهاء يشار إليهم بالبنان، و أيضا لم يكونوا فقهاء و علماء شاركوا في السجالات الفكرية التي كانت دائرة في مركز الدولة الإسلامية، إن كانت في دمشق أو بغداد، أو في المدن التي تأثرت بالإشعاع الثقافي و الفكري، مثل المدينة المنورة، الكوفة ، حلب ، القيروان ، القاهرة ، الأندلس و مشهد و غيرها، إنما هؤلاء كانوا من العامة الذين يحملون بعض من التفاسير السماعية غير العميقة البناء الفكري، كما كانت عند المعتزلة و الخوارج و الأشعرية و غيرها من المدارس الكلامية و الفكرية، أو حتى الحركات الإسلامية التحررية مثل القرامطة و الأباضية و الزنج و غيرهم. حيث تعمقت تلك المدارس في معارف المنطق و الفلسفة و غيرها، و يعود ذلك بإتصالهم بمعارف مناطق الوعي القديم في العالم في اليونان و روما و طهران. فالسودان كان قبلة للرعاة و النازحين و الذين هاجروا بحثا عن حياة أفضل، هؤلاء بقدومهم للسودان لم يستطيعوا أن يقدموا أكثر من الذي كان يحملونه من ثقافة متواضعة. و أبلغ ما وصلوا إليه من إبداع كيف يستطيعوا أن يستخدموا ما هو متوفر من آليات موسيقية و خاصة الطبول في نشر الإسلام، ثم بعد ذلك تحفيظ القرآن الكريم دون أي تعاليم مصاحبة آخرى، لأنهم لا يملكون، و بالتالي كانت الخلاوي و المسائد التي أسسوها فقط لتحفيظ القرآن، و هي العملية التي أصبحت مصاحبة للتعليم في السودان الحفظ، و ليس الفهم و التطبيق. و كما يقول المثل فاقد الشئ لا يعطيه.

نشأت الصوفية السودانية في ظل هذه البيئة الفقيرة معرفيا، و ظلت علي هذا الحال في مسارها التاريخي، و الفقر المعرفي جعلها تجلب بعض من الكتب الصفراء التي ترسخ قواعدها في المجتمع، لذلك أتجهت إلي الآساطير و الخرافات لكي تحاول أن تجيب علي الأسئلة التي كانت و ستظل تطرح عليها، و كما إن الضعف المعرفي جعلها تتجه إلي استغلال الأمية المنتشرة في الكسب الشخصي و الاستفادة من ذلك في ترسيخ نفوذها، لذلك لجأت لاختراع مسألة الكرامات، و قدرتهم علي حل مشاكل الناس المستعصية بأعتبارهم علي علم بالغيب، و لكنهم فشلوا، هذا التفكير الخرافي، جعل عملية التفكير العلمي تسير بصورة بطيئة في المجتمع، و انعكس ذلك علي آليات السلطة الحاكمة، و أيضا علي السياسة و التعليم في البلاد الذي اعتمد علي الحفظ كما هو سائد في الخلاوي، و تعتبر الدولة السنارية خير شاهد علي ذلك، في دور الفقهاء في سنار، و هؤلاء الفقهاء لم يخرجوا من دائرة الثقافة الدينية الفقيرة معرفيا، و التي كانت تعتمد علي الآساطير و الكرامات و غيبيات من صنع هؤلاء الفقهاء محدودي المعرفة.
ظلت الصوفية تحافظ علي مكانتها الاجتماعية في المجتمع و تآثيرها السياسي أيضا، مستغلة أنتشار الأمية، و عدم تأثير السودان بالتيارات الفكرية في العالم، و خاصة في تلك الفترة كان العالم الإسلامي قد دخل عهود الظلام، و راح في نوم عميق و حالة من الثبات، و هي الفترة التي استطاعت فيها الصوفية أن تتمدد بصورة كبيرة في المجتمع دون أن تعوقها عوائق تخلق لها تحديات تؤثر علي مصالحها الخاصة. و كانت قريبة جدا من عتبات السلطة التي تؤمن لها استمراريتها، و في نفس الوقت تلبي طلباتها، باعتبارها قوي لها تآثيرها القوي في المجتمع و تساعد علي استكانة الجماهير و حفظ الأمن. كان التحدي القوي للصوفية الثورة المهدية، و خاصة موقف الإمام المهدي من القضايا الفقهية، عندما أعلن موقفه من الأئمة الأربعة " مالك و أحمد بن حنبل و الشافعي و أبو حنيفة" باعتبارهم رجال أجتهدوا و هم أيضا رجال لهم حق الاجتهاد، هذه المقولة كانت تشكل تحديا قويا علي العقل الصوفي المحدود المعرفة، و يدخله في قضايا الاجتهاد التي تتطلب مزيدا من المعرفة بعلوم الدين و اللغة، لذلك فضلوا المعارضة و المقاطعة و أتهامه بالخروج علي نصوص الدين، لأنها كانت الأسهل، و تجعلهم يتخندقون وراء مقولات تاريخية، و لا تدخلهم في صراع يتطلب مجهودات فكرية لا يملكون نواصي معارفها. ثم جاء الاستعمار و استخدم البيوتات الصوفية في القضاء علي ما تبقي من السلطة المهدية خاصة شعاراتها الفكرية، و ظلت الصوفية قريبة من الإدارة الاستعمارية حماية لمصالحها و مستفيدة من عطايا الاستعمار و تساعده علي توطيد حكمه في البلاد، بعد الاستقلال لعبت الصوفية دورا كبيرا في حالات التعبيئة الجماهيرية في الانتخابات إلي جانب الحزبين " الاتحادي و الأمة" ثم جاء التحدي من المنطلقات الفكرية لرئيس الحزب الجمهوري محمود محمد طه الذي بدأ في عملية تفكير مغايرة لما كان سائدا، رغم إن محمود محمد طه جاء من خلفية صوفية لكنه حاول الرجوع بالصوفية إلي منصة تأسيسها الأول باعتبارها كانت تشكل تيارا فكريا في المجتمع الإسلامي، هذا التحدي كان أكبر من مكونات الصوفية المعرفية لذلك عجزت أن تخوض فيه فكريا، و رجعت لأوراقها التاريخية و تبنت ذات الآليات التي تصدت لمواجهة الفكرة المهدية، و اتهمته بالخروج عن الملة و الدين، و هي أسهل الوسائل التي يمكن التخندق خلفها و استنفار المجتمع الذي كانت تستغل أميته، ثم علاقتها الوطيدة بأركان السلطان، فالسلطة تستجيب لمطالب الصوفية لأنها تشكل لها حماية وقتية من خلال دورها في تسكين الجماهير.
ظهر دور الصوفية في العمل السياسي المباشر في العهد المايوي كما كان في الدولة السنارية من قبل، حيث كانت النخبة السياسية في العهد المايوي تعرف دور الصوفية التاريخي و خاصة تأثيرها علي قطاع واسع من الجماهير، و هذه النخبة هي خليط من شيوعيين و قوميين و بعض من القوي التقليدية، ثم نخب الإسلام السياسي، هؤلاء تلقوا تعليما حديثا و كانوا من الفئة المثقفة ذات الدراية بالعلوم الاجتماعية و معرفة بتشكيل التيارات السياسية في البلاد، إلي جانب الانتماء الديني، و دور الدين في الحراك الاجتماعي، لذلك جاءوا بالصوفية في تعضيد حكم النميري، و خاصة بعد أعلانه أحكام ما تسمى بالشريعة الإسلامية " قوانين سبتمبر"، و أدخلوا البلاد في تظاهرات جديدة من العمل السياسي و هي أفواج البيعة، التي لعب فيها الإسلام السياسي دورا كبيرا، و ظل هؤلاء يلتصقون بالصوفية و يجعلونها تلعب دورا في استمالة الجماهير. و الصوفية فيئة مسبطة للهمم الدعاة للتغيير، لأنهم يعتقدون أي تغيير في المجتمع مدعوم بأفكار جديدة لتحرير الإنسان من الأمية و الجهل سوف يكون علي حساب سلطتهم في المجتمع، و تؤيدها في ذلك الطائفية السياسية.
وليس غريبا أن تجد آهل الطرق الصوفية في حالة إنحناء دائم لآهل السلطة إلا القليل، و هؤلاء يعتقدون إن مصالحهم مرتبطة بصاحب القرار في الدولة و ليس بالمعارضة، و إذا نظرت دائما في التاريخ السياسي في السودان إن هؤلاء " الصوفية و الطائفية" هي التي تلعب دورا مهما في دعم النظم الديكتاتورية، و حتى في حالة الصراع العنيف بين السلطة و قوي المعارضة الداعية للتغيير، يميل هؤلاء إلي السلطة و محاولة دعمها بالتظاهرات المؤيدة للسلطة، و التي تدفع آجرها السلطة من خزينة الدولة. و أيضا الملاحظ عند الأزمات خاصة الاقتصادية تجد الصوفية في محاولة دفاعهم عن النظام يرجعون الأسباب التي أدت للآزمات إلي الجماهير التي خالفت الطريق و اتباع الشيوخ أو إنها خرجت عن مسار الدين، و حتى الفساد الذي يضرب السلطة و تغرق نخب السلطة فيه يكون لهؤلاء نصيب.
فالصوفية و ثقافتها المتجذرة في المجتمع تمثل أكبر تحدي لقوي التغيير في السودان، باعتبار إن الصوفية في السودان لم يكن لها دورا توعويا طوال مسارها التاريخي في البلاد، و منذ دخولها السودان من خلال المهاجرين المسلمين لم تلعب دورا حضاريا و ليس لها أي إنتاج فكري و معرفي، إن ما هي غارقة في أساطيرها و خرافاتها و كراماتها التي لم يصيب السودان منها دورا إيجابيا، حتى إذا كان ذلك في تعليم الناس تعليما مفيدا يساعدهم علي مواجهة صعوبات الحياة، و أيضا العمل المنتج، فكلها أقوال منقولة دون مشاهدة أو تثبت يقيني. إي عملية تغيير في المجتمع إذا لم تستطيع أن تفكك هذه الثقافة البدائية و تحاصرها سوف تفشل. و كان تالمنظور إن التوسع في عملية التعليم سوف يشكل تحدي كبير للصوفية، و لكن المشكل إن التعليم نفسه كان تعليما اعتمد علي المنهج الذي تمارسه الصوفية، هو أن يقوم الطالب بحفظ المواد المقررة عليه ثم ينقلها نقلا علي ورقة الامتحان، و ليس تعليما يقوم علي الفهم و التطبيق و أيضا علي اتباع مسار المنهج النقدي، و لذلك ظل المتعلمين لا يخرجون من طريقة التفكير التقليدي و المحافظة علي القيم التى أرثتها الصوفية في المجتمع و هي بالفعل قضية تحتاج لوضعها في الدراسة النقدية لمعرفة الآثار السالبية في تطور المجتمع و تحديثه. و نسأل الله حسن البصيرة.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////