كل ما تأزم الوضع في البلاد، سارع حزب المؤتمر الوطني بإرسال بعض قياداته لمقابلة قيادات الأحزاب المعارضة، و الحديث عن حوار للوصول لتوافق وطني، أو الإشارة إلي إن الحزب الحاكم لديه الرغبة في التغيير، الهدف منها هو محاولة صرف الأنظار عن الأزمة التي عجز المؤتمر الوطني عن تخفيفها، و هي سياسة درج عليها الحزب الحاكم مع استخدام عناصر من الأحزاب التي صنعها، و قبلت أن تغادر أحزابها الرئيسية لكي تلعب هذا الدور، علي هامش الفعل السياسي، و هي عناصر فقدت بريقها في الساحة السياسية، بإرادتها، و العبرة في الحوار الوطني الذي تم و أخرج قراراته و توصياته، و كيف تعامل معها المؤتمر الوطني بتغيير المضامين بما يتناسب مع قياداته التي اتسمت بالفشل في مسيرتها السياسية ثلاثين عاملا، فالحزب الحاكم لا يؤتمن علي معاهد و عهد و ميثاق.

و الحوار الذي تم بين حزب الأمة و المؤتمر الوطني مؤخرا في القاهرة، و خرج ببيان مشترك يؤكد ما ذهبت إليه. إن الأزمة التي تعيشها البلاد نتيجة للسياسات الاقتصادية للحزب الحاكم، و يعيشها الشعب بعدم حصولهم حتى علي أموالهم المودع في البنوك، و هي سياسة تعكس عمق الأزمة، و تثير غضبا واسعا في الشارع، و هي التي دفعت الحزب الحاكم للسعي للإلتقاء بقيادات أحزاب المعارضة، محاولة منه لصرف الأنظار، و ليس البحث عن حل جذري للمشكل. وقال بيان ممهور بتوقيع الصادق المهدي والهادي عبد الله منشور علي الصحف الالكترونية السودانية يقول "بعد استيضاح متبادل لوجهات النظر تم الاتفاق على ضرورة تهيئة المناخ وأهمية الالتزام بخارطة الطريق كآلية لبحث القضايا الوطنية" و يضيف البيان "و اتفق الطرفان علي مواصلة التشاور حول إيجاد وسائل لمتابعة التنفيذ الأمثل لإجراءات تهيئة المناخ و خارطة الطرق، و بهدف تحقيق الوفاق القومي و الشامل الذي لا يهيمن عليه أدا و لا يستثني منه أحدا في مسيرة الوطن لسلام شامل و تحول ديمقراطي كامل بوسائل خالية من العنف" و السؤال كم من البيانات التى وقعها المؤتمر الوطني مع الأحزاب المعارضة، و كانت النتيجة النكوص عن العهود؟ و الآن يحاول المؤتمر الوطني من خلال المسرحيات التي ينظمها في الأقاليم و ترشيح البشير لولاية جديدة، تؤكد هذا النكوص. رغم إن لائحتهم الحزبية لا تعطي البشير فرصة آخرى للترشح لرئاسة الحزب الذي تؤهله للترشيح لرئاسة الجمهورية، و أيضا الدستور لا يسمح له بالترشيح، و لكن قيادات المؤتمر الوطني يريدون الاستمرار في الحنث بالعهود و المواثيق لكي يغيروا الائحة الحزبية و الدستور لترشيح رئيس فاشل، مما يؤكد إن هذه القيادات ليس لها مصلحة بالوطن، و لا بالمواطنين و معاناتهم، إنها تبحث عن كيفية المواصلة في مواقعها. و ما أتفقوا عليه مع حزب الأمة للتغيير، كان أولي بهم أن ينفذوا ما جاء في وثيقة الحوار الوطني، و أن يحترموا الدستور، بدلا من البحث لتعديله لمصلحة شخص أثبت فشله في تجربة الثلاثين عاما عجافا علي الشعب. و يطلقوا الحريات كما هو منصوص عليها في الدستور الانتقالي لسنة 2005م، و يضعوا حدا لليد الطولي لجهاز الأمن، و يجعلونه جهازا قوميا بدلا من تابعيته لحزب المؤتمر الوطني، و الإتمار بأمره، و منعه للصحافة من الحديث عن ترشيح رئيس نفد كل ما لديه في صناعة الفشل.
إن البيان الذي وقعه حزب المؤتمر الوطني مع حزب الأمة مثله مثل الاتفاق الذي كان قد وقعه نائب رئيس الحزب من قبل الدكتور نافع علي نافع مع الحركة الشعبية، و جاء الرئيس نقضه في سويعات لكي يؤكد إنه صاحب القول الفصل، و هذا الاتفاق أيضا مصيره مصير الاتفاقيات الآخرى، العقلية الشمولية و الديكتاتورية لا يمكن أن تصبح بين يوم و ليلة عقلية ديمقراطية، و لن تصبح و إن قانون الانتخابات الذي وضعته الحكومة علي منضدة البرلمان، و الذي هو نتاج و صياغة حزب المؤتمر الوطني، تؤكد إن هذا الحزب لا يقبل بالحوار و لا يحترم معاهدات أو مواثيق و اتفاقيات.
إذا كان الحزب الحاكم جادي في توافق وطني، كان استفاد من حواره الذي رفضته المعارضة لعدم مصداقية الحزب الحاكم، أن يجعله طريقا لبناء جسور الثقة في تنفيذ مخرجاته، كما خرجت من مؤتمر الحوار الوطني، و لكنهم في أول أختبار في البرلمان لجأوا للتغير المضامين بما يتناسب مع مصالح الفئة الحاكمة، و أيضا يصدر الرئيس قرارات لتكوين لجان تابعة لرئاسة الجمهورية لتفريغ كل محتويات الحوار من مضامينها، و تجعل له السيطرة علي كل شيء، هذه عقلية شمولية ديكتاتورية لا يمكن الوثوق فيها، فهي عقلية لا تعرف من ثقافة السياسة غير كيف تقبض علي كل خطوط اللعبة السياسية، و هؤلاء يعلمون تماما إن السودان وصل لهذه المرحلة من التدهور و الانهيار بسبب هذه العقلية الحاكمة و علي رأسها رئيس الجمهورية، الذي أصبح هو المشكل الأساسي في عدم وصول القوي السياسية لاتفاق وطني. و كما قال الآسلامي مالك حسين إن أول عتبات النجاح و تجاوز حالات الفشل أن يتخلي البشير عن السلطة، و ترك البشير السلطة سوف تذهب معه كل القيادات الفاسدة.
إذا كان الحزب الحاكم جادا في عملية التغيير، يجب عليه أن يبحث كيف يستطيع أن يتخلص من هذا الرئيس، و كل القيادات التي شاركت في الفساد، كما حدث في كل من زمبابوي و جنوب أفريقيا، و لكن أي حوار أو خطوة يقوم بها الحزب الحاكم لحل الأزمات في البلاد بوجود البشير في السلطة، تكون مناورات سياسية ليس فيها ما يفيد هذا الشعب المقهور. و نسأل الله حسن البصيرة.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////