المناسبات العامة هي فترة المنافسات للقنوات السودانية (الحكومية و شبه الحكومية و الخاصة) لتقديم أفضل ما عندها من الإبداع الذي يجذب المشاهدين، و هي في نفس الوقت الفترة التي ينسحب فيها المنظرون، ململمين كل أوراقهم الخالية من الأفكار و الإبداع، لكي يفسحوا المجال للمبدعين لكي يتقدموا بتصوراتهم و أفكارهم في مجال البرمجة، و الملاحظ في برمجة المناسبات العامة ( شهر رمضان – الأعياد) و هي الفترة التي تحاول كل القنوات أن تقدم أفضل ما عندها في إثارة الوجدان الوطني في المشاهد، الحمية التي تجعل السوداني في حالة من استرجاع كل الرموز و الإشارات الثقافية التي ترجعه دائما إلي الماضي، الرجوع دائما بالذاكرة للماضي هو الهروب من تحديات الحياة الماثلة وأزماتها، لإتكاءة ولو للحظات مع ساعات سمر و مسامرة قد مضت مع رفاق الصبا و زملاء المراحل التعليمية، أيضا المؤانسة في الأحياء و مع الأهل. و هي انعاش للذاكرة و التراث الاجتماعي، و أيضا هي الفترة التي تتقلص فيها مساحة السياسة في البرمجة، و تحاول كل القنوات أن تجعل هذه الحظات، هي لحظات مشاركة في استنهاض الوجدان السوداني الثقافي المرتبط بأدوات الإبداع، بعيدا عن الحساسيات التي تقود لعملية التصنيف السياسي. و كل ما كانت القناة تقدم تعددية من الصور الجمالية الإبداعية، من بيئات السودان المختلفة، كانت واحة دائمة يقصدها المشاهدين، و جاذبية المشاهد تعني في مجال إدارة الأعمال، جذب للإعلان التجاري، أي توفير الإمكانيات المالية التي توسع من دائرة الإنتاج البرامجي، و كل ما كان الإنتاج متواصلا بصوره الإبداعية و جمالياته المتنوعة، يشكل دعامة أساسية للإستقرار في المؤسسة، و أيضا يساعد علي زيادة الحوافز للعاملين.

إن العمل الإعلامي دائما تفسده العناصر التي لها قدرات متواضعة، و عجزت أن توظف إمكانياتها الإبداعية بالصورة السليمة، هذا العجز يحملها أن تقف دائما سدا مانعا أمام عمليات الإبداع، و تعتقد إن العمل الإعلامي هو مساحات من الزمن يجب أن تملأ، ببرامج و مواد مرضية للقيادة السياسية، غض النظر عن من يحكم، و هي برامج دائما مدعاة للملل، لأنها مجرد حشو خالي من الإبداع، و منفرة للمشاهد، و مثل هذه الإعمال، هي التي تجعل المؤسسة الإعلامية تتراجع في صورها النمطية عند المشاهد مقارنة بمؤسسات أخرى، تكون فيها مساحات الإبداع أوسع و أكبر، و تتنوع فيها البرمجة التي تقدم من خلالها صورها الجمالية. فحديث الأستاذة سلمي سيد لجريدة ( الجريدة) و الذي تم نشره أول أيام رمضان قالت " لن اتعامل مع الشروق حتى تعود من غربتها...!" و أيضا قالت " قبلت عرض تلفزيون السودان لأسباب وطنية و أحبطني التيار الرافض" و أيضا قالت " الهلال قناة فضائية أبدت جدية، و كان عرضها الأفضل" و هي مقولات جاءت متماشية مع تصنيف القنوات الذي بدأت به المقال ( حكومية و شبه حكومية و خاصة) و هذا التصنيف هو بحكم مصادر الصرف علي القناة. و حديث الأساذة سلمي إيضا له ثلاثة أبعاد متعلقة بالإدارة و الفهم للعمل الإبداعي.
في سياسة العمل البرامجي الإعلامي، إن كان ذلك في الإذاعات أو في القنوات الفضائية، دائما تكون المادة المقدمة لإدارة البرامج هي سيدة الموقف في قبولها و رفضها. و لكن هناك استثاء في كل قاعدة. الأستاذة سلمي سيد إعلامية معروفة، و لها شعبية كبيرة و جمهور يتابع أعمالها، و أيضا متابعين وسط الطبقة الوسطى، و قد أثبتت وجودها التلفزيوني من خلال البرامج التي قدمتها، و كان لها صدي وسط المثقفين. حيث تناولت فيها لونية متنوعة تأخذ الفن و الغناء و الثقافة، تشير البرامج إن مقدمتها لديها قدر عالي من الإبداع، و مليء بالإشارات الثقافية، و إن الفكرة دائما تقدم تساؤلات جديدة، تثير العقل. في مثل هذه الحالة تسبق الشخصية المادة المقدمة، أي أن ينظر للشخصية قبل المادة، باعتبار إن الشخصية أصبح لها جمهور. فالقناة تسعى لكسب هذا الجمهور أولا، ثم تنظر للفكرة ثانيا، و إذا رأت إن الفكرة تحتاج إلي تطوير يبقي الحوار بين إدارة البرمجة و الشخصية حول المجادلة في تطوير الفكرة. و عندما تقول الأستاذة سلمي لن اتعامل مع الشروق حتى تعود من غربتها، و سلمي بدأن مشوارها الإعلامي مع قناة الشروق، عندما كانت تبث من دبي في دولة الأمارات العربية المتحدة، و بالتالي هي علي دراية كاملة بالإستراتيجية التي تأسست عليها القناة، و أيضا بالسياسة البرامجية فيها، و هذا القول يشير إلي إن القناة غيرت من تلك السياسة، و قد استلبت، و بالضرورة تؤثر في شخصية القناة الاعتبارية التي تعود عليها الناس، الأمر الذي جعل الأستاذة سلمي تختلف مع القناة و تطالبها برد الغربة. في مقولتها الثانية المتعلقة بالتلفزيون القومي، و الذي بنت عليه الرفض للعرض، يتمثل في الإحباط الذي شعرت به من التيار الرافض للعرض. و قبل أن تقول سلمي حديثها عن القناة، معروف في الوسط الإعلامي و خاصة فيما يسمى ( بحوش الإذاعة و التلفزيون و المسرح) إن القناة الحكومية تعاني إشكالية التيارات و المجموعات الشللية، و هي إشكالية بدأت مع التلفزيون منذ تأسيسه عام 1963م، و ظلت مصاحبه عبر مسيرته التاريخية، و يعود ذلك بسبب إن الكادر الذي تاسس عليه التلفزيون، جاء من مؤسسات حكومية مختلفة، و هي التي جعلته في حالة من التراجع مقارنة بالقنوات الأخرى، و رغم التغيير الذي حدث في بسبب القادمين الجدد للعمل و لكن كان يستوعبوا في القوالب القديمة السالبة، و هي مسألة تحتاج إلي علاج جراحي، يغير من البيئة و يصنع واقعا جديدا. و موقولتها عن قناة الهلال. يرجع لسببين، الأول إن القناة هي قناة خاصة و تنظر للمسألة من دائرة الربح و الخسارة، و سلمي لها جمهورها العريض و بالتالي مكسب للقناة بإضافة جهور لجمهورها. و الثاني إن مديرها كان مديرا ناجحا للبرمجة في قناة النيل الأزرق يستطيع أن يميز بين سلمي كمقدمة برامج و إمكانياتها الإبداعية، و بين الفكرة للبرنامج، و في كلا الحالتين هو مكسب للقناة.
السؤال الذي يفرض نفسه لماذا تصبح المناسبات العامة هي التي تكثف فيها المؤسسات الإعلامية ( القنوات الفضائية و الإذاعات) عملها الإبداعي؟
و تتعدد الإجابات بحكم المصالح، فهي الفترة التي يتحلق فيها جمهور واسع من المشاهدين حول الشاشة البلورية، لذلك هي فترة جاذبة للإعلان، و لأنها جاذبة للجمهور و الإعلان يعتبر التنافس بين القنوات كبير في هذه الفترة، فكل قناة تحاول أن تقدم أفضل ما عندها، و توظف كل عناصرها الإبداعية في الخروج بلوحة إبداعية تمتلئ بالصور الجمالية المميزة. و معروف الصورة الجمالية يصنعها الفريق العامل بكل مواصفات في العمل تقديم إعداد تصوير إضاءة ديكور و إخراج. و في هذا الشهر الكريم من خلال إعلان كل قناة لبرامجها التي سوف تبث في الشهر، و من خلال عدد من البرامج التي قدمت في اليومين الماضيين، يجد هناك تغيير في الأفكار و البرامج، يؤكد إن الإعلامي السوداني يمتلك القدرات الإبداعية و الأفكار، ينقصه فقط التدريب المهني و الفني في مؤسسات إعلامية عالمية، و الحصول علي أفضل المعدات الإعلامية و الآدوات. و معروف في العمل الإعلامي إنه يتطور و يتقدم من خلال تراكم الخبرات و المعارف. نسأل الله حسن البصيرة.

نواصل

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.