أفتتح رئيس الجمهورية عمر البشير وحدة تحقيقات جرائم الفساد التابعة لجهاز الأمن و المخابرات. و قال في كلمة الأفتتاح " يعتبر الفساد سوسا ينخر في جسد الدولة و المجتمع، و يخلق طبقات طفيلية، لذلك سنت الدولة الكثير من القوانيين و الإجراءات، و عملت علي تقوية مركز المراجع العام لجمهورية السودان، حرصا علي صيانة المال العام" و أضاف قائلا في كلمته " إن وحدة تحقيقات جرائم الفساد وحدة متكاملة تضم في عضويتها ممثلين لمختلف أجهزة الدولة، و بإنشائها نستطيع أن نطمئن علي حراسة المال العام" و في ذات المناسبة قال رئيس جهاز الأمن و المخابرات الفريق صلاح قوش " نحن حريصون علي أسترداد ما هو منهوب في شكل ضرائب أو تهرب ضريبي أو تهريب للذهب و الوقود، و نحن حريصون أيضا علي أن لا توجه تهمة لأحد بالباطل و التحري بدقة و موضوعية للوصول إلي الحقائق بهدوء و دون التشهير بأحد" إن قضية الفساد في الإنقاذ ليست ظاهرة جديدة، و هي ظاهرة بدأت بقوة بعد المفاصلة في الحزب الحاكم، و كان ضحيتها في تلك الفترة محاربة جريدة " السوداني" و قد تعرض رئيس تحريرها محجوب عروة في ذلك الوقت لحرب شرسة، و قد سجن و تم انتهاك لحقوقه من نافذين في النظام، فقط لأنه قد أشار لظاهرة الفساد التي بدأت ريحتها تفوح، و كانت بعض القيادات تريد أن تخرس كل الألسن التي تتحدث عن ظاهرة الفساد، و كان النظام ينكر أن يكون هناك فسادا، و لم تتغير القيادات إلا خروج بعض الرموز. إذاً ما هي الأسباب و العوامل التي جعلت قيادات النظام الآن تعلن الحرب علي الفساد بعد ما أصبحت منتشرة و خلقت لها جيشا جرارا نافذا في العديد من المؤسسات الاقتصادية و الخدمية؟ و إن كان المثل يقول خيرا أن تأتي من أن لا تأتي مطلقا...!

نجد من خلال حديث رئيس الجمهورية و رئيس جهاز الأمن و المخابرات إنهما ركزا علي فساد المال دون التعرض للفساد الآخر، فالسؤال هل وحدة التحقيقات سوف تكون قاصرة فقط علي فساد المال و الذين يستغلون المؤسسات الاقتصادية فقط أم محاربة الفساد بكل أنواعهو أشكاله المختلفة؟ و أيضا السؤال الأكثر أهمية ما هو الهدف من محاربة الفساد لأسباب تتعلق بالتنمية أم بصراع النفوذ علي السلطة؟
هناك أنواع عديدة من الفساد و يأخذ أشكال مختلفة، و دائما له أبعاد تجعله يتمدد في السلطة و خارج رجها، و هو فساد أخطر من فساد المال، لأنه يستغل النفوذ و الوظيفة من أجل تحقيق مكاسب شخصية و يضرب باللوائح و القوانين عرض الحائط. و هناك فساد في تجاوز القوانين و اللوائح و تعيين أبناء النخبة الحاكمة و النافذين في الدولة في الوظائف في مؤسسات الدولة و غيرها، أو في الوظائف التي يتم الترشيح لها من قبل السلطة في المنظمات الإقليمية و الدولية، دون الخضوع لاختبارات، و تجعل من أبناء الشعب طبقتين الأولي هلي التي تستحوذ علي كل شيء، كما هو حاصل تعين أبناء النافذين في الدولة، و ترك الوظائف الهامشية لبناء عامة الشعب. و مثل هذا الفساد يقدم العناصر الفاقدة الأهلية و التعليم المتخصص و الخبرات، و هؤلاء هم الذين سيشكلون القاعدة الأساسية للفساد في البلاد مستقبلا، و أيضا كل الإخفاقات و الانحرافات سوف تأتي من أداء هؤلاء.إذا كان مثل هذا الفساد سوف يستمر في الدولة دون رقيب و محاسبة كيف يتم إقناع الشعب إن الدولة بالفعل تحارب الفساد؟
قال الرئيس في حديثه في أفتتاح وحدة التحقيقات عن جرائم الفساد "إن الفساد سوف يخلق طبقات طفيلية" و الحديث حقيقي، لكنه من الناحية العلمية معكوس، صحيح إن الطبقات الطفيلية هي الداء الذي ينخر في قوائم الاقتصاد الوطني، لكن السؤال من الذي وراء خلق الطبقات الطفيلية في المجتمع؟ إن النظام الحاكم و سياساته هي التي تخلق الطبقات الطفيلية، و بدأت الطبقة الطفيلية تتخلق في نظام الإنقاذ منذ إنشاء وزارة التخطيط الاقتصادي، التي كان الهدف منها هو أن تخلق طبقة اقتصادية جديدة في المجتمع بديلا لطبقة الرأسمالية في البلاد، باعتبار إنها تعتقد طبقة تابعة للقوي السياسية التقليدية، و إن الحركة الإسلامية تريد أن تخلق الطبقة الرأسمالية التي تدين لها بالولاء، لكي تحدث تغييرا في المجتمع يشكل توازنات جديدة للقوي السياسية، لذلك فتحت الباب من خلال جمعيات خيرية تقدم لها تسهيلات و رخص تجارية و إعفاءات جمركية، و أيضا تسهيلات بنكية في شكل تمويل لمضاربات تجارية و عقارية و مالية و قروض، هذا التحول كان لابد أن يصحبه عدم تقيد بالقوانين و الإجراءات المالية، الأمر الذي أدي إلي دخول أعداد كبيرة من آهل الولاء، و خاصة من عناصر الحركة الإسلامية في انتشار مؤسسات تنخر في الاقتصاد الوطني، و انتشرت الطبقة الطفيلية في المجتمع، التي جاءت بقيمها و فرض شروطها علي المجتمع، و أيضا داخل المؤسسات الاقتصادية، و أيضا فرض تعاملات جديدة ليس لها علاقة بالقوانين و اللوائح.
إنتشار الطبقة الطفيلية يقوم علي الربح السريع الذي يتمثل في مضاربات العقارات و الخدمات و الدخول في عطاءات الدولة، و المناقصات و غيرها، و هي طبقة لا تشتغل في الصناعة و الزراعة و المشروعات الاقتصادية ذات العائد الإنتاجي و التي توفر وظائف للمواطنين و تسهم في دعم الاقتصاد الوطني، إنما تعمل علي تخرب الاقتصاد، و كل المؤسسات الاقتصادية و التجارية في البلاد، و هي التي تؤدي إلي استغلال النفوذ في الوزارات و المؤسسات الحكومية، و تعمل علي تخريب الزمم و تفشي الانحرافات غير الأخلاقية مثل الرشاوي، و شراء البعض في لجان العطاءات و المنقصات و غيرها.
إن الطبقات الطفيلية و الفساد و الانحراف الاخلاقي الذي يحصل في المؤسسات الحكومية و تعينات آهل الولاء و توظيف العناصر الأقل كفاءة و خبرة و غيرها دائما تحدث بنسبة 95% في النظم الشمولية، التي تقيد فيها الحريات و لا تمارس فيها الديمقراطية في تصعيد العناصر ذات الكفاءاة العالية، و باعتبار تركيز الصلاحيات مركزيا في يد شخص واحد أو قلة من الناس، و هي دائما خارج دائرة المحاسبة، و إذا لم يحدث تغييرا جوهريا في النظام لمصلحة التعددية السياسية، و هو النظام الذي تتوسع فيه دائرة الممارسة الديمقراطية و الحريات. فالنظام السياسي له دور كبير في خلق الأمراض الاجتماعية، و أيضا في الانحرافات، باعتبار إن المؤسسات الرقابية مممنوعة في النظم الشمولية من تناول قضايا الفساد و كشف الممارسات غير القانونية و التي تتعدى علي اللوائح و استغلال الوظيفة، و تحقيق المصالح الذاتية أو القبلية و العشائرية و الأسرية دون الوطنية.
أيضا السؤال الذي يطرح نفسه هل محاربة الفساد تقوم بها جهة واحدة أم هي مسؤولية المجتمع بآكمله؟ لآن المال الذي ينهب من الدولة هو ملك كل الشعب، و لابد للشعب أن يمارس حقه في مراقبة و صيانة و المحافظة علي هذا المال، و الشعب تتم عملية مراقبته علي المال العام و ممتلكات الدولة من خلال مؤسسات تتمثل في منظمات المجتمع المدني و الصحافة و الإعلام و غيرها، و هي لابد أن تعطي الحرية الكاملة لكي تمارس هذا الدور بفاعلية. و الفساد يجب معالجته قبل أن تفوح رائحته و يشكل طابور كبير في المجتمع يقف معه. فالفساد ظاهرة أكتشافها لا يريد تعقيدا إذا كانت هناك إرادة قوية في الدولة لمحاربة الفساد، إن غض الطرف عن الفساد سوف يجعله يشكل الطابور الخامس الذي يجعله يدافع عن مصالحه. و الفساد كظاهرة يعرف المجتمع المشاركين فيها، فمثلا شخص يشغل وظيفة و كل دخله من خلال مرتب يستلمه آخر الشهر، و ظهرت عليه علامات الفساد في بناء عمارات أو ممتلكات مقارنة بوظيفته تؤكد شبهة الفساد، كيف يتم التعامل مع هذه الظاهرة؟ يتم الانتظار حتى تكتشفها وحدة التحقيقات، أم إنها سوف تقبل شكاوي من المواطنيين، و الموظفين الصغار في المؤسسات الاقتصادية؟ هؤلاء إذا كتشفوا إن هناك إجراءات فساد في مؤسساتهم، أو إن هناك بعض القيادات في المؤسسات يمارسون الافعال ضد اللوائح و القانون، و لكنهم يخافون من رؤسائهم و لا يريدون أن يفقدوا وظائفهم كيف تستطيع الدولة أن توفر لهؤلاء الحماية حتى يكونوا هم أيضا حرصين علي حماية المال العام أو سوء أستغلال الوظيفة؟
إن الفساد في الدولة لا تبدأ فقط من الذين افسدوا، إنما تبدأ من أسئلة حول النظام الحاكم نفسه، هل هو نظام شمولي تغيب فيه وسائل الرقابة، أم هو نظام ديمقراطي يتيح المراقبة و رغم ذلك يعاني من الفساد، رغم إن النظام الديمقراطي أقل فسادا من النظم الشمولية و لكن عندما يظهر فيه الفساد يعني ذلك إن القوانين غير رادعة و فيها الكثير من الثقرات و تحتاج لتعديل، و تأتي المطالبة من جهات كثيرة للمعالجة و ليس أمام النظام غير الاستجابة لمطالب الجماهير، و لكن في النظم الشمولية هناك جهة واحدة هي التي تقرر و تبت في قضايا الفساد، و ليس للجماهير صدي عندها، و هي قضية بالفعل تحتاج لفتح النقاش حولها دون أن تكون هناك سقوف يخلقها النظام أو مؤسساته، إذا كانت هناك إرادة حقيقة للمعالجة، أما إذا كانت مناورة سياسية فقط يصبح الحديث فرضته حاجيات السياسة لضرورة وقتية فقط. و نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.