يقول القطب الاتحادي المرحوم محمد الحسن عبد الله ياسين في حوار له كانت قد أجرته معه مجلة الشروق اللبنانية في منتصف تسعينات القرن الماضي، يقول في رده علي سؤال هل الحزب الاتحادي حزب وسط؟ قال " إنه لم يعد ذلك الحزب، و لكنه يستطيع إذا جرت بعض التطورات فيه أن يجدد شبابه، و يتحول إلي حزب وسط، و حزب قوي حديث، كما كان في السابق، لأنه حزب يتمتع بصفات لا يتمتع بها حزب آخر، و تاريخه مشرف لأي سوداني يريد أن يشارك فيه"و أيضا حول مستقبل الحزب يقول " إن الوضع سوف يتفجر داخل الاتحادي الديمقراطي و سوف يظهر الانقسام و سوف يعود الحزب الوطني الاتحادي كما كان سابقا و ربما يظهر حزب الشعب الديمقراطي، و هذا أفضل حيث سيظهر الأبيض أبيض و الأسود أسود" هذا التنبوء قد حصل داخل الحركة الاتحادية و هي الآن في حالة من التشظي، حيث تشظي لمجموعات عديدة أضعفت الحزب، و جعلته علي هامش العمل السياسي. و تعددت أسماء الاتحاديين، و لكن ليس كما ذهب ياسين بظهور الوطني الاتحادي و حزب الشعب الديمقراطي. و كانت الطائفية قد سعت منذ دمج الأحزاب الاتحادية عام 1952 في القاهرة و تكوين الحزب الوطني الاتحادي، للسيطرة علي الحزب الوليد، و لكن في تلك الفترة كانت القيادات واعية للطائفية و لدورها، و رغبتها في السيطرة علي الوطني الاتحادي. و بعد ما قبضت علي مفاصل الحزب لا يمكن أن تفرط فيه. إلا إذا ظهرت قيادات إتحادية متجردة، غايتها أن تعيد للحزب مجده من خلال إعادة هيكلة الحزب علي أسس ديمقراطية، و استطاعت أن تقدم برنامجا سياسيا يعبر عن قوي الوسط. لكن حتى الآن لم تبرز مثل هذه القيادات، الكل يتطلع لقيادة الحزب لذلك ظهرت هذه المجموعات المتعددة.

إن يكون الحزب، حزب وسط، ليس يدل علي موقعا سياسيا، أو إنه أختيار أسم يعبر عن الوسطية، و لكنه مصطلحا يشير للتعبير عن الموقع الاجتماعي، أي الطبقة التي يعبر عنها الحزب و المنطق الفكري للحزب. كان الوطني الاتحادي من خلال القوي المنخرطه فيه و خطابه السياسي يعبر عن الطبقة الوسطى " قوي الاستنارة في المجتمع" و لكن بعد عملية الدمج بين الوطني الاتحادي و الشعب الديمقراطي حدث تغيرا كبيرا في توجهات الحزب الفكرية و أصبح يتنازع بين الوسط و بين التعبير عن مصالح الطائفة، الأمر الذي أدي إلي تراجع دوره السياسي. و الملاحظ في كل المجموعات الاتحادية إنها استبدلت المرجعية الفكرية بشعارات سياسية تتلون و تتغير حسب تطور الأحداث السياسية، مما يؤكد إن القيادات الاتحادية لا تشغل نفسها بمسألة أن تقدم أطروحات فكرية تعيد من خلالها دور الحزب في الساحتين السياسية و الثقافية. و بدلا من ضياع الحزب و تاريخه لابد من النظر في مبادرات سياسية تعيد للحركة الاتحادية دورها الطليعي في المجتمع. هذا مشهد للحركة الاتحادية.
في جانب آخر للمشهد السياسي في الساحة، برز حزب المؤتمر السوداني كقوة طليعية، أغلبية الذين انضموا إليه كانوا أعضاء في مؤتمر المستقلين في الجامعات السودانية، و بحكم العضوية إن أغلبيتهم يمثلون الطبقة الوسطى في المجتمع، و قد أثبت الحزب وجوده في الشارع السياسي. و تقديم المبادرات السياسي من خلال طرحها أولا علي عضويته، و من ثم علي القوي السياسية الأخرى، هذا الدور يؤكد إنه يسير في ذات الطريق الذي كان يسير عليه الوطني الاتحادي قبل دخول الطائفة عليه. و قدم المؤتمر السوداني مبادرتين في غاية الأهمية لكي يحدث حراكا سياسيا يهدف لتغيير ميزان القوي في الساحة، المبادرة الأولي قبول الدخول في انتخابات عام 2020م علي شروط توفر النزاهة و الشفافية، و الثانية عدم تعديل الدستور القائم أي دستور 2005م، الهدف منها هو أن يجبر المؤتمر الوطني للبحث عن مرشح بديل للرئيس البشير، و عدم تعديل الدستور سوف ينقل الصراع داخل المؤتمر الوطني، بسبب التكتلات و مجموعات مراكز القوي داخل هذاالحزب الحاكم، إن عدم ترشح الرئيس البشير هي بداية النهاية لحزب تأسس في كنف السلطة، و المجموعات الاتحادية بدلا من حالة السكون و الخمول السياسي الذي تعيش فيه، أن تحاول أن تنسق مع حزب المؤتمر السوداني للوصول لبرنامج مشترك يوحد الرؤية بينهم، أو أن تطرح عليه قضية الاندماج كما حدث مع حزب الشعب الديمقراطي عام 1968م و ظهر حزب الاتحادي الديمقراطي، و هي الخطوة التي يمكن أن تعيد لقوي الوسط دورها الريادي في العمل السياسي. و مثل هذه الخطوة لا تنبع إلا من قيادات قادرة أن تقرأ الساحة السياسية قراءة جيدة تدرك من خلالها ضرورة عملية التنسيق. و هناك مجموعات اتحادية تحاول أن تنسق مع قوي يسارية و آخرى ارتمت في حضن الطائفية بحثا عن مصالح ذاتية، فهي تحالفات لا تبرز دورها كقوى ديمقراطية تبحث عن طرق متعددة لكي توصل رسالتها، و تتقارب مع القوي القريبة منها فكريا.
إن البناءات السياسية المغلقة، لا تستطيع أن تقدم مبادرات وطنية تخترق بها الأزمات، لأنها دائما تفكر بمحدودية المصلحة التي تتمثل في مصلحة أفراد أو حزبية ضيقة، لذلك عندما تقدم مبادرات هي نفسها تجهضها نتيجة لهذه المصالح المسيطرة، و لكن يحدث الاختراق للأزمات عندما تكون هناك قوي من خارج الدائرة تقدم مبادرة تستطيع أن تلتف حولها القوي السياسية، تشكل بها ضغطا قويا علي الحزب الحاكم، الأمر الذي يغير ميزان القوي في المجتمع لكي تتم عملية التغيير، و إذا استطاع المؤتمر السوداني أن يفتح حوارا مع المجموعات الاتحادية المبعثرة و الاتفاق علي برنامج واحد سوف تكون خطوة متقدمة لمشوار التغيير. و المشكل الذي يواجه مثل هذا المسعى هي حالة الحنين " Nostalgia " التي يعيشها الاتحاديون حتى لا يضيعوا تاريخهم و إرثهم السياسي. و هذه نظرة خاطئة، إن أي أتفاق سوف يجعلهم يسوقون معهم هذا الإرث، لآن الطائفة لا تستطيع أن ترث إرثا سياسيا لا يعبر عنها، بل يتناقض مع مواقفها و تاريخها السياسي. و حتى لا يمكن أن تستغله عناصر أرتضت أن تتعارض في مواقفها مع إرث الطبقة الوسطى المنادي بالحرية و الديمقراطية، و هم يساندون و يعاضدون الشمولية.
إن الآزمات التي تعيشها البلاد السياسية و الاقتصادية و الحروب لا يحدث لها اختراق إلا إذا استطاعت الأحزاب أن تجدد نفسها، و تغير باستمرار من قياداتها، لكي تفتح المنافذ لقيادات جديدة لها تصورات و رؤي جديدة. لكي تعيد لتلك الأحزاب فترة صبها مرة أخرى، تجعلها قادرة علي الاستقطاب السياسي وسط الجماهير، و قادرة أن تغير من طبيعة العمل السياسي الماضي الذي بني علي نفي الآخر. إن أي مبادرة جادة من أجل جمع قوي الوسط و التعبير عن الطبقة الوسطى في المجتمع سوف يكون محفزا للقوي الآخرى، و خاصة القوي الاشتراكية في أن تفتح ذات الحوار مع القوي الشبيهة لها و تنادي بالاشتراكية، لكي تتجمع في بوتقة واحد تعبر عن قوي اليسار، و هي ذات الفكرة التي كان ينادي بها الدكتور الشفيع خضر قبل إجباره علي مغادرة الحزب الشيوعي، و أيضا فكرة المرحوم محمد علي جادين حزب أحد مؤسسي حزب البعث العربي الاشتراكي. و تكون الخطوة أيضا مشجعة لدعاة الحزب الخالف الذي يتبناه حزب المؤتمر الشعبي.
إن إشكالية القوي السياسية السودانية الحاكمة و المعارضة، و صلت حالة من التيبس، عجزت فيها أن تقدم مبادرات تتجاوز بها الأزمة التي تعيشها، و ظلت تعيد إنتاج أزمتها باعتبار إن العقليات التي تدير الأزمة ثابتة لا تتغير، و لا تستطيع أن تتجاوز مقدراتها التي نضبت، فهي في حاجة للتغيير، و أيضا في حاجة لتغير المشهد السياسي بإحداث تغيرات جوهرية فيه. و فتح حوارا بين القوي الفكرية المتاشبهة، و هي واحدة من المقترحات التي تعيد النظر في القضايا المطروح بزواية مخالفة للنظرة السائدة الآن. و يتم تحالف بين قوي تتقارب في تصوراتها مطلوب لتعيد التقيم في الواقع. و هي فكرة أن يحدث إندماج أو تنسيق بين قوي الوسط الماثل الآن في المجموعات الاتحادية بعيدا عن الطائفة و حزب المؤتمر السوداني، بالضرورة سوف يخلق واقع جديدا للتفكير. و نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////////////