كتب الدكتور التجاني عبد القادر مقالا بعنوان "الثنائيات المدمرة" و الدكتور عبد القادر هو أحد القيادات الإسلامية الذين يشتغلون بالفكر، و ليس هذا أول مقال للدكتور التجاني عبد القادر يحاول فيه أن يناقش قضية الصراع علي السلطة في البلاد، إن ما كتب مقالات متسلسلة من قبل، حيث تركزت علي نقد التجربة الإسلامية، و الانحراف الذي حصل لها جراء السلطة، و تحالف (السوق و القبيلة و الأمن) و كل تلك المقالات كانت متعلقة بتشريح للحركة الإسلامية و ما حدث في بنائها التنظيمي و الفكري بعد انقلابها علي السلطة الديمقراطية و تأسيس سلطتها الخاصة. و مقاله "الثنائيات المدمرة" مقال مغاير للمقالات السابقة للدكتور عبد القادر، حيث يعد يمارس في هذا المقال نقدا للصراع الدائر بين ثنائية أيديولوجية في الساحة السياسية تتمحور في (إسلامي/ علماني) و هو الصراع الرمزي للحركة الإسلامية و مجموعة القوي الإسلامية الآخرى مع اليسار بكل ألوان طيفه في الساحة السياسية، و الصراع في بعده الأيديولوجي ليس قائما علي القيم الديمقراطية، أن ما يهدف لنفي الآخر، و هو صراع ليس وليد الحظة الراهنة، بدأ بصورة واضحة في آواخر عقد الستينات من القرن الماضي، عندما أتخذت الحركة الإسلامية حادثة معهد المعلمين، ذريعة برفع شعارات حل الحزب الشيوعي و تضامنت معها القوي السياسية الآخري، و التي أدت بالفعل إلي حل الحزب الشيوعي و طرد نوابه من البرلمان. هذه الفعل كان نقطة تحول حقيقية في الثقافة السياسية في البلاد، حيث أدخلت قانون نفي الآخر، الأمر الذي جعل الصراع في الساحة السياسية يتحول إلي صراع إيديولوجي، و غادرت القوي الآخر غير الأيديولوجية خشبة المسرح، و جلست مع جمهور الصالة تتفرج دون أن تتدخل لكي تغير طبيعة الصراع، و في النهاية أصبحت ضحية له.
يقول الدكتور التجاني عبد القادر في مقاله "الثنائيات المدمرة" عن طبيعة هذا الصراع المدمر يقول "تمنيت في رسالة سابقة بعنوان ( بصيص من الأمل) أن يتجاوز الجيل الجديد ثنائية " علماني/ إسلامي" المدمرة. و قد أستشكل البعض العبارة، و استغرب آخرون صدورها عني، و طلب آخرون مزيدا من التوضيح. و ها أنا أعود لهذه المسألة فأقول إن الثنائية علماني/ إسلامي تشير إلي قريب مما بات يعرف في عالم الصفقات " بالمعادلة الصفرية" و التي تعني أن ما يناله هذا الطرف من أرباح سيعني بالضرورة خسرانا مبينا علي الطرف الآخر، و أن ما يحققه هذا الطرف من تقدم سيكون بالضرورة خصما من حظوظ الطرف الآخر، و هكذا تستمر العلاقة الصفرية بين الطرفين: خصومة لا تنقطع و " تدمير متبادل" علاقة لا يحيا فيها طرف إلا بإهلاك الآخر، علاقة لا توجد فيها منطقة " وسطى" سواء علي المستوي النفسي – الفكري أو علي المستوى الاجتماعي السياسي" هذه المقولة تبين إن الدكتور التجاني أختزل الصراع السياسي في رؤيتين متعارضتين، رؤية الحركة الإسلامية و رؤية الحزب الشيوعي السوداني، و هي رؤى تتكئ علي الأيديولوجية، في إعتقاد إن مشروعها وحده هو الحقيقة و الذي يجب أن يسود و يتبعه الآخرون، هذه الفهم الإقصائي هو الذي جعل الكل يبتعد عن الديمقراطية، وحتى قوي الطائفة دخلت حلبة الصراع تناصر فصيل علي الآخر، من خلال تحالفات كانت تقيمها مع منظومة الأيدلوجيين، و يرجع ذلك لإنها كانت تفتقد القدرة علي أن تقدم المشروع البديل الذي يجذب قطاع كبير من الطبقة الوسطى لصفها، و تستطيع أن تبني تحالفا قويا، يؤسس مجتمع مدني فاعل و قوي، قادر علي خلق معادلة لتوازن القوة في المجتمع، و يقف ضد أية محاولات لتغيير السلطة خاصة إذا استعانت أي قوي أيديولوجية بالمؤسسة العسكرية، لكن الطائفة لا تستطيع أن تتصالح مع أي قوي ديمقراطية قادمة من الطبقة الوسطي، في أعتقاد إنها سوف تجردها من آدواتها، و بالتالي كانت تعتقد هي الأقرب إلي المؤسسة العسكرية فقط لوجود قيادات فيها أسرهم لها ولاء مع بيوتات الطائفية، و غفلت إن المؤسسة العسكرية تمثل الطبقة الوسطى و لها أيضا مطامح.
أستغلت الحركة الإسلامية ضعف الطائفية و أيضا حالة الرهق في الحزب الوطني الاتحادي، و كانت تعرف إن الأمية تمثل أكثر من 75% من الشعب، و أيضا الأمية السياسية ضاربة بجذورها في المجتمع، لذلك ملأت الساحة السياسية بشعارات إسلامية، لكي تحاصر بها هذه القوي التقليدية، و استطاعت أن تدخلها في شرنقة صعب خروجها منها. الصراع تحول في الساحة السياسية علماني / إسلامي لآن الحركة الإسلامية نفسها لم يكن لها رؤية فكرية واضحة و لا مشروعا سياسيا يتكئ لمرجعية فكرية تجادل عليها، كانت تركز علي الشعارات " الاسلام هو الحل" " هي لله هي لله لا للثروة و لا للجاه" دون أن تشرح هذا الشعار، في الجانب الآخر كانت القوي الديمقراطية ضعيفة، و قيادة الوطني الاتحادي أنشغلت بقضية الدستور و التحول من نظام برلماني إلي نظام رئاسي، الأمر الذي جعل القيادات الاتحادية تفكر مرة أخرى لكي تعيد النظر في مقاطعة الطائفية، و تسعي لتوحيد الحزبين الوطني الاتحادي و الشعب الديمقراطي، و تغض الطرف عن شعارات الحركة الإسلامية، و لا تتصدى لها، بل تبنتها بفعل الإندماج الذي أعاد الطائفية، الأمر الذي جعل الحركة الإسلامية تستفيد من حالة الخمول السياسي في حزب الأمة و الاتحادي الديمقراطي، و تغمر الساحة السياسية بشعارات إسلامية هي نفسها كانت غير ملتزمة بها أخلاقيا، و ظهر ذلك جليا بعد وصلها للسلطة.
و يقول الدكتور عبد القادر في ذات المقال "لقد دخلت معترك السياسة في أواسط الستينيات من القرن الماضي، وكان ذلك هو المناخ السائد، فخضت فيما خاض فيه أبناء جيلي. يكيد لنا أعداؤنا في اليسار، ونكيد لهم كيدا، وخلال هذه العملية من الكيد والكيد المضاد لم نك نحس بحالة "النزيف" التي كانت تسببها أفعالنا تلك للوطن" و يؤكد الدكتور ما ذهبت إليه إن الفكرة في الحركة الإسلامية كانت غائبة، و إن الصراع الأيديولوجي الاقصائي كان قد أخذ كل وقتهم السياسي في كيفية نفي الآخر. و هذا راجع لاعتقاد عند قيادات الحركة إن إزاحة الحزب الشيوعي من الساحة السياسية سوف يجعل الحركة تستفرد بالساحة، لأنها علي قناعة إن القوي الطائفية لن تقف أمام طموحاتها، و هي من خلال شعاراتها الإسلامية قادرة علي خلخلة جماهير الطائفية و أختراقها و استقطاب قطاع كبير منها، إذاً الأيديولوجية كانت أداة أقصائية، و ليست حوارية لكي تخلق صراعا فكريا في المجتمع. فالتجربة الإنقاذية التي تعرض لها الدكتور التجاني عبد القادر بالنقد و تبلورت في " السوق و القبيلة و الأمن" ثم سيطرة الراسماليون، ناتجة عن هذا الصراع المبني علي شعارات تتغير حسب مصالح الأفراد، و لا مبني علي قيم دينية..
في مقال للدكتور التجاني عبد القادر بعنوان " الرسماليون الإسلاميون ماذا يفعلون في الحركة الإسلامية" يقول في هذا المقال " أشرت فى مقال سابق إلى إرهاصات تحول إستراتيجى وقع فى مسار الحركة الإسلامية، وذكرت أنه صار يتجسد سياسيا فى تحالف ثلاثى بين "القبيلة" و"السوق" والذهنية الأمنية"، ثم تحدثت فى مقالين تاليين عن هذه الذهنيةالتى هيمنت على التنظيم وحولت سائر نشاطه الى ملفات أمنية، وأريد فى هذا المقال أن أتحول الى السوق، لنرى ظاهرة أخرى تتمثل فى "الذهنية" التجارية وفى العناصر الرأسمالية التى صارت هى الأخرى تنشط وتتمدد حتى كادت أن "تبتلع" الجزء المتبقى من تنظيمنا الإسلامى الذى لم ننضم اليه أصلا الا فرارا من الرأسمالية المتوحشة." في هذا المقال يكشف الدكتور إن التحولات و الصراع داخل الحركة الإسلامية، لم يكن قائما علي رؤي فكرية بل سعي من أجل تحقيق مصالح إذا كانت هذه المصالح خالصة للتنظيم، أو مصالح شخصية لقيادات الحركة الإسلامية لم تكن ظاهرة في ظل الشعارات و البعد عن السلطة، و لكن عندما قبضوا علي مفاصل السلطة و استطاعوا أن يضعفوا القوي السياسية الآخرى، ثم بدأت المصالح الخاصة تبرز بشكل واضح، و هي المصالح التي كانت سببا في إبعاد زعيم الحركة الدكتور حسن الترابي. فالانحراف الذي حدث ليس سببه الصراع بين علماني / إسلامي، إن ما سببه الأول غياب الرؤية الفكرية، و الثاني إن التنظيم تبني قيادة الكارزما دون المؤسسية الأمر الذي غيب الممارسة الديمقراطية بصورتها التي تجعل العضوية تقدم مبادراتها بجانب مبادرة الكارزما، الأمر الذي غيب التنافس البناء الذي يفتح باب الاجتهاد للكل، و كان قد يؤدي إلي تخفيف حدة الأيديولوجية، و أيضا النظر للآخر بأنه يمتلك جزءا من الحقيقة. لكن الأيديولوجية التي تبنتها الحركة الإسلامية كانت سالبة حتى داخل التنظيم لأنها تحمل ثقافة إقصائية. هذا السلوك و البعد عن قيم الدين و تقليص مساحات الحرية و غياب الممارسة الديمقراطية، كان سببا أن يدمر الحركة نفسها و يؤدي إلي غيابها عن الساحة. نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.