عكف جهاز الأمن و المخابرات دائما عن خلق خطوط وهمية غير مفهومة عندما يكون الحديث عن مصادرة الحريات و الصحف و منع الأحزاب من قيام نشاطها السياسي خارج دورها، و الغريب في الأمر عندما يمارس جهاز الأمن مصادرة الصحيف لا يبدي أسباب المصادرة، و هي ممارسة الهدف منها أن تخلق رقيبا ذاتيا داخل الصحف دون أن يشار إلي أن الجهاز يمارس الضغوط علي الصحف لصناعة هذا الرقيب، و هي سياسة تكشف قصر النظر لقيادات الجهاز، و تتم ممارستها من عقلية شمولية عاجزة أن تطور ذاتها لكي تبتكر وسائل جديدة تحاول أن تخلق حالة من السلام الاجتماعي في البلاد، باعتبار أن حرية الرآي نفسها وسيلة من الوسائل التي تخفف درجة الاحتقان في المجتمع "calling down" و تعلي من شأن قيمة الحوار في المجتمع، لكن رغبات السلطة و المحافظة عليها لا تجعل تفكير هؤلاء يذهب للقيمة في الفعل، بقدر ما يذهب للعقاب لتوقيف الفعل، الأمر الذي قاد الإنقاذ من فشل إلي أخر، و إنها أصبحت نظاما للرغبات الشخصية، لحزب يتشكل من مجموعة تراعي مصالحها الخاصة دون المصالح الوطنية. 

أصبح مصطلح الخطوط الحمراء دمغة في خطاب الجهاز، و أداة تبريرية غير موفقة، لأنها لا تحمل قيمة يمكن الركون إليها، بقدر ما تحاول أن تبين أن الجهاز عجز أن يغادر أداة العنف إلي أدوات أكثر حضارة و مرونة، و ذلك راجع للذهنية الشمولية عند قيادات الجهاز، و التي أغلقت نفسها علي مرجعيتها الفكرية، دون أن تتطلع علي مرجعيات آخرى أكثر انفتاحا، و حتى مرجعيتها عجزت أن تقدم فيها اجتهادا يتجاوز قراءة الكتب الصفراء، و ربما يكون السبب كما يحاول البعض تبريره هو إرضاء الرئيس الذي لا يقبل النقد، و يتخوف من فتح الموضوعات التي تبين ضعف النظام، و عدم احترامه حتى للقوانين التي يصيغها بنفسه. و كان يجب أن تكون الخطوط الحمراء تعني الافعال التي تعارض روح و نص الدستور و القوانين و اللوائح، التي درج الرئيس علي تعديلها لتحقيق رغبته في الاستمرار في السلطة، و كان يجب أن تكون للدستور و القوانين احترامها و عدم المساس بها، و ليست متروكة لهوي بعض الأشخاص، و حتى تجاوز القانون يبت فيه القضاء. أما أن يترك تحديد الخطوط الحمراء لمجموعة تعد علي أصابع اليد مسألة غير مقبولة، و هي التي تخلق حالة الغبن و الاحتقان في المجتمع.
فإذا كان الجهاز يعتقد إن الخطوط الحمراء، هي عدم فتح ملف ترشيح الرئيس باعتبار إن الجهاز كله يعمل من أجل إعادة ترشيح البشير، و يجب علي الآخرين الذين لا يرغبون في ترشيح الرئيس أن يعبروا عن رفضهم بكل أريحية، و بدون أن يكون للموضوع خطوطا حمراء. و الرئيس مكث في السلطة ثلاثون عاما عجافا، فشل في المحافظة علي وحدة البلاد، و فشل في التنمية و فشل في السلام الاجتماعي، و فشل حتى في محاربة النعرات القبلية و العشائرية بل إعادها للقاموس السياسي بقوة، و فشل حتى أن يخلق عناصر قادرة علي القيادة، فشل حتى في بناء حزب تستطيع عضويته أن تعبر عن رؤيتهم بشجاعة، بل أستطاع أن يكشف ضعف العناصر الإسلامية و رغباتهم الأساسية في السلطة و استغلال المال حتى بطرق غير مشروعة. فإذا كان الرئيس يضمن لقيادات الجهاز الاستمرار في وظائفهم فإنه لا يضمن لعامة الشعب الحياة الكريمة، و لا يضمن لنفسه النجاة من الثورة، في ظل الحياة المزلة التي يعيشها الشعب، كان المتوقع من عناصر ترفع شعارات إسلامية أن يكون لها أحترام للمواثيق و العهود، و لكن إن الله يريد أن يفضحهم و يبين ضعفهم لأنفسهم قبل غيرهم، يخافون من الحاكم و لا يخافون من الله، يتبرأون من الشيعة و يتبعون في نفس الوقت فقههم " التقية".
أن خطاب الرئيس في مجلس الشورى الأخير، لا تجد فيه جديدا كلها وعود قالها منذ خطاب الانقلاب و يردد فيها دون خجل، أستمع للقاء الذي أجرته معه "قناة الجزيرة" التي كانت قد أجرته معه خديجة بن قنة عندما ترشح لانتخابات عام 2015 أقر بعظم لسانه إنه لن يترشح مرة أخرى، لأن لائحة الحزب تمنع ذلك و كذلك الدستور، و كان يجب عليه أن يحترم كلمته التي سمعها كل الشعب السوداني، و أن يحترم عهوده و وثائقه ممثلة في اللائحة و الدستور، و أن يفسح المجال للشباب كما قال في ذات اللقاء. أو يفعل كما فعل صديقه الجديد الرئيس الروسي بوتين، الذي رفض تعديل الدستور و رشح شخص أخر، رغم إنها ديمقراطية صورية لكن أحترم فيها الدستور الذي تمت صياغته في عهده. و احترام اللائحة و الدستور من قبل الرئيس تجعل الشعب كله يحترمها، و لا يعتبرها خرقة كل ما يحتاج الرئيس مزيدا من السلطة يمزقها، فكيف تكون هناك خطوط حمراء لنظام رئيسه لا يحترم دستور بلده و يعدله لمصلحته الشخصية، كيف ما شاء.
أصدق ما قاله الرئيس في كلمته إن البلد ليست فقيرة و لها موارد غنية جدا، لكن السؤال لماذا وصلت هذه الدرجة من الأزمة الاقتصادية في عهده؟ نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.