في المؤتمر الصحفي الذي عقده الفريق صلاح عبد الله " قوش" مدير جهاز الأمن و المخابرات، بعد إحباط محاولة تهريب 245 كيلو جرام ذهب، قال الفريق قوش في المؤتمر الصحفي "إن سياسة الدولة هي الحفاظ علي موارد البلاد، إلا إن هناك شبكات منظمة تضرب الاقتصاد، و أضاف قائلا إن تهريب الذهب واحدة من الأسباب التي أدت لشح السيولة في البنوك، و يعود ذلك لأنه لم يكن هناك رقيبا أو من يسأل عن ذلك. و لكن سوف تستمر عملية محاربة الفساد و ليس هناك كبير علي القانون". و هي مقولات ربما تفتح نفاجات النقاش حول قضية الفساد لأنها قضية تمس الأمن الوطني، و أيضا تطرح أسئلة مهمة. هل محاربة الفساد مهمة جهازا الأمن و المخابرات لوحده، أم هي قضية يجب أن يسهم فيها المجتمع لكي يسهم في الحفاظ علي موارده، و يتم استخدامها في الأشياء التي تعود عليه بالنفع؟ و السؤال الثاني الذي يطرح نفسه من مقولة الفريق نفسه "إن الفساد تقوم به شبكات منظمة" الأمر الذي يؤكد إن الفساد في الدولة يختلف عن فساد الأفراد، الأمر الذي يجعلنا نطرح السؤال الأتي هل تفشي الفساد بهذه الصورة يرجع لغياب الفكرة في الدولة و لطبيعة النظام الشمولي؟ السؤال المهم من مقولة قوش نفسه أين جهاز الأمن عندما بدأت النخبة الإسلامية في عملية الانحراف أم إن قيادات الجهاز نفسها كانت جزء من هذا الفساد لذلك عمدت علي محاصرة الحريات و شنت حربا علي الصحافة و الصحفيين حتى لا ينكشف أمرهم؟ و هل الممارسة التي ما تزال تطول حرية الصحافة من خلال المصادرات المستمرة و توقيف بعض الكتاب عن الكتابة هي جزء من عملية الانحراف لكي يؤكد أن العملية أصبحت كالسرطان الذي ينخر في جسد البلد؟ 

إن طرح القضية في مؤتمر صحفي مسألة إجابية، رغم إن المؤتمر كان تنويريا، دون أن يفتح الباب للأسئلة، باعتبار إن هناك أسئلة كثيرة تحتاج إلي إجابات، و إن كان المؤتمر نفسه يعد بادرة بفتح منافذ للحوار العقلاني في قضية أضحت ظاهرة خطيرة، باعتبار إن محاربة الفساد تحتاج لتغيير العديد من المفاهيم في الثقافة السياسية في البلاد، و كل نظام سياسي حسب مرجعيته الفكرية يمتلك الأدوات التي تخدم أهدافه، و ليس القوانين وحدها هي التي تشكل ردعا للمفسدين، هؤلاء يستطيعوا أن يجدوا الثقرات التي يستطيعون من خلالها النفاذ لنهب ثروات البلاد، و هذا يرجع لطبيعة النظام السياسي القائم، فالنظم التي تحاول أن تضعف الآدوات التي تساعد علي محاربة الفساد و أولها الحرية و خاصة حرية الصحافة هي نظم معطوب قوائمها، و حتى المؤسسات التي تدعي إنها تحارب الفساد هي متهمة أكثر من غيرها لتفشي الفساد، لأنها تغطي عليه، و مهمتها أن تكشفه لكنها لم تفعل لماذا؟ فإذا كانت هذه المؤسسات جميعها تعمل من أجل إعادة إنتخاب رئيس نظامه متهم بالفساد كيف يستقيم أن تحارب الفساد بالذين في دائرة الاتهام؟ إذا تصبح كل المحاولات لمحاربة الفساد هي تهدئات لا تسبر غور المشكل و لا تخرج البلاد من أزماتها.
إن طبيعة النظم هي التي تحدد مستويات محاربة الفساد، كتب الأستاذ عياد بلال الباحث المغربي في علم الاجتماع و انثروبولوجيا الثقافية في بحث له نشر في صفحة " مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات و الابحاث، بعنوان " النسق السياسي العربي بين الفساد و الإصلاح" يقول فيه " أن تعدد تمظهرات الفساد و تجلياته في السياسة العربية، يقتضي تحليا استدعاء المفاهيم ( المحاسبة - المسؤولية – النزاهة – الحق - القانون) و كلها مفاهيم مؤسسة للدساتير الديمقراطية حيث حكم الشعب بالشعب من أجل الشعب، و لهذا فإن كل خلل وظيفي يصيب النسق السياسي علي مستوى تدبير و إدارة الحكم هو وجه من وجوه فساد اللعبة السياسية حيث يختل المعنى الاجتماعي و الثقافي و تختفي القيم الديمقراطية باعتبارها رموزا و سيلية لتحقيق العدالة الاجتماعية، لتحل محلها قيم ( المحسوبية – الرشوة – الزبونية – الريع – الظلم – و الاستعباد الاجتماعي - ....الخ) و هو ما بات يميز المجتمعات العربية مع اختلاف درجات الفساد السياسي و لذلك يقتضي الإصلاح، إعادة بناء المعنى السياسي ديمقراطيا بشكل يعمل علي تفكيك الأنظمة الآوتوقراطية و الثيوقراطية علي حد سواء و فصل اللبس الحاصل بين المقدس و المدنس في السياسة العربية" و بالفعل إن أي نظام سياسي له مفاهيمه الخاصة و التي يحتاج إليها لكي يسهل مهمة أداء النظام، و واحدة من إشكاليات النظم الشمولية، إنها لا تهتم بقضايا المحاسبة و المسؤولية و القانون، باعتبارها نظم تقوم علي مركزية السلطة و القرار، و لا تسمح بتوزيع السلطة، و هي صفة النظم الشمولية و التي تضعف دور الرقابة، إلي جانب إنها تقلص مساحات الحرية من خلال تبريرات كثيرة غير مقنعة، و غياب الحرية في مصلحة القيادات التي تريد أن تفعل ما تشاء دون أن تكون تحت المراقبة من أي جهة كانت، و هي تعد منافذ للفساد في المؤسسات المختلفة.
في النظم الشمولية كثير من القيادات تقف ضد توسيع دائرة الحرية في المجتمع و خاصة حرية الإعلام و الصحافة، حتى تحد من دورها في المراقبة، و محاولات السلطة المستمرة في تعديل قانون الصحافة و المطبوعات و تفرض عليه الكثير من الأحكام المقيدة علي الصحفيين و دور الصحافة، هي تؤكد إن القيادات السياسية تريد أن تحد من دور السلطات التي تفرض عليها الرقابة، و هؤلاء يريدون أن يصبح الفساد هو الأصل في النظام السياسي و محاربته تبدو حالة شاذة، و يجب وضع كل العوائق أمام الحرية، و إشكالية النظم الشمولية لا يتم أختيار العناصر التي تشغل الوظائف عبر التنافس و الكفاءة، إنما عبر معايير إنتهازية و المحسوبية و الولاء، و هي معايير لا تقبل القانون و الحق و لا الحرية التي تساعد علي كشف هذه الممارسات المريضة. لذلك أي مجهودات في ظل النظم الشمولية لمحاربة الفساد تصبح حرث في البحر و مهدئات وقتية، و لابد من عملية التحول الديمقراطي التي تصعد للقمة قيادات عبر منافسات قوية، تقول فيها الجماهير كلمتها، و أيضا أن يكون القرار في يد الجماهير في التغيير عبر فترة زمنية محددة، و لكن أي محاولات لمحاربة الفساد في ظل الشمولية و مركزية السلطة و غياب القانون هي محاولات لا يضمن نجاحها. و نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.